معين الطاهر يكتب - بيروت الفلسطينية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معين الطاهر يكتب – بيروت الفلسطينية

0 93

معين الطاهر 29/9/2020

بيروت كما هي عربية ولبنانية فقد كانت فلسطينية ولم تزل، وستبقى بعبقها وروحها. في وسط بيروت وفي ساحة شهدائها، وقبل تقسيم بلادنا في اتفاقية سايكس بيكو إلى دول واقطار، نصب جمال باشا السفاح أعواد المشانق لأحرار العرب الذين احتضن ثرى بيروت جثامينهم، وكان نصيب المدن الفلسطينية منها في ذلك اليوم، 3 شهداء هم سليم عبد الهادي من عرابه جنين، ومحمد الشنطي من يافا، وعلي النشاشيبي من القدس. في ذلك الزمان كانت ولاية بيروت تضم الساحل الفلسطيني حتى شمال يافا وتوسعت لاحقا لتشمل سنجق نابلس الممتد حتى سهل حوران.

بيروت عربية فلسطينية بروحها وقلبها وانتمائها، والفلسطيني فيها ليس من احتضنته في ربوعها فحسب وإنما هو كل من أعتبر فلسطين هويته، وأمن بقضيتها، وناضل من أجلها. لبنانيا كان أو عربيا لجأ إليها فأوته، أو فلسطينيا عاش فيها وعاشت فيه.

بيروت الفلسطينية مطاهرها لا تحصى، تمتد جذورها إلى الرعيل الأول من الطلبة العرب الذين درسوا في جامعاتها، إلى مصطفى ارشيد الذي أسس مع أنطون سعادة الحزب القومي الاجتماعي وإلى جورج حبش ووديع حداد وصلاح الدباغ وأحمد الخطيب وقسطنطين زريق ومحسن إبراهيم ومحمد كشلي وغسان كنفاني في بدايات تشكيل الحركة القومية بعد النكبة، وإلى توفيق الحوري وهاني فاخوري حين اشرفا على تأسيس ونشر مجلة “فلسطيننا”  عام 1959 من بيروت لتكون صوتا ناطقا بأفكار حركة فتح في إرهاصاتها الأولى مع خليل الوزير وياسر عرفات، بيروت الكتاب والأدباء في  الصحافة اللبنانية كلها الذين حملوا هم فلسطين منذ نكبتها ودافعوا عنها بالقلم والدم. وهي ذاتها بيروت شارل الحلو وموريس الجميل ووداد قرطاس ونجلاء فخر الدين وفؤاد صروف ونبيه أمين فارس وسعيد حماده الذين قاما بتأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية مع قسطنطين زريق ووليد الخالدي وبرهان الدجاني عام 1963 لتكون المؤسسة البحثية الأولى من توعها في العالم العربي، وليعقبها بعام تأسيس مركز الأبحاث الفلسطيني الي ترأسه يوسف صايغ في بداياته. وحاول الصهيونيون تفجيره بسيارة متفجرة كما قاموا بنهب محتوياته في محاولة لعزل بيروت عن  قضيتها.  وهي بيروت أكرم زعيتر الذي ساهم إبان شبابه في تأسيس عصبة العمل القومي في مؤتمرها الأول الذي عقدته في قرنايل عام 1933 مع نخبة قومية لبنانية وعربية دعت إلى استقلال الأقطار العربية ووحدتها، وعندما تقاعد من عمله سفيرا في بيروت عام 1974، اختار العيش في كنفها رئيسا لناديها الثقافي حتى ما بعد الاجتياح الصهيوني لها عام 1982، لتندمج ذاكرته مع ذاكرتها ويسطر في يومياته الممتدة من عام 1919 وحتى عام 1984 ذاكرة لبيروت بأعيانها وأحيائها وفنادقها ومطاعمها وصحفها ومعاركها المشتعلة.   بيروت الفلسطينية هي بيروت التي مشت عن بكرة أبيها بكل انجاهاتها يمينيها ويسارها، زعاماتها التقليدية وقياداتها التقدمية لتشيع شهداء نيسان ١٩٧٣ الثلاثة، كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجارفي موكب مهيب لم تشهد مثله لا قبل ولا بعد.

بيروت التي امتزجت فيها حركتها الوطنية مع المقاومة الفلسطينية وانضم إلى صفوفها أبنائها، مباشرة، أو من خلال احزابهم وروابطهم وتجمعاتهم السياسية. أذكر في هذا السياق أن تنظيمنا الطلابي في حركة فتح تشكل في غالبيته وفي قيادته وكوادره من طلاب لبنانيي “إخراج القيد” والجنسية، خرجوا عن تصنيفات الطوائف والمذاهب التي لم نكن نعرفها، ولم تخطر لنا ببال، لم يُسأل احد يوما عن دينه أو بلدته، إذ انصهروا جميعا في بوتقة واحدة أسمها الدفاع عن لبنان وتحرير فلسطين.  ويحضرني في هذا السياق يوم جاء أصدقاؤنا من بعض قيادات الحركة الوطنية اللبنانية إلى الأخ صلاح خلف (أبو إياد) يشكون تنظيمنا بدعوى أن الفلسطينيين يتدخلون في شأن لبناني وهو انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية، داعينه لإيقاف ذلك. يومها فوجئ أبو إياد حين علم ان الطلاب الفلسطينيين لا يمتلكون حق التصويت في هذه الانتخابات المحصورة في الطلبة من أصول لبنانية، وأن الشكوى مردها نمو تيار في صفوف الجسم الطلابي يؤمن بأولوية النضال الوطني على النضال المطلبي، وقد تمكن هذا التيار من تشكيل جبهة طلابية عريضة خاضت الانتخابات، وفازت بعدد وافر من مقاعدها، وشاركت في قيادة الاتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية، في حين قادت مجالس الطلبة في الجامعات الأمريكية والعربية وبيروت الجامعية. يومها كما هو حال بيروت اليوم امتلأت شوارعها بعشرات الالاف من المتظاهرين في مزج خلاق بين النضال الوطني للدفاع عن لبنان  والمقاومة فيه وحماية حقوق المواطنين والدفاع عن قضاياهم العادلة في وجه الاحتكار المتوحش،  تلك الأجواء سبقت الربيع العربي بأعوام ، ونمت فيها أجواء الحرية وسط غابة من البنادق، واهتزت الأفكار وتغيرت،  وعلا صوت أجيال جديدة متمردة. أذكر أن سماعات جامعة بيروت العربية كانت توالي هتافاتها التي تصل إلى مكتب ياسر عرفات القريب معارضة لبرنامج النقاط العشر والحل السلمي،  وفي الليل كان ينام بحراسة بنادق الطلبة الثائرين، وفي تظاهرة دعت إليها أحزاب الحركة الوطنية وفصائل المقاومة الفلسطينية إحتفاء بتأميم العراق منشئات نفطه، اطلق طلبة كانوا يحاولون الخروج عن الصيغ النمطية لأحزابهم اليسارية هتافا رنانا يقول ” صدام حسين منع الموت الطبيعي بده يغتال كل مناضل شيوعي” سرعان ما تلقفته التظاهرة كلها وسط ذهول منظميها، وفي عام 1974 قام الطلبة من مختلف الاتجاهات بتنفيذ اضراب شهير في الجامعة الأمريكية، بعضهم التحق بالإضراب احتجاجا على رفع الأقساط الجامعية، في حين اعتبر الأخرون الإضراب منازلة للإمبريالية الأمريكية في عقر دارها، تم الاضراب وسط معارضة أغلب القيادات في حينه، اذكر أن ياسر عرفات قال لنا يومها تذكروا أنها معركتكم لكنها ليست معركتي، لكنه والقيادات اللبنانية المختلفة لم تقف أمام اتجاه الطلبة الجارف. اقتحمت قوات الأمن لحرم الجامعة واعتقلت الطلبة  المضربين. بومها كان المدعي العام فريد مطر والد رئيس مجلس الطلبة في الجامعة هو الذي أصدر مذكرات التوقيف بحق الطلبة ومن ضمنهم أبنائه الاثنين، ثم عزل نفسه عن القضية لوجود أبنائه فيها. تذكرت هذا وأنا أرى بيروت المنكوبة اليوم بتفجير مرفأها حائرة بين عشرات المذكرات القضائية والمراسلات الإدارية الضائعة والمفقودة بين ثنايا الحكومات والدوائر المختلفة على تعددها منذ أعوام.

في أيار عام 1973، جرت محاولة من الجيش اللبناني لاقتحام المخيمات، وسمع دوي الرصاص والقذائف بالقرب من جامعة بيروت العربية، فهرع طلابها للتصدي لهذه المحاولة، وأقاموا المتاريس في الطرقات. وسرعان ما تحولت مواقعهم إلى بؤرة استقطاب لمئات من الطلبة القادمين من أحزاب الحركة الوطنية من مختلف الجامعات والمدارس الثانوية. وعلى هؤلاء وغيرهم وقع لاحقا جهد حماية أحياء بيروت وأمنها الداخلي وتشكيل لجانها الشعبية لتأمين مستلزمات المعيشة والصمود خلال مرحلة الحرب الأهلية (1975-1976).

بيروت الفلسطينية احتضنتها الأحياء الفقيرة في المسلخ والنبعة والكرنتينا وتل الزعتر، يوم التقى فيها المحرومون في أرضهم مع المحرومين من أرضهم، وتقاسموا لقمة الخبز المغموسة بالدم وويلات الحرب والتهجير والاجتثاث من أكواخهم. بيروت ذاتها قرعت فبها أجراس كنيسة مخيم ضبيه الذي سكنه لاجئون مسيحيون فلسطينيون معلنة أن أبناء السيد المسيح يُقتلون ويُهجرون وتُحرق منازلهم على أيدي يعض من ادعى الانتساب إليه، فكان حرق كنيستها وقتل وتشريد أبناء ضبيه شاهدا سيبقى على زيف استخدام الدين والمذهب في النزاعات الأهلية.  في مشهد مماثل لحصار مخيم شاتيلا، وقتل نبيلة البربير التي هبت لإغاثة أطفال المخيم ببعض الحليب  فقتلت على أبوابه  وأرهب قاتلوها أهلها وأصدقائها لدى محاولتهم تشييعا إلى مثواها الأخير، وهم ذاتهم الين يحاولون اليوم إرهاب شبابها بدراجاتهم النارية والطلقات التي تصيب العيون محاولين حجب مشهد بيروت التواقة للحرية وللانعتاق من الفساد والطوائف. هي بيروت التي التي عانت مخيماتها سابقا من سطوة المكتب الثاني قبل أن تتنفس نسيم الثورة، وقبل أن تتعرض لحصار ذوي القربى الظالم ومعاركهم معها، لكن شباب مخيماتها وفرق الدفاع المدني المحلية فيها، كان من بادر منذ اللحظات الأولى لاسعاف الجرحى والبحث عن المفقودين وإغاثة المنكزبين وتقاسم رغيف الخبز معهم.فهم من بيروت وإلي وجهها الجميل ينتمون.

بيروت الفلسطينية هي التي نثرت نسائها الجميلات الورد والأرز على المقاتلين الذين قاتلوا دفاعا عنها في وجه الاجتياح الصهيوني لها، ووقف شيبها وشبانها على أرصفة الطرقات يلوحون لهم بأيديهم ويهتفون لهم بحناجرهم ويحتفظون بهم في قلوبهم وهم في طريقهم إلى مرفأها الشاهد على دمارها المتجدد.  يومها أضحت هي بيروت الكاشفة للحقائق، أذ بعد أن غادرتها الفصائل الفلسطينية المسلحة تهاوت مقولة أنها سبب الحرب الأهلية (75-76)، وأنها سبب معانة لبنان. بعد خروج المقاومة بدت تلك الحرب الأهلية بمثابة نزهة قصيرة قياسا بما تلاها، فقد اشتعلت الحروب بين الطوائف والمناطق، وداخل كل طائفة، وداخل كل حزب وفصيل، وفي كل حارة وزاروب. كانت حروب للإلغاء ولتصفية اللاعبين بحيث يمكن التحكم بالمشهد كله، وخلاها شهدت بيروت أعنف معاركها وأقساها، وتكرس نظامي طائفي لا مثيل له، ليهيمن على مقدرات الدولة ويستبيحها في تواطوء بين أمراء الحرب القدامى و النظام الطائفي والاحتكار والفساد. ليكشف انفجار المرفأ عن خفايا وجهه البشع وممارساته الممتدة عبر كل الحكومات المتعاقبة والطوائف المشاركة دوما بها. لكنه فجر في ذات الوقت طاقات جديدة تصر على أن يعود لبيروت وجهها الحقيقي. وجه الحرية والديمقراطية والشفافية والتخلص من الفساد والنظام الطائفي، وجها عربيا منتميا إلى أمته وأمالها وقضاياها. حينها يعود أيضا لبيروت وجهها الفلسطيني الذي ستحمله أمواج بحرها الجميل إلى شاطئ يافا.

*مقالي المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينيةعدد ١٢٤ خريف ٢٠٢٠ ضمن ملف تحية الى بيروت والتي شارك فيه ٢٩ كاتبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.