أقلام وأراء

مفتاح شعيب – مخاطر العقوبات والردع

مفتاح شعيب 7 – 04 – 2022

لا يتوقف المسؤولون الغربيون، كباراً وصغاراً، عن إطلاق التهديدات اليومية ضد روسيا، وإعلان فرض عقوبات مشددة على المؤسسات والشخصيات وعصب الاقتصاد، لدفع موسكو إلى وقف عملياتها العسكرية في أوكرانيا. ومازال الحبل على الجرار، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتجهان إلى تصعيد الإجراءات دون أفق واضح، بينما ترد روسيا على مهل بعقوبات وإجراءات انتقامية.
التعويل الغربي على سلاح العقوبات لإرغام موسكو على إنهاء الأزمة في أوكرانيا، لن يفلح في تحقيق هدفه على الأرجح، وربما يقود الأوضاع إلى تصعيد لم يحسب حسابه أحد، في ظل تفاعلات خطرة على المشهد، منها عمليات طرد الدبلوماسيين الروس من عواصم أوروبية مختلفة، وتكثيف تسليم الأسلحة الفتاكة إلى الجانب الأوكراني، بالتوازي مع حرب إعلامية شرسة اعتمدت  في كثير من الأحيان  دعاية رخيصة وتخلت عن المعايير الغربية التي تبين أن محددها الفعلي، المصالح لا القيم التي ثبت أنها تُستخدم أيضاً كسلاح حسب الحاجة.
مفهوم العقوبات يأخذ أبعاداً شتى، ودلالاته خطرة، وهذا الأسلوب كان قرين الحروب منذ فجر التاريخ، حين كان المتحاربون يحاصرون بعضهم بعضاً في المدن والقلاع والحصون، بما يعنيه ذلك من قطع لإمدادات الغذاء والماء والسلاح. أما في العصر الحديث فقد أصبحت سياسة فرض العقوبات والحصارات لغة سائدة، وقد حققت للقوى الغربية أهدافها في يوغوسلافيا السابقة والعراق وليبيا، التي شهدت ثلاثتها حروباً مدمرة انتهت بإسقاط أنظمتها، ومازال بعضها يدفع الثمن إلى اليوم، ولكن عندما يكون الحال مع روسيا، فالوضع مختلف والحسابات يجب أن تبتعد عن العبثية والعشوائية؛ لأن النتائج لن تكون كالسابقة.
يقول الغرب إنه لا يحاصر روسيا، وإنما يحاول ردعها بالعقوبات والضغوط لكي توقف القتال في أوكرانيا وتُرسي السلام. 
هذا هو المعلن، أما الحقيقة، فإن القوى الغربية تريد لروسيا أن تكبو كبوة لن تنهض منها أبداً في هذه المرحلة، وهي تراهن على تحقيق ذلك في أوكرانيا لغايات تتعلق بمستقبل الأمن في أوروبا، واستعادة الزخم للعلاقات بين ضفتي الأطلسي استعداداً لمواجهة الصين الصاعدة إلى عرش القوة الدولية بسلّم قوة اقتصادية جبارة وعسكرية مهيبة وطموح لا يتوقف. والكل ينظر إلى نتيجة المعركة في أوكرانيا، فالنصر والهزيمة لهذا الطرف أو ذاك، سيسرع بتغيير الموازين وتدشين عصر جديد للعلاقات الدولية.
سياسة العقوبات الغربية ضد روسيا محفوفة بالمخاطر، وربما تنحرف عن أهدافها وتعود بالوبال على من يفرضها، وهذه الحقيقة مؤكدة وستظهر تجلياتها في الأسابيع والأشهر المقبلة. 
وبقطع النظر عما يدور في أوكرانيا، فإن نجاح العقوبات في تحقيق أهدافها في روسيا مشكلة وفشلها مشكلة أيضاً؛ لأن الصراع سيكون أكثر شراسة في الجولات المقبلة بعد أوكرانيا، ويجب عدم الاطمئنان الزائف إلى السلام الممكن في ظل صدام دبلوماسي وأسلحة اقتصادية فتاكة. 
وللعبرة، فإن ألمانيا النازية عندما حوصرت في ثلاثينات القرن الماضي، أشعلت حرباً دمرت كل أوروبا، وأنهت مجد بريطانيا وفرنسا كإمبراطوريتين استعماريتين، وانتهت هي نفسها أيضاً، ولكن الحال اليوم مختلف، والمقاييس ليست نفسها، والمآلات المحتملة لم يعرفها التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى