معهد واشنطن - مايكل نايتس - الكاظمي يواصل إعادة توزيع المناصب (الجزء الثاني) : حماية المؤسسات الاقتصادية والحدود في العراق - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معهد واشنطن – مايكل نايتس – الكاظمي يواصل إعادة توزيع المناصب (الجزء الثاني) : حماية المؤسسات الاقتصادية والحدود في العراق

0 93

معهد واشنطن –  مايكل نايتس  *- 15/9/2020

في 14 أيلول/سبتمبر، أعلنت بغداد عن مجموعة من التعيينات القيادية الاستراتيجية للمؤسسات المكلفة بالإشراف على اقتصاد العراق، وحدوده، وجهوده لمكافحة الفساد – وهي قائمة تشمل البنوك وسلطات الجمارك والمطارات والموانئ والمعابر البرية والهيئات البلدية ولجان التحقيق، وأكثر وأكثر. إن النطاق الطموح للتعيينات والطريقة المركزية التي جرت فيها هي دلالة كبيرة على التزام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتغيير الوضع الراهن المتآكل في بغداد. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت حكومته قادرة على الصمود أمام محاولة الصدّ القادمة من العناصر الميليشياوية والسياسية التي تستفيد من الوضع الراهن. فيما يلي ملخص للتعيينات التكنوقراطية الجديدة وتبعاتها؛ انظر الجزء الأول من هذا المرصد السياسي لمناقشة إعادة توزيع المناصب العسكرية الأخيرة التي قام بها الكاظمي.

حماية النظم الوطنية

كان أحد الدوافع الرئيسية وراء الازدياد الذي بدأ ينشأ منذ فترة طويلة في نفوذ الميليشيات والفساد في العراق هو استيلاء الكتل السياسية التي توجه عملية اختيار المسؤولين المهمين وقراراتهم، على الأنظمة الاقتصادية الاستراتيجية. وتهدف التغييرات القيادية التي بدأت منذ قدوم الكاظمي إلى السلطة في أيار/مايو إلى تحرير العديد من هذه الأنظمة وتقليص فرص قيام الجهات الفاعلة السلبية باستغلالها. وكانت الغاية الرسمية من تعيينات 14 أيلول/سبتمبر هي استبدال شاغلي المناصب الذين انتهت ولاياتهم في تموز/يوليو، لكنّ الأهم من ذلك، أنّ الخيارات لم تكن موجهة بالحصص النموذدية المستخدَمة لتَقاسُم المناصب بين الأحزاب.

البنك المركزي العراقي. تم تعيين مصطفى غالب محافظاً جديداً لـ “البنك المركزي العراقي” بعد أن خدَمَ لفترة طويلة كرئيس لشؤونه القانونية. وبصفته شخصية غير حزبية لها تاريخ في مقاومة الضغوط السياسية، سيتولى الآن زمام المبادرة في تنفيذ الإصلاحات المصرفية وحماية عملية المزايدة بالدولار من تدخل إيران والميليشيات والجهات الفاعلة الفاسدة الأخرى.

المصرف العراقي للتجارة. سالم الجلبي، الذي كان سابقاً مستشاراً لرئيس الوزراء، هو الرئيس الجديد “للمصرف العراقي للتجارة”. يضع هذا التعيين شخصية مالية وقانونية دولية معروفة في قلب وكالة تحتكر عمليّاً السوق العراقي الذي تبلغ قيمته عدة مليارات من الدولارات لإصدار خطابات الاعتماد.

الهيئة الوطنية للاستثمار. الرئيسة الجديدة للهيئة سهى داود الياس النجّار هي عالمة اقتصاد ومديرة أصول تلقّت تعليمها في بريطانيا وتتمتع بخبرة واسعة في الأعمال المصرفية وتمويل الشركات.

مدينة بغداد. منهل الحبوبي هو أمين بغداد الجديد، مما يضعه على رأس الجهاز البلدي المعروف بالأمانة. وسبق أن خطط الكاظمي بأن يتولّى هذا الدور بنفسه، لكن المدينة ستصبح اليوم في يديْ مهندس معماري مشهور عالمياً ومهندس مدني مستقل – وبالتالي خارج أيدي الأحزاب السياسية التي كانت ستستخدمه لرعاية شبكات المحسوبية والفساد قبل الانتخابات الوطنية القادمة.

هيئة الأوراق المالية. تم تعيين الرئيس السابق “للمصرف العراقي للتجارة” فيصل الهيمص رئيساً لهيئة الأوراق المالية (بورصة بغداد). (كانت التقارير السابقة التي أشارت إلى أنّ حسن حلبوص حمزة الشمري المعيّن سياسيّاً سيحصل على هذا المنصب غير صحيحة).

هيئة النزاهة. كان القاضي علاء جواد حميد يرأس في الأصل هذه الهيئة حتى عام 2014 وتم تعيينه الآن للإشراف عليها مجدداً. لكن كما يوضح القسم التالي، قد لا يكون هذا المركز مكاناً للمضي قدماً في العمل الحقيقي لمكافحة الفساد.

نواب وزراء. تم تعيين نواب جدد في الوزارات الاقتصادية الأساسية بما فيها النفط والنقل والكهرباء والزراعة والعمل (نائبان). وتمّ التركيز على ترقية التكنوقراطيين إلى المناصب من داخل كل وزارة.

اللجنة الفنّيّة العليا لأمن الاتصالات والمعلومات. أعاد الكاظمي إحياء هذا الجهاز في 23 حزيران/يونيو بعد أن توقّف عن أعماله لمدة خمس سنوات. وكان قادة الميليشيات والسياسيون المتحالفون معهم قد تواطؤا لإيقاف نشاطه في عام 2015، مما مهد الطريق أمام شركة يسيطر عليها «حزب الله» اللبناني لتولي زمام الأمور في توفير أمن الشبكة الوطنية في العراق.

مكافحة الفساد بقبضة من حديد

في 27 آب/أغسطس، تم إنشاء لجنة جديدة لردع الفساد برئاسة الفريق المتقاعد أحمد طه هاشم (المعروف أيضاً باسم أبو رغيف)،  وهو شخص يتمتع بصرامة أسطورية (وإن كان مثيراً للجدل)، وكان قد ترأس الشؤون الداخلية في وزارة الداخلية خلال فترة عنيفة من من الاقتتال الداخلي بين الفصائل في عاميْ 2004-2005. وتتمتع هذه اللجنة، التي تتألف من قضاة داخليين وممثلين عن “جهاز المخابرات الوطني العراقي” (الذي لا يزال يرأسه الكاظمي رسمياً)، و”جهاز الأمن الوطني”، و”جهاز مكافحة الإرهاب”، بسلطة ضبط الأدلة والقيام باعتقالات. ونُفِّذ أول اعتقال من هذا النوع في بغداد في 15 أيلول/سبتمبر: فقد أُلقي القبض على أحمد الساعدي، المدير السابق لهيئة التقاعد الوطنية.

وفي الفترة القادمة، من المرجح أنّ تركز هذه الخلية على الحالات الاستراتيجية ذات الأهمية الوطنية بتوجيه من رئيس الوزراء. ولتحديد قدرتها على تولّي التحقيقات الشديدة الأثر من النوع الذي دعا إليه آية الله العظمى علي السيستاني في 13 أيلول/سبتمبر، من المرجح أن يستعين الكاظمي بالدعم من مصادر شرعية أخرى – والتي تشمل السيستاني نفسه وكذلك الرئيس العراقي برهم صالح، والمتظاهرين العراقيين، والمجتمع المدني والمنظمات الدولية.

حماية الحدود والمطارات والجمارك

انتقل فريق الكاظمي بهدوء إلى تعزيز سيطرة الحكومة على مصادر الدخل الهامة، وبالتالي تأمين الأموال للحكومة التي تعاني من ضائقة مالية، وفي الوقت نفسه حرمان هذه الأموال من الميليشيات.

سلطة الطيران المدني العراقي. في 25 حزيران/يونيو، تم تعيين الطيّار المدني المعروف نائل سعد عبد الهادي رئيساً جديداً لـ “سلطة الطيران المدني العراقي”، مما سمح بتقاعد المدير السابق بسلامة بعد أن حذّرته الميليشيات من الاستقالة بموافقته الخاصة. ثم بدأت القيادة الجديدة بعملية منع الشركات التي تسيطر عليها ميليشيا «كتائب حزب الله» المدعومة من إيران من المزايدة على تقديم خدمات أرضية وتوفير الأمن في المطارات.

ميناء أم قصر. في 16 تموز/يوليو، أُقيل جميع المدراء الأربعة لمراكز جمارك الميناء في الشمال والوسط والجنوب والبصرة بالإضافة إلى نوّابهم. وبعد تعيين البدلاء، نشرت الحكومة قوات الجيش لحماية الميناء والمدراء الجدد، مع تناوب الوحدات كل أسبوعين لتقليص خطر عودة الفساد مجدداً.

المعابر البرّيّة. في تموز/يوليو، نشرت الحكومة قوات مراقبة جديدة في بعض المعابر الحدودية الأكثر خضوعاً لهيمنة الميليشيات في البلاد – أي المنذرية (على الطريق السريع ديالى – إيران)، والقائم (على الحدود بين الأنبار وسوريا)،  والشلامجة (على الطريق التجاري البصرة – إيران). وأُنشئت تحصينات مادية على المعبر الأخير لتوجيه حركة المركبات بشكلٍ أفضل عبر الجمارك، وهي خطوة أولى جيدة نحو تضييق الحدود.

رقمنة الإيرادات الحدودية. يجري تسريع العقد الذي يرمي إلى رقمنة تحصيل الجمارك والذي تأخّر كثيراً من خلال عملية الشراء التي لا تزال معقدة في العراق.

التداعيات على السياسة الأمريكية

حاولت حكومة الكاظمي تطبيق خطوة تجريبية طموحة وخطيرة عبر إعادة توزيع المناصب الاقتصادية، من خلال تركيز عملية اختيار المرشحين لتولي الأدوار الاستراتيجية دون مساهمة كبيرة من الكتل السياسية. ويخرق ذلك قاعدةً ذهبيةً في السياسة العراقية، وهي مراعاة المحاصصة (نظام الرعاية الحزبية والعرقية الراسخة). وبناءً على ذلك، ستتطلّب التعيينات الأخيرة قيام الكاظمي بالتعامل مع رد فعل قاسي من الطبقة السياسية الغاضبة، لا سيّما “ائتلاف الفتح” المدعوم من إيران.

وفي الأوساط العامة، على واشنطن أن تقر بهذه التعيينات وترحّب بها بهدوء. لكن وراء الكواليس، يمكن للمسؤولين الأمريكيين والشركاء الدوليين الآخرين الإحتفال بها بثقة كإشارة إلى أن فريق الكاظمي يسير على المسار الصحيح وعلى استعداد لخوض (بعض) المجازفات الكبيرة.

بالإضافة إلى ذلك، على واشنطن أن تسعى بشكل عاجل إلى تنمية دعم عراقي صريح للتعيينات من خلال إشراك أهم السياسيين والفصائل بهدوء – وفي المقام الأول رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، الذي غالباً ما يميل في مثل هذه اللحظات نحو الكتلة المدعومة من إيران ويمكن أن يوجّه المجلس التشريعي نحو الموافقة على المسؤولين الجدد. على واشنطن أيضاً إشراك الأحزاب الكردية، وائتلاف “عراقيون” بزعامة عمار الحكيم، وشخصيات بارزة مثل إياد علاوي وحيدر العبادي. وفي غياب التشجيع الأمريكي، قد تميل هذه الجهات الفاعلة إلى انتقاد عملية إعادة توزيع المناصب لتحقيق مصالحها الخاصة الضيقة، لا سيّما إذا شكّت بأنّ بعض التعيينات التكنوقراطية تخدم أجندات حزبية خفيّة. ففي الأشهر الأربعة الماضية، اتّهمت كافة الأطراف تقريباً الفصائل الأخرى بتوجيه مثل هذه التعيينات سرّاً، رغم اتّباع الكاظمي الخيارات الأقل تسييساً المتوافرة أمامه لاختيار العديد من التكنوقراطيين.

ومهما كانت الاتهامات الجديدة التي قد تبرز، لا ينبغي على الولايات المتحدة الانجرار إلى التفاصيل الدقيقة للاقتتال الداخلي العراقي. وبدلاً من ذلك، عليها أن تساند بحزمٍ التعيينات التكنوقراطية التي قام بها الكاظمي، وأن ترحّب بها كخطوة مهمة إلى الأمام. ولا شكّ في أنّ “ائتلاف الفتح” والعناصر الأخرى الخاضعة للتأثير الإيراني ستسرّع من جهودها لإسقاط الحكومة الحاليّة، لذلك يجب على واشنطن أن تشير بوضوح إلى الحلبوسي والقادة الأكراد والسياسيين المعتدلين بأن عليهم ألّا يعززوا هذه الحملة المثيرة للانقسام.

* مايكل نايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن، وقد أجرى أبحاثاً مكثفة على أرض الواقع في العراق إلى جانب قوات الأمن والوزارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.