ترجمات أجنبية

معهد واشنطن: عمليات الاستيلاء الإيرانية تثير تساؤلات حول العمليات البحرية بالمركبات غير المأهولة

معهد واشنطن 7-9-2022، بواسطة فرزين نديمي

تحليل موجز
قد تنتظر السفن الأمريكية المزيد من المتاعب ما لم يعمل المسؤولون بحزم لحمايتها ووضع مبادئ توجيهية فعالة لتشغيلها السليم والآمن.

في وقت متأخر من ليل 29 و 30 آب/أغسطس، أفادت بعض التقارير أن “البحرية الأمريكية” أحبطت محاولة قامت بها “القوات البحرية لـ «فيلق الحرس الثوري الإسلامي»” الإيراني لاختطاف وجرّ مركبة بحرية ذاتية القيادة من طراز “سايلدرون إكسبلورير” تعود لـ “قوة المهام 59” التابعة لـ “البحرية الأمريكية”. ووقعت هذه الحادثة في وسط الخليج العربي، في منطقة ربما ليست بعيدة عن “جزيرة فارس”، التي تعتبر منذ زمن نقطة ساخنة لـ “القوات البحرية لـ «فيلق الحرس الثوري»”الإيراني. وبعد ثلاثة أيام، احتجزت فرقاطة “جماران” التابعة لـ “البحرية الإيرانية”، وهي جزء من فرقة مهام “لمكافحة الإرهاب” في البحر الأحمر، طائرتين مشابهتين من طراز “سايلدرون إكسبلورير” لمدة ثماني عشرة ساعة، وهو ما نفته إيران في البداية، قبل أن تتدخل السفن الحربية الأمريكية وتتفاوض على إفراجهما. واتهمت إيران “البحرية الأمريكية” بتعريض الشحن الدولي للخطر من خلال تنفيذ عمليات غير آمنة بواسطة المركبات البحرية ذاتية القيادة. وفي الوقت نفسه، تبيَّن أن المركبات ذاتية القيادة التي أُفرج عنها كانت تفتقد كاميراتها ذات الأبعاد الكاملة ومعدات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، مما قد يشير إلى أن البحارة الإيرانيين أو غيرهم قد جرّدوها من هذه الأجهزة، وبالتالي أصبحت هذه المركبات المسيرة غير صالحة للعمل تقريباً.

وفي حين وصفت “القيادة المركزية الأمريكية” الإجراءات الإيرانية بأنها “غير قانونية” و”غير مهنية”، إلّا أن إيران قلّلت من أهمية الحوادث ونفت الانخراط في عمليات شائنة ومخالفة للأنظمة، مدّعية أن المسيّرة الأمريكية السابقة كانت بحاجة إلى الجر لأنها “انجرفت” إلى ممر شحن مزدحم، وانقطعت “روابط الملاحة” الخاصة بها مع المشغلين. وزعمت إيران أيضاً أنها لم توافق على إطلاق سراح المركبة البحرية ذاتية القيادة إلا بعد إطْلاع طاقم زورق الدورية الأمريكي على “إجراءات السلامة المناسبة”.

وفي 4 أيلول/سبتمبر – وفي إشارة إلى المواجهة الثانية – أدان اللواء عبد الرحيم موسوي، القائد العام للجيش الإيراني (“أرتيش”) “الممارسة غير الآمنة لـ “البحرية الأمريكية” باستخدامها السفن غير المأهولة في طرق الشحن المزدحمة” لكنه نفى أيضاً أي مصلحة إيرانية في مصادرة مثل هذه المركبات بشكل دائم. وفي اليوم نفسه، حذّر اللواء محمد باقري، الذي يرأس “هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة” الإيرانية، من أنه تم الإيعاز إلى السفن البحرية الإيرانية بعدم “التسامح” مع المركبات السطحية الأجنبية غير المأهولة التي تعترض طريقها. وعلى نحو أوسع، أوضحت إيران أنها لن تتسامح مع توسع “عمليات التجسس” المُهدِّدة بواسطة المركبات غير المأهولة في المنطقة.

إلّا أن الادعاء الإيراني بانقطاع الاتصال بين مركبة “سايلدرون إكسبلورير” “التي انحرفت عن مسارها” ومشغليها أمر بعيد الاحتمال نظراً لأن المركبات البحرية ذاتية القيادة من هذا الطراز مصممة للملاحة الذاتية في عمق البحار مع قدرة تحمل عالية. ففي عام 2019، أكملت مركبة من طراز “سايلدرون” بنجاح رحلة من 22 ألف كيلومتر حول “القارة القطبية الجنوبية” في 196 يوماً وسط بحار هائجة ودرجات حرارة متجمدة وأمواج بلغ ارتفاعها خمسين قدماً بالرغم من اصطدامها بجبل جليدي. علاوة على ذلك، ترتبط بيانات “سايلدرون إكسبلورير” بمقر الشركة في ألاميدا بولاية كاليفورنيا، وبمقر “الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية” في البحرين، لكنها عادة ما تتنقل بشكل مستقل بسرعات بطيئة. ومما أثار المزيد من الشكوك فيما يتعلق بعملية الاستيلاء الأولى هو أن السفينة الإيرانية المتورطة في الحادثة – “شهيد بازيار” – ليست سفينة دعم وإمداد نموذجية بل بالأحرى سفينة تجسس سمّيت تيمّناً بالشخصية الرائدة في المخابرات العسكرية لـ “القوات البحرية لـ «فيلق الحرس الثوري»” الإيراني، كاظم بازيار، الذي شارك في استهداف الشحن الدولي خلال “حرب الناقلات” التي تخللها الصراع مع العراق، والذي لقي مصرعه في “جزيرة فارس” عام 1987 بعد اشتباك مع طوافات “العمليات الخاصة الأمريكية”.

الوعي في المجال البحري
توضّح الحوادث الأخيرة السبب الذي يدعو “القيادة المركزية للقوات البحرية” الأمريكية إلى الحفاظ على الوعي الكامل بالمجال البحري من خلال “قوة المهام 59” وموارد أخرى. وإلى جانب التصدي لتحركات إيران السرية الرامية إلى تحقيق أهدافها بمنع الوصول/والحرمان من دخول مناطق معينة، بإمكان الأجهزة غير المأهولة ذات قدرة التحمل العالية أن تسهم في تعطيل الأنشطة غير المشروعة التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية وغيرها من الجهات، مثل تجارة المخدرات والاتجار بالبشر. على سبيل المثال، في 30 آب/أغسطس، اعترضت وحدات بحرية من “قوة المهام المشتركة 150” – وهي واحدة من أربع قوات مهام تابعة لـ “القوات البحرية المشتركة” متعددة الجنسيات – حوالي ثلاثة أطنان من المخدرات في مركب صيد في خليج عُمان.

ويعود أحد أسباب زيادة الاهتمام بالمركبات البحرية ذاتية القيادة في الشرق الأوسط إلى امتداد المنطقة الخاضعة لمسؤولية “القيادة المركزية للقوات البحرية” الأمريكية على مساحة شاسعة – 6.5 مليون كيلومتر مربع، تشمل خطاً ساحلياً يمتد على طول 8 آلاف كيلومتر بالإضافة إلى مضيق هرمز الاستراتيجي، ومضيق باب المندب، وقناة السويس – وإلى نقل الأصول الأمريكية إلى أماكن أخرى. ومن الأسباب الأخرى الحرارة الشديدة في المنطقة، التي يمكن أن تناهز 115 درجة فهرنهايت، مصحوبة برطوبة عالية – مما يجعل الدوريات غير المأهولة مستحبّة أكثر من سواها.

ومنذ عام 2021، نجحت “عملية الحارس”، في إطار “التحالف الدولي لأمن وحماية حرية الملاحة البحرية”، وشركاء إقليميون آخرون للولايات المتحدة، في اختبار مثل هذه المركبات غير المأهولة. وتعتزم “البحرية الأمريكية” نشر ما يصل إلى مائة قارب مسيّر إلى منطقة عمليات “القيادة المركزية للقوات البحرية” الأمريكية بحلول صيف 2023 في إطار مبادرة “المحيط الرقمي” التي تتضمن أجهزة استشعار وطائرات مسيرة وأقمار صناعية مترابطة. لكن هذه الطفرة الكبيرة ستزيد بلا شك من المواجهات البحرية المتوترة مع إيران، التي تسعى إلى فرض هيمنتها البحرية في المنطقة بحكم الأمر الواقع.

لقد شاع استخدام مركبة “سايلدرون إكسبلورير” التي تعمل بالطاقة الشمسية والرياح على نطاق واسع لعدة أسباب، أحدها قدرتها على الإبحار بشكل مستقل لمدة تصل إلى 365 يوماً، دون العودة إلى الميناء للصيانة أو التزود بالوقود، وقدرتها على مراقبة المناطق المحيطة بها بحثاً عن الأنشطة المشبوهة باستخدام كاميرا عالية الدقة تدور 360 درجة، ونظام تعريف آلي، وأجهزة استشعار صوتية وغيرها. وتتم معالجة البيانات في الوقت الفعلي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي التي تقصّر بشكل كبير الوقت المستغرق بين كشف التهديد واتخاذ القرار بشأنه. ووفقاً لـ “القيادة المركزية للقوات البحرية” الأمريكية، فإن جميع التقنيات المستخدمة في “سايلدرون إكسبلورير” متوفرة من مصادر تجارية وبالتالي لا تعتبر حساسة.

