مفترق الشرق الاوسط *- مقال - 7/6/2012 المعارضة السورية مع اقتراب ساعة الحسم - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مفترق الشرق الاوسط *- مقال – 7/6/2012 المعارضة السورية مع اقتراب ساعة الحسم

0 137

بقلم: نير بومس

استمرار الاحداث  في سوريا في صيغتها الحالية وتعزز المحافل السلفية سيعزز امكانية أن يتدخل الغرب اخيرا ليغير موازين القوى بين النظام والمعارضة. ومثلما في حالة ليبيا، يخيل أن هنا ايضا يلوح سيناريو تقود فيه اوروبا الخطوة.

          مسألة المعارضة السورية وقدرتها على أن تشكل بديلا لحكم الاسد، كانت احدى المسائل المركزية وغير المحلولة قبل اندلاع الربيع السوري في اذار 2011. نظام عائلة الاسد نجح في تثبيت نفسه على مدى 42 سنة وجوده كمنظومة مستقرة لم تترك مجالا واسعا لنشاط المعارضة الداخلية، باستثناء تمرد الاخوان المسلمين الذي قمع في 1982 وفترة قصيرة جدا في بداية حكم بشار عُرفت باسم “ربيع دمشق”. في ظل غياب معارضة داخلية ذات مغزى، بقيت الساحة أساسا في يد جماعات المعارضة التي عملت من خارج سوريا. وتراوحت هذه بين محور المنسحبين من النظام مثل رفعت الاسد، عم بشار، او عبدالحليم خدام وبين المحور النشط للاخوان المسلمين (الذين نقلوا مركز نشاطهم الى خارج سوريا بعد احداث 1982) والى جانبهم بعض جماعات الاقليات، ولا سيما الاكراد والمسيحيين. وتضمنت المعارضة ايضا شخصيات ليبرالية اكثر مثل رجال “اعلان دمشق” – الاعلان الذي وقع عليه 500 مفكر ونشيط سوري في 2005 مطالبين بالغاء قوانين الطوارىء، احترام حقوق الانسان وحقوق الاقليات والشروع في حوار وطني على مستقبل سوريا. كما أنها تضمنت احزاب منفى كحزب الاصلاح السوري، حزب الانفتاح أو “التحالف الديمقراطي السوري”، ممن عملوا على نحو منقطع عما يجري داخل سوريا.  المعارضة السورية بعد بدء الثورة لم تعد تدور حول ذات المحاور. من جهة، كان يخيل أن “المعارضات الرمزية” بمعنى تلك التي مثلت بقايا النظام القديم، وكذا تلك الجماعات في المنفى، ممن عملوا أساسا لاغراض العلاقات العامة ولكن دون تمثيل حقيقي على الارض – فقدت نفوذها. ومن جهة اخرى، التنظيمات الجديدة التي نشأت على الارض وفرت جملة من الوجوه الجديدة التي تبدو اكثر أصالة وان كانت أقل شهرة. وبالعموم يمكن القول انه باستثناء محور الاخوان المسلمين الذي حافظ على استقرار نسبي وبعض الشخصيات في المحور الديمقراطي لدائرة “اعلان دمشق”، فان معظم رجالات المعارضة القدامى والمعروفين دحروا الى الهوامش في ضوء الواقع المتغير وزعماء الثورة الجدد الذين خرجوا منها.

          عدة متغيرات يمكنها أن تشرح الصعوبة في “وحدة الصف” للمعارضة. الاول يكمن في مبنى المجتمع السوري، في الفسيفساء الطائفي، القبلي ومبنى المصالح المختلفة للقوى السياسية المركزية في سوريا: رجال الاخوان المسلمين (الذين ينقسمون بين قيادة الداخل والخارج)، زعماء القبائل، مجموعة اعلان دمشق (والتي بكونها ديمقراطية تنقسم على ذاتها)؛ المجموعة الوطنية التي بعضها يتشكل من رجال اصلاح من النظام القديم؛ الاكراد الذين اقاموا مجلسا خاصا بهم يدعو الى حكم ذاتي ثقافي بل والى فك ارتباط سياسي عن سوريا؛ والمسيحيين الآشوريين.

          المتغير الثاني يكمن في التوتر البنيوي الذي بين آلية الداخل وآلية الخارج. فالثورة التي بدأت في مدينة حمص الجنوبية وانتشرت بالتدريج الى كل أرجاء سوريا، خلقت مبنى قيادي مبعثر وغير متجانس يضم لجان المقاومة المحلية، سرايا “الجيش السوري الحر” ومجموعات وشخصيات قادت المظاهرات ونشاطات اخرى. الزعماء الميدانيون في سوريا ليسوا دوما على تنسيق مع القيادة السياسية التي تتخذ من خارج سوريا مقرا لها.

          متغير آخر هو دور جهات خارجية وعلى رأسها حزب الله، ايران ومنظمة القاعدة التي وجودها، او وجود منظمات سلفية راديكالية منها أكدته مؤخرا محافل المعارضة. أجهزة الامن الاردنية تقدير بان نحو 1.500 مقاتل من الجهاد يشاركون اليوم في القتال في سوريا. دور ايران، الذي يجد تعبيره في نقل الاموال والمعدات، دعم حزب الله ومحاولات سياسية للتأثير على المعارضة السورية، يفاقم هو ايضا الانشقاق ويثير القلق لدى اولئك الذين لا يزالون يأملون في ايجاد طريق لبناء سوريا اكثر ليبرالية وديمقراطية.

          انطلاقا من الاعتراف باهمية الوحدة ومحاولة التغلب على المصاعب انعقدت في اسطنبول في تشرين الاول 2011 مجموعة نشطاء سوريين – في معظمهم مثقفون منفيون – لاقامة المجلس الوطني السوري. على أساس الالهام الذين استمده من المجلس الانتقالي الليبي، حاول المجلس الوطني السوري، بـ 270 من اعضائه ان يبني نفسه كنموذج لمبنى سياسي يمكنه أن يرث مع حلول اليوم الحكم في الدولة. وعين المجلس سكرتاريا من 21 عضوا ولجنة ادارية من 8 أعضاء على أساس المجموعات المركزية آنفة الذكر. توزيع المقاعد التمثيلي هذا نص عليه في اتفاق التشكيل انطلاقا من الرغبة للتوازن بين الجماعات الاساسية المختلفة وكذا لخلق صورة معارضة تمثيلية. منذ تشكيله، انعقد المجلس في تشكيلات مختلفة أكثر من دزينة من المرات انطلاقا من الرغبة في توحيد الصفوف وتحقيق اعتراف دولي فيه كهيئة معارضة سورية تمثيلية. غير أن الجدالات الداخلية، الاستقالات والرسائل العامية التي كتبت ضد المجلس وزعمائه، أدت الى فشل خطوتين: من جهة لم يحظَ المجلس بالاعتراف الخارجي الذي تطلع اليه، ومن جهة اخرى لم ينجح في أن يموضع نفسه في الساحة الداخلية السورية كهيئة تمثل المعارضة بألوانها المختلفة.

          في هذا السياق ينبغي أن نتناول على نحو منفصل الدور الهام للمعارضة العسكرية والتي اتسعت في ضوء تواصل الاحداث في سوريا. المعارضة العسكرية بأت تنتظم برعاية لجان المقاومة المحلية وبعد ذلك برعاية جيش سوريا الحل، الذي فجأ الكثيرين في انجازاته حيال الجيش السوري في الاشهر الاخيرة من العام 2011 (ولا سيما النشاط في جسر الشاغور، الرُستان، الزبداني، إدلب، حمص بل وفي عدة ضواحي من دمشق). زخم التمرد العسكري أدى الى موجة فرار مثل فرار المقدم حسين حرموش الذي بروح العصر نشر قراره في فيلم قصير صدر على لانترنت. ولاحقا ضم اليه نحو 150 جندي في اثناء الحملة في مدينة بضمة في اقليم ادلب في حزيران 2011. الفرار المغطى اعلاميا ادى لى موجة من الفرار المشابه والى اقامة “حركة الضباط الاحرار”، شكلت القاعدة المنظمة الاولى للمعارضة العسكرية.

          بعد نحو شهر من ذلك، في تموز 2011 أعلن العقيد رياض الاسعد الى جانب 6 ضباط منسحبين، عن اقامة جيش سوريا الحر وهدفه تنسيق العمل العسكري ومعالجة الاحتياجات اللوجستية للمقاتلين وللسكان الخاضعين لحصار قوات الاسد. غير أن هنا ايضا وحدة الهدف لم تملي وحدة الصف. الاسعد، الذي يعتبر اكثر ارتباطا بلجان المقاومة في سوريا، اختار الا يرتب بالمنظمة العليا للمجلس الوطني السوري، الذي في هذه الاثناء أقام مجلسا عسكريا خاصا به. الاتراك، المعنيون بالذات بمساعدة المجلس الوطني، والمعسكر الاسلامي المتعزز في داخله أوضحوا للعقيد الاسعد وشريكه الجنرال فايز عمر بانه من الافضل لهما قبول إمرة المجلس الوطني. وردا على المسار الذاتي الذي اختاره الرجلان، يمنعهما الاتراك من الخروج من حدود معسكر اللاجئين أفيدين القائم في نطاق تركيا، او الحديث مع الصحفيين والدبلوماسيين الذين حاولوا زيارتهما. الاسعد وعمر من جانبهما يواصلان مساعي التنسيق ويفحصان امكانيات مظلة سياسية خارج صفوف المجلس الوطني السوري. بالتوازي أعلن عدد من زعماء القبائل عن اقامة الذراع العسكري لقبائل سوريا والذي يعمل بالتوازي مع سرايا الجيش الحر.

          تحدي وحدة الصف بعيد إذن عن ان يكون في متناول اليد. في الجبهة السياسية يقف المجلس الوطني الذي يعكس تمثيلا أدق لجماعات مصلحية ضيقة، اسلامية في معظمها فيما يقف حياله رجال معارضة قدامى غير مستعدين لمنحه الشرعية وكذا جماعات منافسة سبق أن اقاموا حكومة مستقلة في المنفى برئاسة توفل الدواليبي، ابن معروف الدواليبي الذي شغل منصب رئيس الوزراء الاخير في سوريا قبل انقلاب البعث في 1963. الانتقاد الداخلي والخارجي يمنع المجلس الوطني من أن يترسخ كهيئة تمثيلية للمعارضة السورية وكشريك مركزي لحكومات الغرب التي تسعى الى مساعدة هذه المعارضة. في الجبهة العسكرية يعتبر الجيش السوري الحر كمؤثر، مصداق وأكثر ارتباطا بالميدان. غير ان هنا أيضا، واضح ان صف القيادة ليس موحدا. فخليط من ادارة المعركة من معسكر لاجئين تحت اشراف تركي وبين الاحداث في الميدان والتي تحركها لجان المقاومة المحلية يدل على قيادة عسكرية معناها رمزي كونه من الصعب ادارة الحرب في ظل غياب قيادة، وسائل اتصال بل وحتى حرية حركة للقادة. ومع ذلك، تنجح المعارضة العسكرية في مواصلة ضرب الجيش السوري كما تفيد القضية الاخيرة التي انكشفت فيها محاولة التسميم التي جرت ضد وزير الدفاع السوري، داود رزحا، وزير الداخلية محمد الشهار وصهر الاسد ورجل ثقته عاصف شوكت.

          الدول الغربية، التي لا تزال تبحث عن الطريق السليم لمساعدة المعارضة، تبنت لنفسها منذ الان عدد من القنوات في ظل تشتيت المخاطرة والامتناع عن الاعلان عن مجموعة معينة، بما في ذلك المجلس الوطني، كمنظمة ممثلة. على خلفية الانتخابات في مصر والتي أظهرت المسافة التي بين بدايتها كثورة ليبرالية ونهايتها بتعزز كبير للاصوات الاسلامية، يحذر في افعالهم ايضا اولئك المعنيون بنجاح المعارضة. ومع ذلك، واضح أنه بدون مساعدة خارجية سيصعب على المعارضة الصمود وعليه يتردد الغرب في مسألة من يدعم في ظل محاولات حذرة لمساعدة المحافل التي تعتبر اكثر اعتدالا. في هذه الاثناء هنا ايضا لا توجد وحدة صف ويخيل أن الغرب يبذل استثماراته في معسكر المعارضة الليبرالية بينما محافل في الخليج وفي ايران (التي تفهم بانه يجب الاستعداد لسيناريو لا يتضمن الاسد) تعزز المعارضة الاسلامية، وذلك بالتوازي مع محاولات السعوديين تحقيق حل وسط سياسي وحوار بين المعارضة والاسد.

          ظاهرة الانقسام ليست جديدة وبقدر كبير تميز آلية “الربيع العربي”. والدليل 81 حزبا ومئات المرشحين المستقلين في الانتخابات التونسية وظاهرة مشابهة في مصر. وعليه يخيل أنه لا يمكن التوقع لتغييرات ذات مغزى في آلية “وحدة الصف” من الداخل. من هنا فان المفتاح لـ “محطم التعادل” الممكن يكمن في قرار الغرب التدخل في صالح المعارضة بشكل عام في ظل اختيار واع للمعسكر الصحيح. غياب التدخل الذي يجد تعبيره في اعتراف سياسي، في مساعدة للجيش الحر او في ضمان رواق انساني، سيساعد الاسد على استغلال الانقسام لغرض تأكيد الادعاء بان الاحداث في سوريا تحركها اساسا محافل الارهاب وليس المعارضة الشرعية. تدخل الغرب وان كان سيقرب تنحية الاسد الا انه ينطوي ايضا على مخاطرة لمواصلة الانقسام وتعاظم العنف في اليوم التالي. ومع ذلك، يبدو أن استمرار الاحداث في صيغتها الحالية وتعزز المحافل السلفية سيعزز امكانية أن يتدخل الغرب اخيرا ليغير موازين القوى بين النظام والمعارضة. ومثلما في حالة ليبيا، يخيل أن هنا ايضا يلوح سيناريو تقود فيه اوروبا الخطوة.



* نشرة الكترونية تصدر عن مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الاوسط وافريقيا – جامعة تل ابيب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.