ترجمات عبرية

مقالات وتقارير مترجمة من الصحافة الاسرائيلية ليوم 20-11-2012

معاريف – من ايلي بردنشتاين:20/11/2012

معضلة نتنياهو.. أرنب نتنياهو../

          في حملته الانتخابية للعام 2009 أعلن بنيامين نتنياهو بأن السبيل الوحيد لوقف النار من غزة هو انهيار حكم حماس، غير انه من مكتب رئيس الوزراء تبدو الامور مختلفة بعض الشيء، والآن، حين بات القرار بالدخول الى غزة وانهيار حكم حماس في يده، فهو ليس معنيا حقا بعملية برية كهذه، تجبي حياة الجنود ونتائجها ليست واضحة.

          يستخدم نتنياهو الآن تهديد العملية البرية في غزة استخداما مشابها لذاك الذي اتبعه في التهديد بقصف منشآت النووي في ايران، فاعادة احتلال القطاع لا تبدو كخيار مريح. ومن جهة اخرى، فعلى مدى السنين تعززت في القطاع محافل متطرفة من شأنها ان تستولي على الحكم فيه اذا ما انهارت حماس بالفعل. واذا ما تحدثنا عن عملية ضيقة، فان نتنياهو على علم بالتأكيد بخطر ان يصل الجيش الاسرائيلي الى وضع من المراوحة المحرجة في المكان في غزة، وكذا، وهذا ليس لطيفا قوله، الى الأثر السلبي الذي من شأنه ان يقع عليه جراء ذلك حين يأتي يوم الناخب بعد نحو شهرين.

          ولكن لشدة العجب، فان نتنياهو، الذي تربى على تقاليد الحركة الاصلاحية، يستخدم خطابا كفاحيا حين تكون رسالته لا لبس فيها. اذا لم يتحقق اتفاق مع حماس – فاسرائيل ستدخل الى غزة، بالضبط حسب صيغة وعده الانتخابي، وتدفع الى الانهيار بحكم حماس. وهو لا يرغب في ذلك وسيحاول الامتناع عن هذا الحل. الزمن لم يحن، بعد. هذا ما قاله للرئيس الامريكي براك اوباما وكذا في محادثات مع زعماء اوروبا. ولكن التهديد واضح تماما، واذا لم تسقط حماس، فهذا بالضبط ما سيحصل، بالضبط مثلما في الحالة الايرانية (المجمدة حاليا).

السؤال اذا كان نتنياهو يخاف وبالتالي فانه يتحدث أساسا، غير ذي صلة. وهو يمتشق مرة اخرى الأرنب الدائم من القبعة، سلاح التهديد الذي ينجح حاليا على الأقل في اثارة المخاوف العميقة لدى الجميع. وعليه فانه في سلسلة من الحجج المقنعة جدا يحاول ان يجند كل الجهات الدولية ذات الصلة كي تؤثر على حماس للتعهد بأن توقف في المرحلة الاولى نار الصواريخ على اسرائيل، وعندها الدخول في مفاوضات طويلة على الشروط المختلفة. في مثل هذه الحالة، يمكنه منذ الآن ان يعرض انجازات للناخبين بعد شهرين.

          يفهم نتنياهو بأن انجازات الحملة حتى يوم أمس – تصفية احمد الجعبري، تدمير الصواريخ للمدى المتوسط وقصف ملعب كرة القدم في غزة بمدفوناته الصاروخية – لا تستحق حقا الجهد ولم تحقق الهدف الحقيقي – الهدوء المطلق في الجنوب. وعلى نحو مشبع بالمفارقة، فان الحملة المحدودة لن تسجل بالضرورة في صالحه في صندوق الاقتراع.

          وعليه، فمن اجل تحويل التهديد بعملية برية الى أمر حقيقي ثمة حاجة لاخراج مسرحية كاملة ومقنعة، تكون في لحظة الحقيقة قادرة على ان تخرج من قاعة المسرح الى العالم الحقيقي. وهكذا أُقر تجنيد 75 ألف جندي احتياط متحفزين كالرفاس في مواقع مختلفة في الجنوب استعدادا لتلقي الأمر بالدخول الى غزة. واليوم ستُقر لجنة الخارجية والامن تجنيدا اضافيا لجنود احتياط وعدّلت قيادة الجبهة الداخلية منذ الآن تعليماتها الى المواطنين. وتحدث مسؤولون كبار في القدس طوال الاسبوع، وبقوة أكبر أمس، فقالوا انه “مع أننا نفضل الحل الدبلوماسي على العملية البرية، إلا أنه اذا كان السبيل لضمان أمن مواطني اسرائيل هو فقط سبيل العملية البرية، فان الجيش الاسرائيلي جاهز منذ الآن لتنفيذها”.

          وتحدثت محافل أقل انضباطا بصراحة عن عملية برية في حالة فشل الاتصالات لوقف النار.

          ويخدم الضغط الدولي على اسرائيل، الآخذ في الاشتداد في الايام الاخيرة، للامتناع عن عملية برية وذلك من خلال الرسائل السرية، التصريحات من الاتحاد الاوروبي وجملة الزيارات التي قامت بها شخصيات رفيعة المستوى الى اسرائيل، يخدم بهذا المفهوم مصلحة نتنياهو. فقد نجح في ان يخلق احساسا بالالحاح في الأسرة الدولية، في أنه اذا لم تتوقف النار، في غضون 24 ساعة على ما يبدو، فلن يكون أمام اسرائيل مفر غير الدخول الى غزة. وهنا دخلت ايضا مصر الجديدة والضعيفة، تحت حكم الاخوان المسلمين، الخاضعة للتأثيرات من جانب الولايات المتحدة ومن جانب دول الخليج، الفاقدة لسيطرتها في غزة، وهي ساحتها الخلفية، والتي ترى كيف يُسحب من أيديها دور الوسيط وهي تجتهد لابقائه.

          في هذه الساحة المركبة، التي يشارك فيها لاعبون دوليون كثيرون، لا غرو أن نتنياهو يفضل الامتناع عن عملية برية وتحقيق وقف للنار، ربما تاريخي، بوسائل سياسية.

—————————————————–

يديعوت – من يوسي يهوشع:20/11/2012

ثمن الحذر../

انطلقت اسرائيل الى حملة “عمود السحاب” فيما أن أحد أهدافها هو أن تستعيد قوة الردع. غير أن محافل في الجيش الاسرائيلي تخشى من أن يكون من شأن الحذر النسبي الذي يتخذه الجيش في القطاع أن يؤدي الى نتيجة معاكسة، فيمس بقوة الردع حيال منظمات الارهاب التي تعمل تحت رعاية السكان: حماس – وكذا حزب الله.

حتى الان قتل في ستة أيام القتال في “عمود السحاب” اكثر من مائة فلسطيني، نحو نصفهم مخربون وآخرون مدنيون. ويدور الحديث عن تغيير هائل مقارنة مع “رصاص مصبوب”، حيث أنه في ضربة الافتتاح فقط بلغوا في غزة عن 270 قتيل. في الجيش الاسرائيلي قالوا ان “النشاط الجراحي” يسمح لاسرائيل بان تعمل في القطاع دون أن تتعرض تقريبا لضغط دولي، ودون أن تتعرض لانتقاد قانوني على نمط تقرير غولدستون، ولكنهم حذروا بان لذلك ثمنا أيضا. التخوف في الجيش هو أن تضيع حملة “عمود السحاب” هباءً “عقيدة الضاحية” من حرب لبنان الثانية، والتي تقضي بأن يتم الرد على النار من منطقة مأهولة بنار غير متوازنة.

مع هجر فكرة “رب البيت جن جنونه”، يقولون في جهاز الامن، من المتوقع لحماس أن تأتي الى الاتصالات لوقف النار برأس مرفوع نسبيا. الوضع، من ناحيتها غير لطيف، ولكنه أيضا ليس فظيعا. في الجيش الاسرائيلي يخشون من أن يكون حزب الله ينظر من الشمال الى تسلسل الامور ويفهم بان في المرة القادمة – ستكون له أسباب أقل بكثير للقلق. غير أن في الجيش يوجد من يرد هذه المزاعم. “غزة ليست لبنان”، هدأ الروع مسؤول كبير في الجيش. “واضح أن العالم سيعطي ائتمانا أكبر لحرب في لبنان، وعليه فاني لا اقترح على أحد أن يجربنا. سياسة الضاحية لا تزال سارية المفعول”

على خلفية الاحاديث عن وقف النار، واصل الجيش الاسرائيلي أمس الاستعداد لدخول بري. ومع ذلك، ففي لقاء مع قادة ألوية احتياط قال أمس رئيس الاركان بيني غانتس: “سأطلق الرفاص فقط عندما يكون هذا ضروريا، ثقوا بي”. وهكذا عبر عن معارضته للخروج الى الخطوة بشكل متسرع.

اليوم السادس من الحملة شهد انخفاضا في نار الصواريخ: فقد اطلق أمس على اسرائيل 121 صاروخا فقط، مقابل 245 يوم السبت. وواصلت “القبة الحديدية” سياق نجاحاتها، ونفذت 42 اعتراضا. وبالتوازي ضرب الجيش الاسرائيلي بشكل مكثف مواقع اطلاق الصواريخ للمدى المتوسط وهاجم على مدى اليوم 80 هدفا، بينها الاستاد الغزي الذي اطلق منه صاروخان الى غوش دان وغوش عصيون. كما تبين أمس أن لدى منظمات الارهاب في القطاع تبقى 60 في المائة فقط من قوة النار التي كانت لديهم عشية الخروج الى الحملة، بعد أن اطلق باقي الصواريخ نحو اسرائيل أو دمرت في غارات سلاح الجو.

على خلفية الاحاديث عن وقف النار يسعى الطرفان نحو “صورة نصر” في جولة القتال الاولى. في اسرائيل قالوا أمس انهم في حماس يحاولون لهذا الغرض اسقاط طائرات أو سفن للجيش الاسرائيلي أو كبديل النجاح في ضرب تل أبيب وايقاع اصابات عديدة. بالمقابل، في اسرائيل يتطلعون للوصول الى طاولة المفاوضات فقط بعد تصفية مجموعة من كبار المسؤولين في منظمات الارهاب. وفي ما ظهر كهجوم كهذا اصيب أمس بهجوم للجيش الاسرائيلي أربعة مسؤولين كبار من الجهاد الاسلامي.

—————————————————–

هآرتس – من باراك رابيد:20/11/2012

نقاش ليلي في التسعة.. “50 في المائة لحملة برية”../

          قررت اسرائيل اعطاء مهلة اضافية لجهود الوساطة المصرية حول وقف النار في قطاع غزة. وحسب موظف اسرائيلي كبير، فان القرار على توسيع حملة “عمود السحاب” الى عملية برية تأجل في هذه المرحلة ليوم على الاقل. وانعقد محفل “التسعة” أمس في نقاش ليلي في القدس للاطلاع على الاتصالات مع مصر. وأعربت مصادر أمنية في اسرائيل أمس عن تفاؤلها في احتمال الوصول  الى تسوية. وعلى حد قولها، فان معظم شروط الاقتراح المصري معقولة ويوجد “احتمال جيد” لانهاء القتال في غضون وقت قصير.

          وجاء اجتماع التسعة بعد أن بحث رئيس الوزراء نتنياهو، وزير الدفاع باراك ووزير الخارجية ليبرمان في الاقتراح المصري كما رفعه لهم المبعوث الاسرائيلي الى المحادثات مع كبار رجالات المخابرات في القاهرة. وفي النقاش الوزاري فكر نتنياهو، باراك وليبرمان في الحسم في صالح حملة برية في غزة، ولكن في الساعة 4:00، بعد ست ساعات من المداولات، قرروا السماح بمواصلة الجهود السياسية. “الوضع هو 50:50 بين وقف النار وتوسيع الحملة”، قال الموظف الكبير، “نحن نفضل حلا دبلوماسيا، ولكن اذا لم يكن مفر فسندخل الى غزة. لا يوجد سبيل آخر”.

          نتنياهو وباراك على حد سواء يتحفظان من عملية برية ويعتقدان بانه لا ينبغي تنفيذها الا اذا رفضت حماس كل صيغ الوساطة المصرية. ويخشى الرجلان من الضرر السياسي الذي ستلحقه عملية كهذه بعلاقات اسرائيل مع مصر والاردن والضرر الشديد الذي سيلحق بصورة اسرائيل في الغرب. وكلاهما يعتقدان بان المنفعة من العملية البرية ستكون محدودة.

          سبب آخر للانتظار الاسرائيلي هو “القطار الجوي” لكبار المسؤولين الذين يصلون الى المنطقة من دول مختلفة. وسيصل اليوم الى اسرائيل وزير الخارجية الالماني غيدو فاسترفالا والامين العام للامم المتحدة بان كي مون. وكان بان وصل امس الى مصر واطلع من الرئيس محمد مرسي على الاتصالات. ومن المتوقع أن يلتقي الرئيس شمعون بيرس وغدا نتنياهو.

          وبالتوازي سيعود المبعوث الاسرائيلي اليوم الى القاهرة ليعرض على المخابرات المصرية، الجنرال رفعت شحاته ومساعده محمد ابراهيم، آخر مواقف اسرائيل.

          والى ذلك عقد رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل مؤتمرا صحفيا في القاهرة ادعى فيه بان نتنياهو هو الذي طلب وقف النار من خلال جهات اخرى. وشدد على أن ليس لحماس رغبة في التصعيد، ولكنها مستعدة لهذه الامكانية بسبب الضربة الشديدة التي تلقتها مع تصفية أحمد الجعبري. واضاف مشعل بان حماس نجحت في الانتعاش وفاجأت العدو وان عملية برية ستؤدي بنتنياهو الى الفشل في الانتخابات.

—————————————————–

معاريف – مقال – 20/11/2012

هذا ليس الوقت

بقلم: أمنون لورد

على نتنياهو أن يواصل الضغط، حتى لو أبدت حماس مؤشرات على أنها جد معنية بوقف النار، ولكن عدم الدخول الى ما كان البعض القليل جدا يريدون دفعنا اليه. لا حاجة الى التسرع في انهاء قضية “عمود السحاب”. فنحن نتحكم بالوضع ونقشر بالتدريج قدرات النار من غزة.

          12 تموز 2006، اليوم الذي اختطف فيه الداد ريغف وايهود غولدفاسر، أمسك الجمهور الاسرائيلي وقيادته متلبسا في وضع من التحفز. فقد تدحرجت الامور من تلقاء ذاتها تقريبا، بعمى تام من العناد والنوازع. ما حصل في 14 تشرين الثاني 2012، ولا يزال مستمرا لليوم السادس، أمسك بنا وبالقيادة الرائدة، أي نتنياهو وباراك، في وضع من جمع برودة الاعصاب والوعي. وحسن أن هكذا. ليس جيدا الدخول في خطوة عسكرية بعيدة الاثر حين لا تكون أنتَ منذ البداية تسيطر على أفعالك.

          في وضع الوعي الحالي يبدو أن هذا ليس الوقت لتنفيذ الخطوة العسكرية الكبيرة والشاملة للاقتلاع المنهاجي لبنى الارهاب التحتية. على نتنياهو أن يواصل الضغط، حتى لو أبدت حماس مؤشرات على أنها جد معنية بوقف النار، ولكن عدم الدخول الى ما كان البعض القليل جدا يريدون دفعنا اليه. لا حاجة الى التسرع في انهاء قضية “عمود السحاب”. فنحن نتحكم بالوضع ونقشر بالتدريج قدرات النار من غزة، ولكن اذا ما نضج الوضع وكان اتفاق ما، فينبغي أن ننهي فورا معركة الاشتباك الغريبة هذه، التي تضحي فيها حماس بأفضل ابنائها وابناء اسرائيل يرون الاصوات في التلفزيون ويدهشون، اولئك الذين لا يندفعون في كل بضع دقائق الى المجالات المحصنة خوفا من الصواريخ.