المنطقة الرمادية القانونية
تبيّن التطورات أعلاه ضرورة وضع أطر قانونية واضحة ترعى الاستخدام الآمن للمركبات البحرية ذاتية القيادة. وفي العقد الماضي، تقدمت التقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بسرعة وعززت قدرات المراقبة، لكن نطاقها لا يزال محدوداً، وينبغي توضيح مدى الانخراط البشري الضروري فيها. ومن المثير للاهتمام أنه في الحالات الأخيرة، طالبت “البحرية الأمريكية” بالإفراج الفوري عن المركبة البحرية ذاتية القيادة المختطفة، وصنّفتها “سفينة أمريكية” سيادية (وليست “جهازاً”) تمارس حرية الملاحة بموجب القانون الدولي. وفي حين أن عمليات المركبات البحرية ذاتية القيادة تنطوي بطبيعتها على مخاطر أقل لأنها لا تحمل حمولة بشرية، فقد بدأ النقاش حول ما إذا كان ينبغي تصنيفها في خانة السفن الحربية ومنحها الحصانة القانونية المرتبطة بهذا التصنيف، ومتى يجب تصنيفها كذلك ومنحها الحصانات، حتى لو كان ذلك يهدد الأرواح في ظل قرار بحمايتها بقوة أكبر. وتستدعي هذه الأسئلة قواعد اشتباك واضحة في حال رفض أحد الأطراف التخلي عن غنيمته، أو التسبب في إلحاق الضرر بها، أو حظر عمليات المركبات البحرية ذاتية القيادة كلياً بالقرب من مياهه الإقليمية، أو منعها من ممارسة سلطتها على الأبحاث العلمية البحرية أو الأنشطة العسكرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة.

وقد ترى إيران سابقةً في الحادثة التي وقعت عام 2016 حين احتجزت الصين مركبة بحرية أمريكية ذاتية القيادة تحت الماء في المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، مدعية أن هدفها هو حماية سلامة الملاحة وطواقم السفن العابرة. وبالفعل، في حادثة 29 آب/أغسطس، جادلت إيران بأن نشر المركبات البحرية ذاتية القيادة يتجاهل شروط الملاحة الآمنة، مبررة بالتالي استيلاءها على المركبة. وقد تجادل إيران أيضاً بأن العمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة وقوات التحالف بواسطة المركبات البحرية ذاتية القيادة تهدّد سلام إيران أو نظامها أو أمنها كدولة ساحلية في الخليج العربي وخليج عمان بموجب “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”. ومن الممكن أن توقف أيضاً أي مركبة بحرية ذاتية القيادة في المستقبل بحجة أن مرور المركبات البحرية المسيرة ليس “مستمراً أو سريعاً” وفقاً لأنظمة العبور أو المرور البريء، وفي ذلك إشارة إلى “الفشل الملاحي” للمركبة البحرية ذاتية القيادة في الحالتين الأخيرتين.

علاوة على ذلك، وبسبب الطابع الآلي للسفن غير المأهولة، قد تفسّر الدول الساحلية “الطريقة العادية” لتشغيل المركبات البحرية ذاتية القيادة على أنها تتداخل إلى حدٍّ كبير مع عملياتها العسكرية – وربما العدائية. [لذلك]، يجب على الولايات المتحدة أن تحتفظ بالحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي للمنصات الإيرانية غير المأهولة التي تزداد عدداً والتي سيقودها الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف، إذا بقي النظام الإيراني مصرَّاً على تنفيذ عملياته التخريبية وحظر عمليات المركبات البحرية ذاتية القيادة التابعة لـ “قوة المهام 59” في وقت السلم.

الخاتمة
في مجال عمل “القيادة المركزية الأمريكية”، تُعتبر العمليات غير المأهولة التوجه المستقبلي، لا سيما في ظل تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة. وبالمثل، يمكن أن تكون الأصول غير المأهولة بمثابة عوامل ردع مهمة، بحيث تزيد الوعي البحري الأمريكي وتحرم خصوم الولايات المتحدة من إمكانية الاحتماء وراء الإنكار المعقول. وفي ظل الاحتمالات الواردة بأن تتجرأ إيران بالقيام بالمزيد من التحديات الواضحة في هذا المجال، كما تبيّن من الحوادث الأخيرة، يجب على قادة الولايات المتحدة الآن معرفة كيفية حماية الأصول غير المأهولة بشكل فعال، سواء كانت مزودة بمعدات حساسة أم لا. كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تقرر بصورة نهائية الرسالة المناسبة التي تود توجيهها لردع محاولات عرقلة عمليات المركبات البحرية ذاتية القيادة والرد عليها، وإلا سيكون هذا المفهوم التشغيلي الواعد بشكل خاص، ومصداقية الولايات المتحدة بشكل عام، في خطر.

فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى