معهد واشنطن - ديفيد بولوك - استطلاع في لبنان يُظهر تراجعًا في دعم "حزب الله"، حتى في أوساط الشيعة؛ الأكثرية تدعم محادثات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل . - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معهد واشنطن – ديفيد بولوك – استطلاع في لبنان يُظهر تراجعًا في دعم “حزب الله”، حتى في أوساط الشيعة؛ الأكثرية تدعم محادثات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل .

0 81

معهد واشنطن –  ديفيد بولوك *- 1/12/2020

يقدّم استطلاع موثوق للرأي العام أُجري في لبنان وأُنجز قبل ثلاثة أسابيع فقط، الدليل القاطع الأول على أن الدعم الشعبي لـ “حزب الله” قد تراجع بشكل ملحوظ، حتى في أوساط الشيعة الذين يشكلون ثلث عدد السكان. وربما يساعد هذا الانحدار على شرح تصريح السيّد حسن نصر الله الجديد المفاجئ بأنه يتعين على إيران، وليس الحزب، الانتقام لمقتل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده.  

لقد أصبح منحى الدعم المتضائل واضحًا وجليًا الآن. فنسبة السكان الشيعة الذين يعبرون عن رأي “إيجابي للغاية” تجاه “حزب الله”، ورغم أنها لا تزال تشكّل أغلبية، تراجعت بشكل طفيف ولكن مطرد خلال السنوات الثلاث الماضية. وقد أصبحت اليوم أقلّ بنحو 20 نقطة عما كانت عليه أواخر 2017.

ويعكس هذا المنحى بشكل شبه أكيد تنامي الغضب من دور الحزب في الفساد والترهيب والأزمة الاقتصادية الحادة التي تنهش البلاد، والذي تغذيه مسؤولية الحزب المتصورة عن الانفجار المدمّر الذي هزّ مرفأ بيروت في آب/أغسطس الماضي. والجدير ذكره أن 79 في المائة من الشيعة يؤيدون “الاحتجاجات المناهضة للفساد التي عمّت الشوارع”. مع ذلك، تستمر الأغلبية (66 في المائة) في التعبير عن رأي إيجابي للغاية إزاء “حزب الله”. كما أن نسبة 23 في المائة إضافية تعرب عن وجهة نظر “إيجابية بعض الشيء” تجاهه.  

في الوقت نفسه، هوت شعبية الحزب بشكل أكبر في أوساط الطائفتين المسيحية والسنّية في لبنان. فنسبة 16 في المائة فقط من المسيحيين و8 في المائة من السنّة تعبّر الآن عن رأي “إيجابي بعض الشيء” إزاء “حزب الله”. ويبدو أن هذا الشعور هو نفسه في أوساط الأقلية الدرزية الصغيرة ولكن المؤثرة بشكل غير متكافئ في البلاد، حيث تدعم نسبة 14 في المائة فقط منها “حزب الله” في الوقت الراهن؛ إلا أن هذه العينة الفرعية ضئيلة للغاية، نسبةً إلى حجمها من إجمالي عدد السكان، للحصول على استنتاجات إحصائية حازمة.

 

مفاوضات الحدود البحرية مع إسرائيل تحظى بموافقة كبيرة على عكس التطبيع الكامل

يستقطب انطلاق المحادثات في الآونة الأخيرة بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود في البحر المتوسط تأييدًا شعبيًا عمومًا، وبخاصةٍ من السنّة والمسيحيين في لبنان – وكذلك وبعكس التوقعات، من العديد من الشيعة. فثلثا السنّة (70 في المائة) والمسيحيين (67 في المائة) يعتبرون أن هذه المحادثات بمثابة “تطور إيجابي”؛ في حين تحظى بموافقة نصف الشيعة (51 في المائة)، بينما أبدى 19٪ فقط من اللبنانيين عدم موافقتهم “إطلاقًا”. وربما ينبع ردّ الفعل المؤيد هذا على نحو ملحوظ من التوقعات، ورغم كونها سابقة لأوانها، بأن الأرباح الناتجة عن الغاز الطبيعي البحري ستخفف من الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها لبنان.  