          هنري كيسنجر لا يزال يكتب، وقبل يومين نشر مقالا في “واشنطن بوست” كتب فيه ان “القرار الاكثر الحاحا الذي يقف امامه الرئيس هو كيف يوقف ايران عن مواصلة سباقها نحو البرنامج النووي العسكري”. محظور أن ننسى هذا الهدف الكبير، الذي هو قبل كل شيء مشكلة نتنياهو. معركة الاشتباك الجراحي في الجنوب وقعت بمبادرة ايران الاستفزازية. يبدو أن هناك غير قليل ممن كانوا سيسارعون الى الدخول الى حملة “رصاص مصبوب 2”. ولكن هذا في هذه اللحظة زائد لا داعي له. فليس صدفة أنه يوجد احساس في أن اولئك الذين يدفعون نحو عملية واسعة وطويلة هم اولئك الذين يعارضون صراع نتنياهو ضد النووي الايراني.

          ظاهرا يبدو أن نتنياهو حشر في زاوية لم يرغب فيها. الدخول الى المرحلة التالية، البرية. اذا كانت حاجة، سيعرف الجيش الاسرائيلي كيف ينفذ اقتحامات محدودة لغرض تحقيق اهداف جديدة. يحتمل أن تكون حماس بحاجة الى ان نجسد لها قدرات من هذا النوع، ولكن بالتأكيد لا حاجة للدخول الى عملية واسعة فقط بسبب الخوف من أن تعرض حماس عدم الدخول كخوف اسرائيلي من “المقاومة” التي تعدها للجيش الاسرائيلي. يوجد بعض من الناس ممن اشاروا الى أنه من الزاوية الاستراتيجية، فان تصفية منظومة صواريخ فجر تجعل القرار للخروج الى عملية في ايران أسهل. نتنياهو، خلافا لمن يدق طبول الشقاق بيننا وبين اوباما، يعرف بان الان بالذات هو الوقت للعمل بالتعاون مع الرئيس الامريكي ومرغوب فيه أن نرفع له انجازا جيدا في جبهة غزة.

          شيء واحد واضح: الثناء الغريب والمبالغ به الذي منحه أمس الرئيس بيرس لمرسي، الذي فاجأ ظاهرا بالايجاب، لم يجدِ شيئا منظومة الضغوط التي تريد اسرائيل أن تمارسها على مصر وحماس. وها هو، الرئيس المصري يتجول منذ الان حاملا رسالة توصية من شمعون.

—————————————————–

هآرتس – مقال – 20/11/2012

ينبغي النزول عن “عمود السحاب”

بقلم: آري شبيط

يجب على اسرائيل ألا تمضي في العملية العسكرية حتى نهايتها وان تعمل الآن في إقرار هدنة طويلة مع حماس تشتمل على انجازات لها وعلى انجازات لحماس ايضا.

       كان اليوم الاول من عملية “عمود السحاب” مشحونا بالانجازات. فقد تمت تصفية القائد العسكري لحماس وتم القضاء على منظومة الصواريخ البعيدة المدى لحماس وأُصيبت المنظمة الفلسطينية المتطرفة بصدمة. وكان اليوم الثاني من عملية “عمود السحاب” ايضا ناجحا: فقد تم البرهان على قدرة القبة الحديدية وتم البرهان على صمود الجبهة الداخلية الاسرائيلية وتم البرهان على انه حتى اسرائيل 2012 تتمتع بقدر جيد من الشرعية الدولية والوحدة الداخلية. ان الأخوة الاسرائيلية والدعم الامريكي والتفهم الاوروبي والصمت التركي والتعاون المصري جعلت اسرائيل مساء السبت في وضع استراتيجي جيد كثيرا. وقد تمت ادارة عملية نتنياهو – باراك – غانتس العسكرية في الـ 48 ساعة الاولى بصورة أفضل من حرب لبنان الثانية و”الرصاص المصبوب”، ودُرست دروس فينوغراد ودروس غولدستون وتم استيعابها. وأعادت اسرائيل بناء قدرتها على الردع من غير ان تُسبب قتلا فلسطينيا جماعيا ومن غير ان تُزعزع النظام الاقليمي. فلو ان العملية انتهت قبل اربعة ايام لكانت الرسالة التي تُستوعب في غزة وبيروت ودمشق وطهران رسالة حادة واضحة وهي ان لاسرائيل استخبارات ممتازة وقدرة جوية ساحقة وتصميم قيادة وشجاعة مدنية ودعما دوليا مفاجئا. وانه لا يحسن الاحتكاك بها ويفضل تمكينها من ان تحيا حياتها من غير تحرش بها ومن غير اثارتها من مكمنها مرة اخرى.

          لكن اسرائيل في هذه المرة لم تقف في الوقت كما كانت الحال في 2006 وفي 2008 ايضا، فهي لم تنجح في انهاء اللعبة حينما كانت نتيجة اللعبة تميل لمصلحتها. وعلى ذلك فان انجازات “عمود السحاب” المدهشة قد أخذت في الايام الثلاثة الاخيرة تنسحق في حين ازدادت تأثيراتها السلبية حدة. ان القدرة على ضرب حماس العسكرية من الجو قلّت بصورة كبيرة أما اصابة المدنيين الأبرياء فاتسعت بصورة شديدة. والقدرة على مُدافعة الصواريخ الفلسطينية ضعفت في وقت ثبتت فيه قدرتها على جعل مليون مواطن اسرائيلي يعيشون في بؤس زمنا طويلا. تبين لحماس بعد ان خرجت من الصدمة الاولى ان وضعها ليس يائسا وان الزمن في مصلحتها. وستكون مجزرة اخرى غير متعمدة في غزة إن عاجلا أو آجلا. وستتصدع إن عاجلا أو آجلا القبة الحديدية السياسية التي تتمتع اسرائيل بها. وسيسير بنيامين نتنياهو واهود باراك في نهاية الامر في طريق اهود اولمرت وعمير بيرتس ويغرقان حتى عنقيهما في الوحل.

          وهكذا فان الاختيار الذي تواجهه اسرائيل بعد خمسة ايام قتال هو نفس الاختيار الذي واجهته في الاسبوع الثاني من حرب لبنان الثانية وفي الاسبوع الثاني من عملية “الرصاص المصبوب” وهو هدنة صعبة أو حرب برية سيئة. وهذا الاختيار هو بقدر كبير اختيار بين الطاعون والكوليرا. لكن الكوليرا أفضل من الطاعون. لن يكون انتصار في قطاع غزة ولن تكون هزيمة لا لبس فيها لحماس. ولما كان الامر كذلك فان التوصل الى تسوية غير كاملة على الحدود الجنوبية أفضل من التورط في عملية برية كثيرة الدماء لا يستطيع أحد ان يعلم ماذا ستكون آثارها.

          توجد مطالب لا يجب على اسرائيل ولا تستطيع الهوادة فيها. فيجب ان تكون التهدئة في غلاف غزة مطلقة ولا يجوز ان يُعاد بناء القدرة الصاروخية الحماسية. ويجب على حكومة هنية ان تضبط المنظمات الاسلامية المتطرفة وان تضمن ألا تصبح منطقة الجدار منطقة تحرش، لكن يجب على اسرائيل في مقابل هذه المطالب ان تعرض سلسلة مقابِلات مهمة وهي فتح مصري للمعبر بين قطاع غزة وسيناء مثلا. وتخفيف مراقب للحصار البحري مثلا. واعتراف فعلي بسيادة سلطة حماس وشرعيتها في غزة ما لم تستغل سيطرتها لمهاجمة اسرائيل. فاذا كان مخطط انهاء “عمود السحاب” مخططا يحفظ الحاجات الامنية لاسرائيل وكرامة الفلسطينيين والمصريين والاتراك ايضا فهناك احتمال لصدور الحلو من المر. ومع تصريف الامور بصورة صحيحة قد تفضي النتيجة غير الواضحة للعملية العسكرية خاصة الى انشاء توازن مصالح جديد ومستقر (نسبيا) يمنح الجنوب عدة سنين من الهدوء.

          لن يكون من السهل ان تُروج بين الجمهور الاسرائيلي هدنة تشتمل على انجازات مهمة لحماس. لكن توسيع العملية مصحوب بأخطار سياسية واقليمية واخلاقية عظيمة. ولذلك يجب على نتنياهو وباراك وليبرمان ان يتذكروا ما حدث لأسلافهم بعد ان أضاعوا لحظات رحمة سابقة مكّنت من انهاء مبكر لحروب سابقة. وحتى لو انتقد كثيرون الحكومة لأنها لم تمضِ الى النهاية فلا ينبغي للحكومة ان تمضي الى النهاية لأنه لا ينتظرنا أي شيء جيد في تلك النهاية. حسبُنا. حان الوقت للنزول عن “عمود السحاب” والعودة الى ارض الواقع.

—————————————————–

هآرتس مقال – 19/11/2012

تهديدات الربيع

بقلم: تسفي بارئيل

وبينما يجتهد الملك لتوجيه خطواته في مواجهة المعارضة السياسية وكبح جماح الاحتجاج الاقتصادي، فتحت من الغرب جبهة جديدة لا قدرة لديه على التحكم بها. فالمعركة في غزة تحدث منذ الان انفجارات لمظاهرات واسعة لا يمكنه أن يتفاداها.

          يوم الاربعاء الماضي كان يخيل انه وجد للاردن ايضا “ضحية الثورة” التي ستشعل المملكة، مثل محمد بوعزيزي في تونس أو خالد سعيد في مصر. قيس العمري، شاب شارك في المظاهرة في مدينة اربد شمالي الاردن، اطلقت قوات الامن النار عليه فقتل في الوقت الذي حاول فيه المتظاهرون اقتحام محطة الشرطة.

          غير أن موت العمري ضاع في موجة المظاهرات الهائلة التي اجتاحت الاردن في نهاية الاسبوع وهددت بضم الدولة الى “الربيع العربي” الذي بصعوبة نجحت في التملص منه في السنتين الماضيتين. ويوم الجمعة لم تكن مدينة كبرى في الاردن لم تقع فيها مظاهرات دعا فيها المتظاهرون ليس فقط الى اقالة الحكومة بل وايضا الى اسقاط الملك. وفي كل أرجاء الدولة، من الكرك ومعان وحتى اربد، السلط وجرش، وبالطبع العاصمة عمان، تصدت قوات الامن لالاف المتظاهرين الذين وجهوا اساس غضبهم ضد القرار برفع اسعار الوقود والغاز للتغلب على العجز في الميزانية والذي يبلغ 3.5 مليار دولار.

          ليست هذه هي المظاهرات الاولى في الاردن. فقد اندلعت منذ كانون الثاني من هذا العام، عندما تبينت بضع قضايا فساد كبرى. ونشر عضو البرلمان السابق خليل عطية (الذي أحرق في العام 2008 علم اسرائيل في مبنى البرلمان الاردني) في حينه رسالة علنية الى الملك عبدالله يقضي فيها بان هذه ليست مجرد أزمة اخرى، إذ قال: “نحو في الطريق الى مأزق من ناحية ايجاد الحلول”. وفي نفس الشهر خرجت من مسجد الحسيني في وسط عمان مظاهرة ضمت نحو 1.500 شخص، قادهم الاخوان المسلمون الاردنيون مطالبين بـ “فتح ملفات الفساد والتحقيق فيها”. وهتف المتظاهرون: “عندنا مليون سؤال، أين ذهبت كل الاموال؟”.

          ومثلما في حينه الان ايضا يشارك مئات المدونين واصحاب الحسابات على الفيسبوك في الاحتجاج الاقتصادي، حيث يضاف هذه المرة أيضا مطلب الاصلاح الحقيقي لنظام الحكم، بحيث يتضمن التحول الديمقراطي، ازالة الرقابة المتشددة عن وسائل الاعلام وخطة اقتصادية تنقذ الاردن من الازمة. ورواد هذا الاحتجاج هم بالاساس الاخوان المسلمون، المتحدون في “جبهة العمل الاسلامي” وتنضم اليهم أحزاب وحركات علمانية ليبرالية ملت حكم النخب القديمة التي تعتبر بؤرة الفساد في الدولة.

          الازمة الاقتصادية في الاردن، والتي ولدت التهديد السياسي، دفعت بقيادة الجيش والمخابرات الى ان تقترح على الملك الغاء القرار برفع اسعار الوقود، ولكنه حاليا يرفض الاقتراح. فالاردن لا يمكنه أن يسمح لنفسه بزيادة الدين الوطني، حيث أنه مدان منذ الان بمبالغ طائلة للبنوك الاردنية، وعليه أن يجد مصادر للتوفير من الانفاق الوطني. ولكن يبدو أن الملك يتعين عليه أن يختار بين تنازلات اقتصادية وتنازلات سياسية. فليست الازمة الاقتصادية وحدها تهدد المملكة بل مطلب تغيير نظام الحكم ايضا، والذي يبدأ بمطلب تغيير قانون الانتخابات. وهنا أيضا فان الاخوان المسلمين هم رأس الحربة في المعركة السياسية. وبعد أن تكبدوا هزيمة نكراء في انتخابات 2007، حين لم ينالوا غير ستة مقاعد في البرلمان من اصل 110 (مقارنة مع الانتصار الكبير الذي حققوه في 1993، حين نالوا 17 مقعدا من اصل 80)، فانهم يريدون أن يضمنوا لانفسهم هذه المرة انجازا مثيرا للانطباع.

          في حزيران من هذا العام أقر البرلمان قانون انتخابات جديد، بموجبه 17 مرشحا من أصل 140 عضوا في البرلمان يفترض ان ينتخبوا في قوائم الاحزاب في انتخابات قطرية، وكل باقي المرشحين – في انتخابات شخصية. لكل ناخب يوجد صوتان، الاول للقائمة القطرية والثاني للقوائم الشخصية، ولكن كون نصيب القوائم القطرية التي يتنافس فيها معظم ممثلي الاخوان المسلمين هو فقط 12 في المائة من  عموم المقاعد، فقد أعلنت جبهة العمل الاسلامي، بانها ستقاطع الانتخابات التي من المقرر أن تنعقد في 23 كانون الثاني. وفي ضوء هذا التهديد، الذي من شأنه أن يمس بشرعية الانتخابات، قرر الملك “اعادة النظر” في القانون، ورفع نسبة المنتخبين في الانتخابات القطرية الى 27 مقعدا، ولكن هذا ايضا تعارضه المعارضة الاسلامية التي تطالب بما لا يقل عن 30 في المائة من المقاعد، اي 42 مقعدا تنتخب في الانتخابات القطرية.

          مثل هذه الطريقة من شأنها أن تدمر اساس الدعم البرلماني التقليدي الذي يعتمد عليه ممثلو العشائر، وتنقل الى المعارضة القدرة على اقامة كتلة مانعة ضد كل تشريع يرغب الملك في سنه. ما يغضب المعارضة بقدر لا يقل هو حقيقة أن القانون الجديد يمنح قوات الامن الاذن بالمشاركة في الانتخابات. وهكذا فانه كفيل بان يوفر للموالين للملك نحو 10 في المائة أخرى من اصوات الناخبين، واذا لم يكن هذا بكافٍ – فالقانون يمنح البدو ثلاثة مقاعد اضافية في اطار حصة النساء.

          حيال هذه الاختراعات السياسية يوجد للمعارضة طريقتان للعمل: المظاهرات الجماهيرية ومقاطعة الانتخابات. وكلتاهما خطيرتان بقدر متساوٍ وحيالهما يعتزم الملك العمل بتصميم كما ثبت في نهاية الاسبوع. وفي نفس الوقت يبدو أنه لا يمكنه أن يتجاهل مطلب تخفيض أسعار الوقود. في السنة الماضية تراجع عن قرار مشابه، حين خشي من انتقال الربيع العربي الى المملكة. يحتمل أن الان ايضا سيضطر الى تخفيف حدة الضربة وبدلا من رفع 50 في المائة من سعر الغاز المنزلي سيعلن عن رفع تدريجي، وان كان من أجل اجتياز الانتخابات بسلام.

          وبينما يجتهد الملك لتوجيه خطواته في مواجهة المعارضة السياسية وكبح جماح الاحتجاج الاقتصادي، فتحت من الغرب جبهة جديدة لا قدرة لديه على التحكم بها. فالمعركة في غزة تحدث منذ الان انفجارات لمظاهرات واسعة في عدة دول عربية، والاردن، الذي 70 في المائة من سكانه فلسطينيون – لا يمكنه أن يتفاداها. ويخشى الملك من امكانية أن تكون المعركة الاسرائيلية مع حماس في غزة هي بالذات ما سيعرض كرسيه للخطر. وهو يدير محادثات مكثفة مع محمد مرسي، في محاولة لتحقيق وقف سريع للنار قبل أن ينتشر الاشتعال الى شوارع القاهرة وعمان. غير أنه مقابل مرسي، ليس لعبدالله تأثير على حماس. قدرته على فرض الاستقرار في دولته منوطة بمدى استعداد الرئيس المصري لاحلال وقف للنار وبمدى التطلع الاسرائيلي لسحق حماس.

—————————————————–

هآرتس – مقال – 20/11/2012

بين انتظار ومراوحة

بقلم: عاموس هرئيل

يتحدثون في مصر عن وقف اطلاق نار أما جنود الجيش الاسرائيلي حول القطاع فهم في انتظار وترقب اذا طالا فقد يُضعفان تأثير الحرب في ايامها الاولى.

       كان ذلك يوما آخر من الانتظار في قطاع غزة. وفي حين كان المبعوثون الاسرائيليون يتباحثون بصورة غير مباشرة مع حماس في القاهرة بوساطة المصريين في طرق احراز هدنة، استمر السحق الجوي لأهداف تابعة للمنظمات الارهابية في القطاع وقُتل أكثر من عشرين فلسطينيا. وانتظر في أنحاء النقب كله في عصبية أخذت تزداد عشرات آلاف الجنود النظاميين والاحتياط قرار المستوى السياسي هل ندخل أم لا؟.

          في اليوم السادس من عملية “عمود السحاب” لم تُقدم الاجابة بعد. ان التقارير من القاهرة متفائلة نسبيا لكنها جزئية. ويبدو انه أُنجز هناك تقدم ما. وان زيارة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون للمنطقة قد تساعد على ضبط آخر للنفس يتجاوز نافذة الزمن التي حددتها اسرائيل. ان هدف الوسطاء هو التوصل الى اتفاق عام على وقف اطلاق النار أولا والبحث في شروط أكثر تفصيلا بعد ذلك. فاذا لم يتم احراز تسوية فان اسرائيل تهدد مع كل ذلك بغزو بري للقطاع في مدة يوم أو اثنين.

          تعلقت الأنباء الطيبة نسبيا أمس بانخفاض آخر سُجل لقوة اطلاق القذائف الصاروخية على الجنوب لليوم الثاني على التوالي. ان هذا التباطؤ لاطلاق الصواريخ قد يعبر عن صعوبة أخذت تزداد لدى الفصائل الفلسطينية في اطلاق قذائف صاروخية بصورة منهجية بسبب اصابة سلاح الجو الدائمة لخلايا اطلاق الصواريخ. وينحصر جزء كبير من اطلاق الصواريخ الآن في المدى القصير الذي هو أقل من 20 كم وقد يشهد هذا على أزمة ايضا.

          يُقدرون في الجيش الآن ان الفلسطينيين خسروا وقت العملية ثلث قدرتهم على اطلاق الصواريخ الى مدى 40 كم على الأقل بعد ان دُمر أكثر القدرة على الاطلاق لمدى 75 كم. لكن اطلاق النار عاد واشتد في ساعات المساء بعد اغتيال مسؤول الجهاد الاسلامي الكبير بوقت قصير. فما يزال تخفيف التهديد جزئيا في أحسن الحالات.

          كيف تؤثر التطورات الميدانية في ارادة حماس لاستمرار القتال؟ يقول ضباط الاستخبارات للساسة ان المنظمة لا تريد ان تنتقل المواجهة العسكرية الى عملية برية لكنهم يذكرون في نفس الوقت أنهم لا يلاحظون علامات انكسار حقيقية في الجانب الفلسطيني.

       أهمية عنصر الزمن

          أطلق الجيش الاسرائيلي أمس توثيق زيارة رئيس الاركان بني غانتس للوحدات المتدربة في الجنوب باعتبارها جزءا من تهديد غزة. وقال ضابط رفيع المستوى أمس في حديث مع صحفيين ان القوات مستعدة للعملية.

          حينما تنتهي هذه العملية سيكون وقت لاستيضاح دقيق يُبين كيف تطورت العملية الى آلة المعركة الساحقة التي يهدد بها الآن المستوى السياسي. ومع ذلك يجب ان نُذكر بأن كتلة القوات التي تُحشد أمام عدسات التصوير هي عنصر مهم في الضغط النفسي على حماس وأنه ما يزال من الممكن ان يستقر الرأي في نهاية الامر ايضا على عملية محدودة تدخل في اطارها الى القطاع القوات الأكثر تدربا واستعدادا فقط.

          لكن الجيش الاسرائيلي بانتظاره الطويل ينحرف عن واحد من الدروس المهمة التي قدسها منذ كانت حرب لبنان الثانية. ففي كل نقاش داخلي في الجيش وفي كل لقاء مع صحفيين بعد الحرب، أكد الضباط الكبار أهمية عنصر الزمن. ودعوا مرة بعد اخرى الى وجوب تقصير أمد القتال. ولا يجوز بأي حال من الاحوال المراوحة والانتظار. فاذا استقر الرأي على عملية عسكرية فانه يُحتاج الى اظهار قوة قوية جدا قدر المستطاع وتوالي العمل بعدها.

          صدر الجيش الاسرائيلي عن افتراض انه بذلك سيتم احراز أقصى تأثير في العدو وان طول الاجراءات العسكرية من غير احراز الأهداف يفضي الى ضغط دولي على اسرائيل والى وضع نهاية أقل حُسنا بالنسبة الينا. والى ذلك لما كانت المنظمات الارهابية في الجانب المعادي ليست شريكة في تسوية مكتوبة فان كل ما ينشأ بعد انقضاء الحرب هو تسوية غير مباشرة وغير رسمية يكون عنصر الردع فيها مهما بصورة مميزة.

          ليس هذا ما يحدث الآن على حدود القطاع، بالعكس، ان اسرائيل تعود الى فترات الانتظار التي سُجلت في حرب لبنان الثانية، ويبدو ان الانتظار خاصة يسحق بالتدريج انجازات العملية. ان الجيش الاسرائيلي يقول كل الكلام الصحيح بين حرب وحرب، لكن حينما تأتي الجولة التالية يتبين له ان اللاعبات الاخرى – حماس والمستوى السياسي في اسرائيل بقدر لا يقل عنها – غير مستعدات للعب بحسب السيناريو الذي تم تهيئته لها سلفا. ويقوم في مركز التردد السياسي الخوف من الخسائر: وهو كابوس ان تحل محل صورة النصر في اغتيال احمد الجعبري بصاروخ من الجو في أول ايام القتال، سلسلة جنازات عسكرية في اسرائيل في اليوم العاشر. وفي هذه الاثناء يتخطى المستوى السياسي هاتين المادتين.

          لا يعتبر “سور واقٍ” غزي يُحتل القطاع كله به من جديد احتمالا واقعيا. ومع عدم وجوده يمكن الحديث عن اجراءات أصغر تزيد في ظاهر الامر الثمن الذي تدفعه حماس. لكن يبدو ان كل يوم انتظار للبشائر من القاهرة قد يُضعف الانجاز الاسرائيلي من بدء العملية ويزيد المخاطرة: بوقوع حادثة كحادثة كفر قانا (اصابة أبرياء في عملية “عناقيد الغضب” وفي حرب لبنان الثانية) وحادثة كفار جلعادي (قتل 12 مظليا احتياطيا بصاروخ كاتيوشا في تلك الحرب) أو مجرد صاروخ غراد يدخل بصورة ما من خلال منظومة القبة الحديدية ويصيب مكانا مليئا بالناس في الجبهة الاسرائيلية الداخلية.

