معين الطاهر يكتب - في انتظار بايدن - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معين الطاهر يكتب – في انتظار بايدن

0 81

معين الطاهر *- 23/9/2020

تتضاعف أهمية الإنتخابات الرئاسية الأميركية المرتقبة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، في ظل المتغيرات الكبرى التي قام بها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والتي يسعى إلى استكمالها إذا ما فاز بولاية جديدة، فما قام به كان محاولةً لتغيير الدولة العميقة المستقرّة في الولايات المتحدة وسياساتها إلى دولة عميقة أخرى، تتولى نهجًا مغايرًا لما سلكه جميع أسلافه، جمهوريين أم ديمقراطيين.

ينحدر المرشح الديمقراطي، جو بايدن من أصول يهودية الديانة، وهو لا يخفي ميوله الصهيونية، ولا تأييده إسرائيل الذي استمر طوال حياته السياسية، لكنه، شأن قادة صهيونيين في المؤسستين الأمنية والسياسية الإسرائيلية، يرون أن رؤية ترامب – نتنياهو (المعلنة في يناير/ كانون الثاني 2020) تعرّض أمن إسرائيل واستقرارها وهويتها اليهودية و”ديمقراطيتها”للخطر، ففي حفلٍ لجمع التبرّعات للوبي المؤيد لإسرائيل “جي ستريت”، اتخذ بايدن موقفًا مناوئًا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وانتقد صفقة ترامب التي “قوّضت استقرار حق تقرير المصير للفلسطينيين، وقوّضت الأمل في الحل المستدام القائم على حل الدولتين”. ومع ارتياحه إلى أن “الضم ليس مطروحًا على الطاولة في الوقت الحالي، لكنه لا يعلم إلى أي مدى سيبقى كذلك”، منتقدًا نتنياهو الذي “استسلم لليمين المتطرّف للحفاظ على دعمه”. كما انتقد القيادة الفلسطينية التي “لم تتعاون عندما أُتيحت لها الفرص”، مؤكّدًا على أن “حل الدولتين هو السبيل الوحيد لضمان أمن إسرائيل على المدى الطويل، مع الحفاظ على هويتها اليهودية والديمقراطية”، متسائلًا “كيف سيفعلون ذلك من دون حل الدولتين”؟

هاجم بايدن ترامب الذي “عرّض أمن إسرائيل للخطر عندما ألغى الاتفاق (النووي) مع إيران، واستبدل به لا شيء”، ما “سمح لأعداء إسرائيل بترسيخ وجودهم في سورية”. وكان بايدن حينها نائبًا للرئيس السابق، باراك أوباما، الذي عقد الاتفاق، وألغاه ترامب الذي بنى استراتيجية جديدة تقوم على فرض العقوبات المنفردة، وتأسيس تحالف عربي – صهيوني في مواجهة إيران، باعتبارها تهديدًا إقليميًا خطرًا لإسرائيل وبعض الأنظمة العربية. وهو ما رأي فيه بايدن تعريضًا لأمن إسرائيل للخطر.

لا يوجد موقف عربي موحد تجاه الانتخابات الأميركية ونتائجها؛ منهم من ينتظر نجاح بايدن، مثل السلطة الفلسطينية التي عارضت “صفقة القرن”، لكنها تتقدم خطوة وتؤخّر أخرى، في محاولة لكسب الوقت، من دون أن تقطع صلاتها بالمرحلة الماضية. وهو حال بعض الأنظمة المتردّدة في اتخاذ موقف نهائي من الصفقة والتطبيع، بانتظار ما سيأتي. ومنهم من يتلهف لعودة ترامب، بل ويعمل عليها وكأنه يربط مصيره بها، بعد أن قطع خطواتٍ كبرى، منسجمًا مع سياساته، سواءً المتعلقة بإيران أم بسياسات التطبيع مع العدو الصهيوني وإقامة تحالف وثيق معه. وهو لا ينتظر نتائج الانتخابات الأميركية بقدر ما يعمل على ترجيح كفّة ترامب فيها، من خلال إظهاره محققًا إنجازات كفيلة، ربما بترشيحه لجائزة نوبل للسلام، عبر توقيع الاتفاقات العربية مع إسرائيل، والسعي إلى ركوب دول أخرى في قطار التطبيع، بغرض تعزيز موقع ترامب، بعد أن تعثرت خطة ضم أراض في الضفة الغربية لدولة الإحتلال، وتراجعت فرص القبول الفلسطيني والدولي بصفقته.

هل ثمّة توجّه فلسطيني حقيقي فعلي إلى تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، أم أن ما اتُفق عليه لا يتجاوز  إدارة الانقسام في هذه المرحلة فحسب؟

تجاوزت هذه الدول مرحلة التطبيع لتصل إلى مرحلة التحالف، ولتتدحرج وفق رؤية ترامب – نتنياهو إلى مواجهاتٍ إقليميةٍ تتجاوز حدود أقطارها، مع دول مثل إيران وتركيا، وتنخرط في صراعات في اليمن وليبيا والبحر المتوسط، وتنشر قواعدها في القرن الأفريقي، مدمجةً الثروة العربية مع القوة الصهيونية، واضعةً ثقلها كله في سلة ترامب، ومراهنةً على عودته المظفرة إلى البيت الأبيض، وعلى استمرار السياسة الأميركية الحالية. لكن ماذا لو لم ينجح ترامب، وخصوصًا أنه لم ينجح تمامًا في ولايته الأولى في تغيير الدولة الأميركية العميقة التي تضجّ بمعارضتها سياساته؟ ماذا سيحدث لكل أولئك الذين سعوا جهدهم، وطوّعوا سياساتهم، وبذلوا أموالهم، لإنجاح الرئيس الأميركي، بعد أن يفقد مقعده في البيت الأبيض؟

ثمّة فريق آخر من العرب ينتظر نتيجة الانتخابات ليحدّد اتجاهه ومساره، وهو يقاوم الآن الضغوط الأميركية التي تمارَس عليه من أجل انتزاع تأييدٍ علني لسياساتها، لكنه يفعل ذلك ولسان حاله يقول “لعم”، فلا هو مؤيد ولا هو معارض، وينتظر أن تميل الرياح ليميل حيث تميل.

الموقف الفلسطيني أكثر تعقيدًا، صحيحٌ أن هناك إجماعا فلسطينيا على رفض قوننة الضم الممارس على الأرض الفلسطينية، وعلى عدم الانخراط في رؤية ترامب – نتنياهو، وهناك مسعى فلسطيني معلن نحو المصالحة وإنهاء الانقسام، وثمّة بياناتٌ صدرت عن تشكيل قيادة موحدة تقود المقاومة الشعبية السلمية، وعُقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، تكرست فيه قيادة الرئيس محمود عباس، واتُفق خلالها على تشكيل لجنةٍ تبحث في إعادة بناء منظمة التحرير، وتقدّم تقريرها بعد خمسة أسابيع للمجلس المركزي الفلسطيني، ويرجح ألّا يُقرّ ذلك قبل الانتخابات الأميركية.

“تمسّكت قيادة منظمة التحرير بمشروعها القائم على عودة المفاوضات وفق مرجعية دولية، للوصول إلى حل الدولتين، ولم تتخلَ عن اتفاق أوسلو “.

هل ثمّة توجّه حقيقي فعلي إلى تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، أم أن ما اتُفق عليه لا يتجاوز إدارة الانقسام في هذه المرحلة فحسب؟ وهل يكفي الإتفاق على رفض “صفقة القرن” للقول إنه توجد رؤية مشتركة على ماهية المشروع الفلسطيني في المرحلة المقبلة؟ وماذا حققت حركتا فتح وحماس من هذا التوافق؟ تخلصت الحركتان من تهمة إعاقة المصالحة في الوقت الراهن، وأبدتا حرصًا على الوحدة الفلسطينية، وحقّقت كل منهما مكاسب إضافية مؤقتة؛ وعزّزت “حماس” من سيطرتها على غزة، ولم تعد مطالبةً بتسليم السلطة أو نزع سلاحها، شرطا لتحقيق المصالحة، وهي تسعى إلى منح أنصارها في الضفة الغربية مجالًا أوسع للتحرّك السياسي والجماهيري. في المقابل، حصل الرئيس محمود عباس على اعترافٍ واسعٍ بشرعيته، وتمسّكت قيادة منظمة التحرير بمشروعها القائم على عودة المفاوضات وفق مرجعية دولية، للوصول إلى حل الدولتين، ولم تتخلَ عن اتفاق أوسلو أو تسحب اعترافها بإسرائيل. وأعلنت وقف الاتفاقات، وليس إلغاءها، بل واعتبرت أن اتفاق أوسلو إنجاز للشعب الفلسطيني، متهمةً الحكومة الإسرائيلية بالتخلي عنه. ولم تقدّم “حماس” مشروعًا آخر؛ وافقت ضمنيًا على حل الدولتين، وأحالت جميع المسائل المعلقة، مثل استمرار السلطة أو حلها وإعادة بناء منظمة التحرير، إلى التوافق الوطني، من دون أن تقدم رؤية واضحة لذلك. كما لم تقم كلتا السلطتين في غزة والضفة الغربية بأي إجراءاتٍ ذات طابع عملي، لتحقيق مشاركة القوى السياسية الأخرى في إدارة مناطقهما، أو للتوصل إلى حكومة موحدة. ولا يخرج تفسير ذلك عن أن ثمّة حرصا متبادلا على وحدة الموقف في اللحظة الراهنة، وهي وحدة ساهمت في تجميد قرارات الضم، وتراجع “صفقة القرن”. وفي الوقت ذاته، هناك رغبة في انتظار ما ستسفر عنه الأحداث بعد الانتخابات الأميركية. ولذا نلحظ حذرًا شديدًا في السعي نحو أي محاولةٍ جدّية تنهي الإنقسام، وتصوغ مشروعًا وطنيًا فلسطينيًا يواجه المرحلة المقبلة.

“تخلصت “فتح” و”حماس” من تهمة إعاقة المصالحة، وأبدتا حرصاً على الوحدة الفلسطينية، وحقّقت كل منهما مكاسب إضافية مؤقتة “.

تنبني استراتيجية السلطة الفلسطينية على انتظار نتيجة الانتخابات الأميركية، والأمل بفوز جو بايدن. وهنا سيلتقي الموقف الأميركي الجديد مع الموقفين، الأوروبي والروسي، بضرورة العودة إلى المفاوضات وفق مرجعية دولية، وهو ما طلبه الرئيس محمود عباس مرًارا وتكرارًا، أي أننا سنعود إلى الدائرة القديمة ذاتها. ينبغي القول إنه ليس بالضرورة أن تُعقد تلك المفاوضات، وإذا عُقدت فلن تصل إلى حلولٍ نهائية تُنهي الصراع، ولعل غاية الموقف الأوروبي والأميركي، إذا نجح جو بايدن، هي منع انفجار الموقف الذي يرونه حتميًا وفق سياسة ترامب – نتنياهو، لكنه لن يتمكّن من الوصول إلى حل، وإنما سيستمر في التلويح به، وهي حالةٌ تشبه ما سبق أن عاشته المنطقة في ظل حالة اللاحرب واللاسلم، حين تم التوافق عليها بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بعد حرب يونيو/ حزيران1967. هذا الوضع مريح تمامًا للرئيس عباس والسلطة الفلسطينية، ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل إعلان “صفقة القرن”، وينهي حالة التوافق الحالية، وفي أحسن الأحوال قد يتمكّن من إدارتها، لكنه لن ينجح في التقدّم باتجاه مشروع وطني جديد، أو إنهاء الاحتلال والاستيطان.

“تنبني استراتيجية السلطة الفلسطينية على انتظار نتيجة الانتخابات الأميركية، والأمل بفوز بايدن “.

ماذا لو فاز ترامب؟ سيستمر، ونتنياهو، في توجههما، ستتعزّز سطوة اليمين الصهيوني واليمين الأميركي، وستتجه المنطقة نحو مزيد من التوتر والحروب. مصير السلطة الفلسطينية سيحدّده الكيان الصهيوني الذي سيعمل على إيجاد قيادات سياسية وأمنية تقبل نظام البانتوستانات الفلسطينية المنعزلة، أما دور عباس السياسي فسيكون قد انتهى، وسيتعرّض قطاع غزة لمزيد من الحصار والاجتياحات. وقد يتحقق السيناريو ذاته جزئيًا إذا ما فاز بايدن، إذ إن الفترة الفاصلة ما بين الانتخابات في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، وتسليم السلطات في 20 يناير/ كانون الثاني، قد تكون مواتية لنتنياهو لإيجاد حقائق جديدة على الأرض، قبل أن يتسلم بايدن سلطاته. ويذكرنا ذلك بما فعله أوباما، ووزير خارجيته جون كيري، في الفترة الانتقالية، حين أعطى الضوء الأخضر لقرار صدر عن مجلس الأمن بإدانة الاستيطان الصهيوني.

أيًا كان ما سيحدث، ولأن الشيء ينتج نقيضه، فإن الاحتلال، بتمسّكه بروايته التاريخية، ورفضه أنصاف الحلول، لم يُبقِ أمام العرب والفلسطينيين سوى التمسّك بروايتهم. وهو باحتلاله الأرض وضمها، وتكريسه نظام أبارتهايد صهيوني فريد من نوعه، قد أعاد وحدة الأرض والشعب والقضية، بعد أن مزّقتها الاتفاقات السابقة، واللهاث وراء سراب الحلول، ما قد يكون البداية لتشكل مشروع وطني فلسطيني جديد بعد سنوات من الضياع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.