غير أنه في تناقض صارخ، فإن الآراء اللبنانية بشأن اتفاقيّ السلام الكامل الجديدين بين إسرائيل والإمارات والبحرين سلبية عمومًا. فينظر ثلثا المسيحيين وثلاثة أرباع السنّة والشيعة على السواء إليهما نظرةً سلبية “بعض الشيء” على الأقل. وما يثير الاهتمام هو أنه في هذا البلد العربي وحده من بين ستة بلدان مستطلعة، لا يسمح مجري الاستطلاع لنفسه حتى بطرح سؤال تابع للسؤال الأول بشأن ما إذا كان “يجب أن يُسمح للذين يرغبون في إقامة روابط شخصية أو عملية مع إسرائيليين بالقيام بذلك”.

استقطاب طائفي بشأن الروابط مع إيران أو تركيا – لكن فرنسا تحشد دعمًا شعبيًا كبيرًا

إن الشعب اللبناني منقسم طائفيًا بشكل كبير في ما يتعلق بالعلاقات مع قوى إقليمية بارزة على غرار إيران أو تركيا. فكل الشيعة تقريبًا (94 في المائة) يرون أنه من المهم إقامة علاقات جيدة مع إيران ذات القيادة الشيعية. في المقابل لا يوافقهم الرأي سوى ثلث المسيحيين فقط و17 في المائة ليس أكثر من السنّة.  

ويمتد هذا الاستقطاب ليشمل مسائل خاصة مرتبطة بدور إيران في المنطقة. ففي أوساط شيعة لبنان، تعتبر نسبة 85 في المائة الكبيرة أن إنهاء الحظر على الأسلحة الذي كانت تفرضه الأمم المتحدة على إيران الشهر الفائت بمثابة تطور إيجابي؛ وفي تناقض صارخ، 27 في المائة فقط من السنّة و21 في المائة من المسيحيين يتبنون هذا الرأي. والأمر سيان بالنسبة للحوثيين الذين يُعتبرون عميل إيران في الحرب الأهلية الدائرة في اليمن: نسبة 79 في المائة من شيعة لبنان تؤيد هذه الجماعة البعيدة؛ في حين توافقهم الرأي نسبة 18 في المائة فقط من المسيحيين و9 في المائة من السنّة.

أما بالنسبة لتركيا، وهي بلد ذات أغلبية سنّية، فالصورة معكوسة تقريبًا: 65 في المائة من سنّة لبنان يعتبرون أن العلاقات الجيدة مع أنقرة مهمة مقابل 27 في المائة من المسيحيين و7 في المائة فقط من الشيعة الذين يتشاطرون وجهة النظر هذه. وكما هي الحال في أجزاء أخرى من المنطقة، أصبحت تركيا مؤخرًا ناشطة على نحو متزايد في لبنان – ولا سيما في الشمال، وهو الجزء ذو الأغلبية السنّية في البلاد، وكذلك في العاصمة بيروت المختلطة بشكل كبير.

 

إلا أن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي تحظى بتوافق طائفي عليها في لبنان. فنسبة 94 في المائة من السنّة و87 في المائة من المسيحيين و69 في المائة من الشيعة (وهي نسبة غير متوقعة بتاتًا) تعتقد أن العلاقات الجيدة مع فرنسا تكتسي أهمية. وشاطرهم الرأي كافة المستطلعين تقريبًا (90 في المائة) من الأقلية الدرزية الصغيرة في لبنان. وهذا الأمر يعكس من دون شك الروابط التاريخية والثقافية إلى جانب المحادثات الدبلوماسية التي جرت في الآونة الأخيرة حول حزمة مساعدة اقتصادية كبيرة مقدمة من فرنسا.

آراء متباينة بشأن ترامب والروابط مع الولايات المتحدة، وسط احتلال المسائل الاقتصادية الأولوية الآن

في المقابل، أتت النسب بشأن الولايات المتحدة أكثر انخفاضًا على نحو ملحوظ، وبخاصةٍ في أوساط الشيعة. فنسبة 7 في المائة فقط من هذه المجموعة ترى أن العلاقات اللبنانية-الأمريكية الجيدة مهمة. والمفاجئ أيضًا أن هذه النسبة لا تتعدى 38 في المائة في أوساط المسيحيين في لبنان. أما النسبة الأعلى اليوم ضمن هذه الفئة فيسجلها السنّة، حيث النصف تقريبًا (46 في المائة) يعتبرون أنه من المهم الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

هذا ويستقطب الرئيس ترامب بدوره الجمهور اللبناني، ولو بدرجة متفاوتة بعض الشيء. فالأغلبية الواضحة من المسيحيين، 70 في المائة، قالت “إنه سيكون من الأفضل لبلدنا أن تتمّ إعادة انتخاب ترامب كرئيس للولايات المتحدة”. لكن أغلبية أصغر بكثير، (57 في المائة) من السنّة – ونسبة 16 في المائة فقط من الشيعة – توافقهم الرأي. وأصبح هذا السؤال حاليًا نظريًا بحتًا؛ لذا سيقيس استطلاع مستقبلي طريقة استجابة كل طائفة لتولي جو بايدن الرئاسة وسياساته المعتمدة.    

وعمومًا، وفي ما يخص سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ثمة إجماع أكبر بكثير في أوساط هذه الجماعات الثلاث اليوم. فالأكثرية الشاملة (43 في المائة) تختار “توفير المزيد من المساعدات الاقتصادية والاستثمارات” باعتباره أبرز المقترحات على واشنطن. ويأتي في المركز الثاني (34 في المائة) “الدفع نحو إيجاد حل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”. أما المسائل الأخرى، على غرار إيران أو اليمن أو ليبيا، فتحتل مراتب متأخرة للغاية.    

اختلافات طفيفة في مواقف الأجيال

على نحو مفاجئ، تُظهر نتائج هذا الاستطلاع اختلافات محدودة للغاية فقط، إن وجدت، بين المواطنين اللبنانيين سواء الذين هم دون 30 سنة أو ما فوق. على سبيل المثال، ومن أصل إجمالي السكان، فإن نسبة الذين يعربون عن رأي إيجابي للغاية بشأن “حزب الله” من الفئتين العمريتين هي نفسها تمامًا: 35 في المائة.  

مع ذلك، وفي ما يخص عددًا قليلًا من المواضيع المحددة، فإن الشريحة التي هي دون 30 عامًا أكثر اعتدالًا نوعًا ما كما هو متوقّع، أو هي أقلّ تشددًا على الأقل. وفي حين أن 78 في المائة من الأكبر سنًا لا يؤيدون تطبيع الإمارات/البحرين مع إسرائيل، تنخفض هذه النسبة بشكل طفيف إلى 67 في المائة في أوساط الجيل الأصغر سنًا في لبنان. وعلى نحو مماثل، ترى نسبة 41 في المائة من الجيل الأصغر سنًا أن العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة مهمة بالمقارنة مع نسبة 25 في المائة فقط في أوساط الذين يتخطون الثلاثين من العمر.  

ملاحظة منهجية

استُخلصت هذه النتائج من استطلاع أجرته بين 17 تشرين الأول/أكتوبر و9 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 شركة أبحاث تجارية موثوقة ومستقلة وغير سياسية تمامًا في المنطقة مع عينة تمثيلية وطنية شملت ألف مواطن لبناني. وبخلاف معظم الاستطلاعات الأخرى، ينطوي هذا الاستطلاع على مقابلات أجريت وجهًا لوجه مع عيّنة عشوائية حقًا (أرجحية جغرافية) من إجمالي السكان، ما أسفر عن نتائج موثوقة تتماشى كليًا مع أعلى المعايير المهنية الدولية.

ويوازي هامش الخطأ الإحصائي لمثل هذه العينة نحو 3 في المائة؛ في حين يناهز للعينات الفرعية الرئيسية الطائفية الثلاث، حيث تشكّل كل عيّنة نحو الثلث من المجموع العام، 4.5 في المائة تقريبًا. يمكن توفير التفاصيل المنهجية الشاملة، بما فيها إجراءات أخذ العينات وضوابط الجودة والاستبيان الكامل وغيرها من المعلومات ذات الصلة، عند الطلب.

*منتدى فكرة هو مبادرة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. والآراء التي يطرحها مساهمي المنتدى لا يقرها المعهد بالضرورة، ولا موظفيه ولا مجلس أدارته، ولا مجلس مستشاريه، وإنما تعبر فقط عن رأى أصاحبها .

*ديفيد بولوك زميل أقدم في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.