          تحدث رئيس الاركان أمس مع القادة عن النابض المتوتر للوحدات على حدود القطاع الذي ينتظر أمره بالعمل. وقد يظل النابض متوترا زمنا محدودا وله في الاثناء تأثير ما ايضا في الجانب الاسرائيلي. ويمكن ان نرى أفضل مثال على ذلك في صورة مصور صحيفة “هآرتس” ايلان إسياغ من مفترق يد مردخاي في ليلة أول أمس حيث يظهر فيها جنود لُونت وجوههم بألوان تعمية يتناولون عشاءا متأخرا. وقد صُبغت الوجوه لأن الجنود كانوا يوشكون ان يدخلوا القطاع الى ان تلقوا أمر الغاء في آخر لحظة، وهكذا اذا لم توجد حرب فلنمضِ لنأكل شيئا ما في ذلك المكان.

          يبدو ان هذا جزء من الظاهرة الغريبة لحرب تجري على مبعدة مترين عن البيت لا في صحراء بعيدة في مكان ما. ما نزال بعيدين عن ذلك لكن اذا بدأت هذه الصور – صور الغاء الأوامر العسكرية المكررة وتغيير المهمة في آخر لحظة – اذا بدأت تتكرر فلن يكون من الممكن تجاهل شبه بقضية لبنان. فآنذاك في 2006 أتعب عدم وجهة الحكومة والحيرة في هيئة القيادة العامة القوات في أقصى السلسلة الطويلة إتعابا كبيرا وأفضى ذلك في نهاية الامر الى تآكل كبير في قدرة الوحدات على العمل.

—————————————————–

معاريف مقال – 19/11/2012

أعطوا غزة لمصر

بقلم: شالوم يروشالمي

يجب فك الارتباط نهائيا عن غزة والتعامل معها ككيان منفصل او كجزء من مصر.

هذه الحرب ستنتهي في غضون اسبوع الى هذا الحد او ذاك، لان العالم لن يسمح لها بان تستمر. نحن لسنا في ايام “رصاص مصبوب”. في حينه وصل الى هنا كل رؤساء الدول في اوروبا لسبب اساسي واحد: جورج دبليو بوش كان الرئيس الامريكي، وهو بنفسه كاد يصعد الى طائرة اسرائيلية كي يقصف اهداف في غزة. الكل اراد أن يسير في حينه على خطه الكفاحي. أما اليوم فنحن مع براك اوباما الذي يلمح عبر “النيويورك تايمز” بما يفكر به عن عملية برية على نمط “رصاص مصبوب”: سلبي تماما. يجب البدء بالانهاء، في صالح الجميع.

          كما أننا ملزمون بالتفكير بما سيأتي. ان ندخل الى الوعي أخيرا بان ليس لنا ما نبحث عنه في قطاع غزة. بعد بعد الارتباط والانسحاب الى خطوط الهدنة التي تقررت في شباط 1949 لم يعد لنا بلدات هناك، ولا حاجة لحماية احد، ولا حتى لحراسة قوافل المستوطنين التي تسافر الى غوش قطيف أو تخرج من نتساريم. الحكم في غزة عديم الصلاح. لا حوار لسلام حقيقي مع حماس التي ترى في كل أرض اسرائيل وقفا اسلاميا. يمكن الوصول معهم فقط الى وقف طويل للنار، في افضل الاحوال.

          محق الوزير يسرائيل كاتس الذي طرح الامور في نهاية الاسبوع مرة اخرى، هذه المرة في مقابلة مع القناة 2. علينا أن نفك ارتباطنا عن غزة نهائيا، ان نضرب بيننا وبينهم حدودا سياسية صلبة وأن نتعاطى مع القطاع وكأنه سوريا أن لبنان. لا من يخرج ولا من يدخل. لا توريد كهرباء، لا تبادل بضائع ولا مصادرة بضائع. لا بقدونس ولا كزبرة، لا معابر حدود ولا اتصال بحري. غزة يجب فتحها باتجاه مصر وليس باتجاه اسرائيل. والتشجيع بأكبر قدر معابر رفح. ما لم نفعله في 1967 بعد أن أصرينا على ابتلاع غزة في دخلنا، يجب عمله الان.

          حملة “عمود السحاب” كفيلة بان تفتح نافذة فرص فريدة من نوعها. زيارة رئيس الوزراء المصري الى غزة، رجل الاخوان المسلمين هشام قنديل استقبل عندنا بتخوف كبير. لماذا، في واقع الامر؟ ينبغي بالذات تشجيع هذا الارتباط وجعل مصر وقطاع غزة كيانا واحدا ومناشدة مصر ان تورد لغزة كل الاحتياجات- من الغاز الطبيعي وحتى الكهرباء والمياه. حكم مركزي لدولة جدية مثل مصر أفضل من حكم ارهاب حماس فقط.

          في اليومين الاخيرين، أصبحت مصر مركزية عبرها تجري كل المفاوضات السياسية. الرئيس محمد مرسي يستقبل المحادثات والضيوف. اوباما يتوجه اليه، رئيس وزراء تركيا يزوره، زعماء حماس يعرفون بان فقط من هناك سيأتي لهم الخلاص. هذا تطور ايجابي، بالاجمال. مصر لا تحبنا، ولكنها تريد الهدوء. في واقع الامر لا يوجد اي فرق بينها وبين سوريا. هناك نحن نحتفظ بحدود هادئة فقط بسبب المصلحة المشتركة. ومحظور أن ننسى بانه يوجد بيننا وبين مصر اتفاق سلام.

          في اطار هذه السياسة يجب أن نرفع ايضا الحصار عن غزة، الذي يتسبب لنا بمشاكل عويصة على مدى السنين وورطنا مع تركيا ودول اخرى. كل سفينة يمكنها أن تدخل الى هناك، اذا لم تكن تحمل السلاح. ويمكن أن نفحص جيدا سفينة مسلحة حتى من بعيد. مرمرة الشهيرة كانت ستعلق حتى اليوم في غزة لو سمحنا لها بالدخول – ورجالها كانوا سينسون هناك، في الظلام الاسلامي. إذ ليس في غزة ميناء مع مياه عميقة، ولا توجد امكانية حقيقية للرسو. اذا كانت مصر تريد، فلتبني لهم ميناء كهذا.

          واذ كان ذات مرة مليون ونصف فلسطيني في غزة جزء من الخطر الديمغرافي المحدق باسرائيل، فهذا هو الوقت لتفادي هذا الخطر مرة واحدة والى الابد. على دولة حماس أن تكون دولة منفصلة، او كما اسلفنا جزء من مصر. هكذا أيضا قد يتعامل العالم معنا بشكل مختلف، لا كمحتل بل كمحرر. واذا واصلوا ان يطلقوا من هناك صواريخ فجر 5، فيجب الرد بتصميم – وكأن سوريا أو لبنان هاجمنا – الى أن نحقق معهم هدنة لزمن طويل، ولكن على ما يبدو ليس أكثر من هذا.

—————————————————–

اسرائيل اليوم – مقال -20/11/2012

انجاز مرسي

بقلم: البروفيسور إيال زيسر

الرابح الأكبر من احراز هدنة بين اسرائيل وحماس هو رئيس مصر محمد مرسي الذي يُظهر انه زعيم عربي واقليمي عظيم الأهمية.

          ليست المشكلة التي يواجهها قادة اسرائيل وقادة مصر ايضا انهاء جولة التصعيد الحالي – عملية “عمود السحاب”. فالتحدي هو ضمان ألا توجد على أثرها جولات تصعيد اخرى بل يُطبق وقف اطلاق النار المطلق على طول حدود القطاع الذي يلتزم به الطرفان اسرائيل وحماس وسائر الفصائل الفلسطينية الاخرى العاملة في القطاع، في الأساس.

          اذا تم احراز هدنة حقيقية كهذه حقا فسيكون ذلك انجازا من الطراز الاول لرئيس مصر محمد مرسي، فهذا الأخير يستطيع ان يُسجل لنفسه برضى أقصى نجاح في امتحانه الاول باعتباره زعيما عربيا واقليميا لا زعيما عربيا خاصة.

          برغم ان مرسي ما يزال يحجم عن ذكر اسم اسرائيل في خطبه وبرغم خطابته المنفلتة، تصرف في الحاصل بمسؤولية وأظهر نشاطا وفاعلية لم نرَ لهما مثيلا حتى في ايام حكم حبيبنا حسني مبارك.

          لم ينجر مرسي الى اجراءات لا عودة عنها، بل حرص على الحفاظ على قناة اتصال مفتوحة مع اسرائيل ولن نقول على اتفاقات السلام معها. وقد استغل حقيقة ان منظمة حماس محتاجة له اليوم أكثر مما كانت دائما بعد ان تركت قيادة المنظمة دمشق وبردّت علاقاتها مع ايران. وهكذا طلب الى حماس من موقع الأخ الكبير الحاضن ان تُظهر مسؤولية وان تسلك سلوك قادة دولة غزة القادمة لا منظمة ارهاب.

          لم يفعل مرسي ذلك لأجل عيني اسرائيل الجميلتين بل ولا من أجل حماس. بل فعل ذلك لأنه يؤمن بأن مصلحة مصر العليا ومصلحته باعتباره رئيسها تقتضي التهدئة.

          اذا تم احراز اتفاق واذا استمرت الازمة زمنا ما ايضا فان مرسي هو الذي يقطف كامل النقاط في الحلبة الاقليمية ويصبح زعيما لا يمكن العيش من غيره. وبازائه يظهر رئيس وزراء تركيا اردوغان مسارعا الى الرقص على الدم والى استغلال كل حادثة للدفع بمكانته الى الأمام. لكن اردوغان بخلاف مصر التي حرصت على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة باسرائيل، عنده القليل جدا مما يسهم به لاحراز هدنة وتطبيقها. وهذا برهان آخر على الفرق بين الصورة التي يريد ان يكتسبها لنفسه الحاكم التركي وبين قدرته الفعلية على تقديم حتى مصالح بلاده في العالم العربي الذي يُذكره دائما بأنه ليس زعيما عربيا.

—————————————————–

اسرائيل اليوم – مقال – 20/11/2012

رياح الحرب ورياح التهدئة

بقلم: دان مرغليت

 يجري التفاوض الآن في عدة ميادين وبخاصة القاهرة لاقرار هدنة طويلة بين حماس واسرائيل ومن المؤسف ألا يشارك رئيس مصر مشاركة معلنة في الاتصالات بين الأطراف.

       تبعثرت رياح الحرب أمس سريعا وربما كان ذلك بسرعة كبيرة جدا. كانت ما زالت تُطلق 120 صاروخا على اسرائيل وتمت تصفية كبار مسؤولي الارهاب في الجهاد الاسلامي. وجرى مواطنون في اسرائيل وفي غزة جيئة وذهابا باحثين عن ملاذ. لكن كثيرين تحدثوا عن ايام المعركة بلغة الماضي، بل ان بورصة تل ابيب ارتفعت وكأنه قد أُحرز اتفاق.

          أراد الجميع ان يُحرز، لكن الشعور بأنه أصبح هنا قبل ان يأتي كان أكثر من خطير. يُخيل إلينا أنهم في الحكومة وفي الجيش الاسرائيلي أرخوا العضلات وبحثوا عن تهدئة. لم تُرد هيئة الضباط تعريض الانجاز للخطر وفكر الساسة في الانتخابات التمهيدية وجرت الاعمال كعادتها لكن جو ان كل شيء عاد الى موضعه احتاج الى صد.

          يمكن ان نفهم لماذا. فقد جُرت اسرائيل الى معركة مُرغمة برغم التفسيرات الباطلة التي تُبين كأن الحديث عن حيلة انتخابات. وحظي بنيامين نتنياهو واهود باراك بالمدح على تصريف المعركة بتواضع وتوخي للموضوعية وتصميم. كان العالم كله في “الرصاص المصبوب” ضدنا وكانت النتائج اشكالية. وكانت النتائج في “عمود السحاب” أفضل – حتى لو احتجنا الى انتظار والى جدل في انه هل هي جيدة بقدر كافٍ – والعالم في أكثره وقف الى جانب اسرائيل.

          ساعد استعمال الجيش الاسرائيلي الجراحي على يد بني غانتس افيغدور ليبرمان على الحديث بلغة موضوعية مع وزارات الخارجية في العالم المستنير. وكان استقرار الرأي على تجنيد قوات الاحتياط حكيما. واذا لم يضطروا في نهاية الامر الى القتال على ارض غزة فان ذلك بفضل استقرار الرأي على وضعهم على طول حدودها.

          لعمير بيرتس ايضا نصيب من ذلك الانجاز، فحينما كان وزير الدفاع تجاهل رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي وأمر بتطوير القبة الحديدية. وانتعل باراك حذاءيه ولم يسر على أثر اشكنازي برغم انه كان خصم بيرتس من ناحية سياسية.

          ما يزال من السابق لأوانه ان نعلم هل “عمود السحاب” هي قصة نجاح. ومن التعبيرات المبتذلة قولنا ان الايام ستُخبرنا. سيُجرب سكان الدولة بفضلها عدة ايام تهدئة في الأساس.

          ان الصيغة الأصلية في بدء المعركة حينما قام نتنياهو وباراك أمام وسائل الاعلام كانت ترمي الى انشاء توقعات في مستوى متوسط فقط هي بالفعل احراز هدنة طويلة قدر المستطاع. وهذا يعني ان من المحتمل كثيرا ان تكون “عمود السحاب” قد أحرزت أهدافها، لكن من الممكن انه كانت حاجة الى تكبيرها من البدء وصدت القيادة ذلك.

          هل اسقاط سلطة حماس؟ قد يكون أحد الاستنتاجات المطلوبة من عملية “عمود السحاب” هو انه اذا احتيج بعد سنة أو سنتين الى الخروج في عملية اخرى هي الثالثة في غضون عقد، فمن المناسب ان تتولى السلطة في البلاد حكومة وحدة وطنية لا يوجد أنسب منها لتولي مهمة هجوم بري وتقطيع القطاع إربا بغرض اسقاط سلطة حماس وانشاء ادارة اخرى في غزة. ان احتلال القطاع يقتضي اجماعا يتعدى بضعة ايام من الهجوم من الجو.

          وفي الاثناء يجري التفاوض في عدة ميادين، القاهرة هي المركزية فيها. ومن الجيد ان يتم تحديد الشروط برأي من مصر وبمسؤوليتها، لكن من المؤسف ان المندوب الاسرائيلي للمحادثات – وهو من أبرز الشخصيات في الموساد – يتجول فيها كأنه مجهول، ومن المؤسف في الأساس المقلق ان الرئيس محمد مرسي لا يشارك في الاتصالات بصورة علنية.

—————————————————–

هآرتس مقال – 21/11/2012

مشعل ليس نصرالله

بقلم: آفي يسسخروف

اعترف مشعل بان حماس غير معنية بدخول اسرائيلي الى القطاع ولكنه “لا يخاف منه”. وكانت اقواله مفاجئة في صدقها مقارنة مع الخطابات التي القاها في الماضي، ولا سيما عندما نقارنها بنظيره من حزب الله، حسن نصرالله.

          المفاوضات في القاهرة بين ممثلي حماس، اسرائيل ومصر دخلت أمس في مرحلة حاسمة، بل ربما الى يوم حرج. فاسرائيل تلوح بعصا طويلة في شكل عملية برية من فوق رأس حماس، والجزرة الوحيدة التي لديها هي الهدوء. وهذه بالطبع جزرة هامة بالنسبة لحماس. محافل رفيعة المستوى في مصر تشارك في المحادثات قالت لـ “هآرتس” امس ان “الاطراف قريبة جدا من الاتفاق، ولكن مطلوب مرونة اخرى من جانبكم”. وعلى حد قولهم، فان مصلحة الجميع هي الوصول الى وقف للنار وفي أقرب وقت ممكن، وبدا الامر بوضوح في المواقف التي يعرضونها.

          في هذه الاثناء تستمر استعدادات الجيش الاسرائيلي لاحتمال عملية برية. ولا حاجة الى خيال منفلت العقال للتخمين في أنه اذا فشلت المساعي السياسية التي يجريها الان رجال المخابرات المصرية برئاسة الجنرال رأفت شحاته، ففي غضون 48 ساعة سنرى الجيش الاسرائيلي يحرك قوات المشاة لديه الى داخل القطاع. هدف مثل هذه العملية، اذا ما وقعت، لن يكون بالضرورة اسقاط حكم حماس. معقول أكثر أنها ستكون مرحلة اخرى في الحوار غير المباشر، الذي تديره حكومة اسرائيل مع المنظمة، بالغالب من خلال عمليات عسكرية واحيانا في القنوات الدبلوماسية. او بتعبير آخر، حتى لو فشلت القناة المصرية وقررت اسرائيل استخدام العصا الطويلة، فلا يعني الامر ان القنوات الدبلوماسية ستهجر تماما. قد تخرج فقط في اجازة، الى أن تلوح امكانية اكثر حقيقية لوقف النار.

          قيادة حماس على وعي بامكانية عملية برية وتخشاها. تصريحات خالد مشعل أمس في القاهرة بان منظمته لا تخاف من قوات المشاة والمدرعات، ليست مقنعة. ففور لقاء طويل مع شحاته، اعترف مشعل بان حماس غير معنية بدخول اسرائيلي الى القطاع ولكنه “لا يخاف منه”. وكانت اقواله مفاجئة في صدقها مقارنة مع الخطابات التي القاها في الماضي، ولا سيما عندما نقارنها بنظيره من حزب الله، حسن نصرالله.

          لقد تبنى مشعل في المؤتمر الصحفي خطا غير متحمس في أساسه قول صريح: “حماس لا تريد التصعيد ولا عملية برية. واعترف بان تصفية أحمد الجعبري كانت ضربة أليمة ولكن غير مفاجئة على حد تعبيره، وبدا لبضع لحظات كمن يحاول أن يشجع النشطاء الميدانيين في غزة. “نحن فخورون بالمقاومة”، قال المرة تلو الاخرى، وكأنه يحاول القول لنشطاء الذراع العسكري: عليكم أن تصمدوا قليلا أيضا.

          ورغم كل هذا، ليس واضحا بعد كم يقترب رجال المخابرات المصريين من اتفاق وقف النار. وحسب التقارير في قناة “العربية”، فان معظم البنود بات متفقا عليها والخلاف هو على ترتيب الاعمال: بينما تريد اسرائيل وقفا للنار وفقط بعد ذلك الحديث عن التسهيلات في الاغلاق على غزة، تطالب حماس قبل كل شيء بالتسهيلات وبعد ذلك بوقف النار. والتسهيلات التي تطالب بها حماس موجهة ليس فقط لاسرائيل بل وايضا لمصر وليس معروفا اذا كانت القاهرة مستعدة على الاطلاق لان تسير “الميل الاضافي” نحوها وتسمح مثلا بتسهيلات في دخول البضائع عبر معبر رفح.

          دون أي صلة بمدى نجاح مصر في الوساطة، من الصعب عدم التوقف مرة اخرى عند شخصية الرئيس محمد مرسي. للحظات يصعب التصديق بانه هو هذا ذات المسؤول في “الاخوان المسلمين” الذي في اطار حملته الانتخابية جلس في ايار الماضي الى جانب أحد زملائه في قيادة الحركة ووصف كيف “سيحرر مرسي غزة ويجعل القدس عاصمة الامة العربية الموحدة”. وها هو هذا الرجل بالذات، د. محمد مرسي، الذي رأى في اسرائيل كيانا معاديا على مدى سنوات طويلة جدا ووجد صعوبة في أن يلفظ كلمة اسرائيل، تلفظ قبل بضعة ايام بالتعبير الصريح. في هذه الايام المجنونة، فان هذا ايضا يعد مصدرا للمواساة والتفاؤل.

—————————————————–

اسرائيل اليوم – مقال -20/11/2012

يجب ان نعلم متى نضغط على الكابح

بقلم: بوعز بسموت

 ان حماس هي التي اختارت وقت العملية ويجب على اسرائيل ان تختار موعد النهاية.

       كانت لعملية “عمود السحاب” منذ أول يوم أهداف محدودة. فلم يعِد أحد باسقاط نظام حماس في غزة، ولم يعِد أحد ايضا بغزو بري لغزة. ومن جهة اخرى وُجد التزام باعادة الهدوء الى بلدات الجنوب. وقد أُحرزت الأهداف الرئيسة في اليوم الاول بعد اغتيال الجعبري والاصابة الشديدة لصواريخ حماس بعيدة المدى، وكان من الصعب على الرئيس اوباما وزعماء اوروبا ألا يؤيدوا عملية في نطاقها الحالي. لقد حصلت القدس على ضوء اخضر لكنها لم تحصل على شيك مفتوح. وحتى لو كانت الشرعية الدولية لعملية “عمود السحاب” مشروطة فانه ما يزال من الممكن تلخيصها بالنسبة لاسرائيل بضوء ايجابي.

          من المغري جدا ان نقارن بين عملية “عمود السحاب” وعملية “الرصاص المصبوب”. فالمكان نفس المكان (لكن مع زيادة صافرات انذار في تل ابيب والقدس)، والقوات نفس القوات – لكن الحي لم يعد نفس الحي. فقد كان لاسرائيل في 2008 قدرة مداورة أكثر جدية، وكانت قنوات محادثة مصر وقطر آنذاك مفتوحة. لكن العالم العربي في اثناء ذلك اشتعل من الداخل وأخلى مبارك الحلبة في مصر لرجل الاخوان المسلمين. ونُذكر من نسي بأن قطر – على أثر عملية “الرصاص المصبوب” – أخذت معها موريتانيا وقطعتا العلاقات باسرائيل. وفي دافوس بدأ رئيس وزراء تركيا، رجب طيب اردوغان، في المقابل يُدهور العلاقات بين تركيا واسرائيل. وغيّر المعتدلون في العالم العربي والاسلامي وجوههم. وكمَنَ لنا ايضا تقرير غولدستون غير العادل وغير المتوازن. ولم يضمن لنا الثمن الباهظ للعملية ايضا الهدوء الطويل. وهذه حقيقة.

          صحيح ان ستة من زعماء اوروبا جاءوا الى البلاد آنذاك لمعانقة القيادة الاسرائيلية، لكنهم جاءوا ايضا للتحقق من ان دولة اسرائيل تفي بالتزاماتها وألصقوا أبو مازن في الأساس باسرائيل آملين ان يتحمل مسؤولية.

          هبط 500 صحفي في اسرائيل في الايام الاخيرة. واختار فريق صغير منهم فقط التجول في الجنوب، وكان الأكثرون قد نزلوا في غزة أو في الطريق اليها، ولم تعد قنوات الاعلام تقدم تقارير صحفية من أسدود أو من سدروت لأن الامر قد انتقل الى غزة، والصور تُبث في العالم ويتوقع ان يكون لهم تأثير في الحكومات. ان النسبة بين الضحايا من نشطاء حماس والمدنيين تقف اليوم على 50 في المائة تقريبا، وهي نسبة غير جيدة بالنسبة لصورة اسرائيل، وكلما طالت العملية زادت النسبة وتضاءلت الشرعية التي تحصل عليها اسرائيل. ومن هنا يجيء إغراء ان نعلم متى نضغط على الكابح، برغم خيبة الأمل.

          كان واضحا من أول يوم في العملية ان معسكرين يعملان في العالم على التوازي: الاول برئاسة اوباما والثاني برئاسة مرسي. فقد قاد اوباما الغرب الذي أيد حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها، أما مرسي فقاد الخط الذي طلب مضاءلة الاضرار في غزة ووجود مخرج لحماس. ان حظ اسرائيل الكبير هو ان معسكر اوباما هو الذي يُملي على معسكر مرسي. وعلامة السؤال الكبيرة هي ما مبلغ اصغاء معسكر حماس لمرسي في الحقيقة. ان الامتناع عن عملية برية سيجعل نتنياهو يحظى بنقاط عند الرئيس اوباما. ان الرئيس الامريكي الذي تلقى كثيرا من النقد بسبب سياسته في الشرق الاوسط يبدأ ولايته الثانية برجله اليمنى، فاوباما لا يتدخل فقط بل يؤثر ايضا. وقد ألزمت عملية “عمود السحاب” مرسي بايجاد قناة تحادث مع حكومة نتنياهو حتى لو كانت سرية ومحدودة. يجب ان نتذكر ان مرسي لم يوافق حتى بدء العملية حتى على ذكر اسم اسرائيل.

          ان حماس هي التي اختارت وقت العملية ويجب على اسرائيل ان تختار موعد النهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى