معهد واشنطن - الحكومة الإسرائيلية المقترحة لتقاسم السلطة : التداعيات السياسية واحتمالات الصمود - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معهد واشنطن – الحكومة الإسرائيلية المقترحة لتقاسم السلطة : التداعيات السياسية واحتمالات الصمود

0 74

معهد واشنطن –  بقلم  ديفيد ماكوفسكي * – 3/6/2021

تحليل موجز

حتى لو أدى الائتلاف الحكومي الجديد في إسرائيل اليمين الدستورية، فإن علامة الاستفهام الكبيرة التي تطل على هذا المسار الوسطي البراغماتي هي ما إذا كانت التطورات على الساحة الفلسطينية أو المعارضة السياسية العنيدة لنتنياهو ستؤدي إلى خلافات داخلية لا يمكن التوفيق بينها.

قبل دقائق من الموعد النهائي المحدد عند منتصف ليل 2 حزيران/يونيو، أبلغ زعيم الوسط الإسرائيلي يائير لبيد الرئيس رؤوفين ريفلين أنه نجح في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، مما قد يُبشّر بنهاية حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي دام 12 عاماً. وسوف يرأس الحكومة الجديدة على مدى عامين السياسي اليميني نفتالي بينيت كرئيس للوزراء، يليه لبيد في دورة المناوبة الثانية.

وما يحافظ على تماسك هذا الإئتلاف الهجين وغير المسبوق بين أحزاب اليمين والوسط واليسار هو التعهد بتجنب المزيد من الانتخابات وإنهاء حكم نتنياهو، ويوحّده الاعتقاد بأن المحاكمة الجارية لرئيس الوزراء بشأن الفساد قد قوّضت التزامه بالحفاظ على استقلالية النظام القانوني. إلّا أن هذه الحكومة المقترحة لا تحظى سوى بأغلبية ضئيلة في الكنيست تبلغ 61 مقعداً من أصل 120، ومن بين أعضائها:

ثلاثة أحزاب يمينية لها 19 مقعداً: حزب “يمينا” برئاسة بينيت (6 مقاعد بعد انشقاق واحد على الأقل)، وحزب “الأمل الجديد” برئاسة جدعون ساعر (6 مقاعد)، وحزب “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان (7 مقاعد)

حزبان وسطيان لهما 25 مقعداً: “يش عتيد” برئاسة لبيد (17 مقعداً) وحزب “أزرق وأبيض” برئاسة بيني غانتس (8 مقاعد)

حزبان يساريان لهما 13 مقعداً: “العمل” (7 مقاعد) و”ميرتس” (6 مقاعد).

“القائمة العربية الموحدة” مع أربعة مقاعد

ولن يتولى زعيم “القائمة العربية الموحدة”، منصور عباس، منصباً وزارياً في الحكومة، لكن قد يتم تعيين نائب وزير من الحزب في مكتب رئيس الوزراء. وإذا تم الانتهاء من تشكيل هذه الحكومة الجديدة، فستواجه معارضة مؤلفة من حزب “الليكود” – فصيل يميني متشدد – برئاسة نتنياهو، وحزبين متطرفين، بإجمالي 52 مقعداً.

ومع ذلك، فإن خطة لبيد ليست صفقة منتهية. إذ لا تزال حكومته المقترحة بحاجة إلى مصادقة الكنيست وأداء اليمين الدستورية في غضون أسبوعين، مما يمنح نتنياهو نافذة أخرى لخلق ضغط عام ضد أعضاء اليمين في “ائتلاف التغيير”. وإذا انشق أيٌّ من هؤلاء الأعضاء، فستفقد حكومة لبيد أغلبيتها وستضطر إلى الاعتماد على امتناع “القائمة المشتركة” – العربية بمعظمها – عن التصويت من أجل التغلب على أصوات حجب الثقة في الكنيست – وهو الأمر الذي يسعى بينيت وحلفاؤه الآخرون إلى تفاديه نظراً إلى مواقف القائمة المؤيدة بشدة للفلسطينيين.

هل بينيت هو المُوحّد؟

يُعتبر بينيت خياراً بعيد الاحتمال لمنصب رئيس الوزراء – حيث لم يسبق لأي إسرائيلي شَغْل هذا المنصب بينما كان يترأس فصيلاً يضم عدد قليل من المقاعد البرلمانية. وغالباً ما انطوت حياته السياسية على مهاجمة نتنياهو من اليمين، لكنه الآن يشارك في رئاسة إئتلاف يحاول الالتفاف على نتنياهو من الجانب المعتدل. وقد أكسبه هذا الموقف غضباً عميقاً في أوساط اليمين المتشدد، والتي شملت تهديدات بالقتل التي أجبرت السلطات على تعزيز أمنه.

كما أن بينيت الذي هو في التاسعة والأربعين من عمره يمثل انتقالاً من جيل نتنياهو البالغ من العمر 71 عاماً، على الرغم من خدمته في نفس وحدة المغاوير العسكرية الخاصة التي خدم فيها زعيم “الليكود” وتحدثه نفس اللغة الإنجليزية الاصطلاحية (انتقل والدا بينيت إلى إسرائيل من منطقة سان فرانسيسكو عندما كان صغيراً). ثمة فارق رئيسي آخر يتمثل في نطاق مسيرته المهنية – فهو مليونير ترأس شركتين ناشئتين في مجال التقنية المتقدمة. ومع ذلك، بدأ حياته السياسية في المعارضة بقيادة نتنياهو، الذي عيّنه رئيساً لموظفي مكتبه في عام 2006. وبعد فترة قضاها في رئاسة حركة الاستيطان – لا سيما أثناء إقامته في إحدى ضواحي تل أبيب – أسس بينيت حزبه اليميني الخاص. إلّا أن نتنياهو لم يعامل مساعده السابق بلطف، وظل الاثنان متنافسين منذ ذلك الحين.

واليوم يسعى نتنياهو إلى إضعاف بينيت علناً بسبب تولّيه رئاسة حكومة “يسارية” من المفترض أنها ستفشل في حماية المصالح القومية لإسرائيل. وجاء رد بينيت شبيهاً بشيءٍ قد يقوله بايدن – فقد رفض بشدة اتهام نتنياهو لافتاً إلى أن الأحزاب اليسارية تشكل أقلية في الائتلاف الجديد، ثم واصل حث الإسرائيليين على “التعافي” من هذه الفترة من الاستقطاب الشديد.

أدوار عباس ولبيد

الشخصية المركزية التي نجحت في جمع “ائتلاف التغيير” معاً هي لبيد، وهو كاتب صحفي سابق ومقدم برنامج حواري يبلغ من العمر 57 عاماً. فبعد أن أدرك أن بينيت سيحافظ [في يده] على ميزان القوى بعد الانتخابات، تنازل عن أول تناوب كرئيس للوزراء. وقد عمل الرجلان معاً في الحكومة سابقاً ولديهما انسجام ممتاز، لكن الإئتلاف الجديد لن ينجح إلا إذا بقيت ثقتهما المتبادلة راسخة.

أما بالنسبة لعباس، فستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يوقّع فيها حزبٌ عربي اتفاق ائتلاف لتشكيل حكومة جديدة (على الرغم من أن عرب إسرائيل كانوا دائماً يعلنون جهاراً عن آرائهم في الكنيست). فـ “القائمة العربية الموحدة” هي إسلامية رسمياً، لكنها انشقت عن “القائمة المشتركة” قبل انتخابات آذار/مارس، ومن المفارقات أن نتنياهو قد تودد إلى عباس للحصول على مساعدته في تشكيل ائتلاف يميني. وطوال الحملة الانتخابية وما بعدها، سعى عباس إلى تحقيق تقدم مع المجتمع الإسرائيلي الأوسع من خلال التأكيد على الحقوق الفردية للمواطنين العرب، مما يعني ضمناً أنه لن يدفع باتجاه حقوق جماعية عربية أوسع نطاقاً قد تتنافس مع جوهر الدولة اليهودية. وإجمالاً، فإن 8 من أصل 61 عضواً في الائتلاف الجديد هم من العرب، مما يوفر توبيخاً قوياً للمنتقدين الذين يصفون إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري.
نقاط الضعف المحتملة

تدرك جميع الأطراف أن الائتلاف قد لا يتمتع بالتماسك الكافي للمضي قدماً بمبادرات سياسية رئيسية حول القضايا الحساسة المسببة للخلافات، مثل مستقبل الضفة الغربية أو دور القضاء. لكن فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية الحاسمة – لا سيما الجهود المبذولة لوضع شروط فيما يخص المفاوضات النووية الإيرانية و إعادة إعمار غزة – من المرجح أن تكون هناك استمرارية أكثر في المسار القائم من انقطاع هذا المسار. كما أن آلية صنع القرار المضمّنة في ترتيب تقاسم السلطة توفّر حق النقض المتبادل بوجه أي خروج رئيسي عن السياسات المتبعة.

ومع ذلك، لا يزال من الممكن أن تتسبب الأجواء والتوقيت في حدوث تحولات أو انقسامات غير متوقعة على مستوى السياسات. على سبيل المثال، تجنب نتنياهو إلى حد كبير اتخاذ نبرة مواجهة مع إدارة بايدن بشأن المحادثات النووية الإيرانية في فيينا – على الأقل، حتى اليوم السابق لإعلان لبيد عن ائتلافه الجديد. وإذا انتهت هذه المحادثات بإعادة تنشيط «خطة العمل الشاملة المشتركة» لعام 2015، فستواجه الحكومة الجديدة اختباراً مبكراً في كيفية ردها، لا سيما إذا بدأ نتنياهو في انتقاد الاتفاق النووي من المعارضة. ومع ذلك، حتى مع بينيت رئيساً للوزراء، ثمة شك ضئيل في أن الحكومة الجديدة ستسعى إلى التأكيد على التقليد الذي تفتخر به إسرائيل من حيث علاقاتها مع كلا الحزبين في الولايات المتحدة، من خلال إعادة بناء الجسور مع الحزب الديمقراطي، والتي تدهورت بشكل كبير خلال سنوات نتنياهو وترامب. ومن المتوقع أن يعزز الرئيس القادم إسحاق هرتسوغ هذا الجهد.

وقد يحاول أعضاء الائتلاف تجنب الانقسامات من خلال تركيزهم على الشؤون المحلية التي تحظى بتأييد توافقي عميق، مثل إقرار أول ميزانية للبلاد منذ عام 2018، وإصلاح البنية التحتية، وتعزيز الإغاثة الاقتصادية بعد الوباء. لكن هل سيتمكّنون من إبقاء خلافاتهم ضمن الحدود الطبيعية، وفي الوقت نفسه صرف النظر عن القضايا الشائكة التي يفضّلها معسكر نتنياهو؟

أولئك المتشككون في إمكانية استمرار هذه الحكومة الناشئة سيستشهدون بأزمة غزة الأخيرة كمثال على حالة الطوارئ التي يمكن أن تقسم الائتلاف. وتعرض جناح بينيت لهجوم من قبل اليمين لنظره في إقامة شراكة مع “القائمة العربية الموحدة”، وهو حزب لا يدعم الضربات العسكرية ضد غزة. وبالمثل، تعرضت “القائمة العربية الموحدة” إلى انتقادات من المجتمع العربي الإسرائيلي لشراكتها مع أعضاء اليمين الذين دعموا الضربات. وبالفعل، انهارت محادثات الائتلاف خلال أيام المعارك الإحدى عشرة، ويجادل النقّاد بأنها مجرد مسألة وقت قبل أن ينهار الائتلاف على صخور صراع فلسطيني سيتعذّر التعامل معه بدهاء.

ومع ذلك، هناك أيضاً أسباب للاعتقاد بأن الحكومة المقترحة يمكن أن تكون دائمة. أولاً، وعد لبيد بمنح حقائب رئيسية – الأمن والخارجية – للمعتدلين الذين من المفترض أن يكونوا حذرين خلال أوقات الأزمات، من بينهم غانتس كوزير للدفاع وعومر بارليف من حزب “العمل” كوزير للشرطة، وهي أكثر السلطات مسؤولية عن التعامل مع النقاط الساخنة مثل الحرم الشريف/جبل الهيكل في القدس. ثانياً، طالما بقي نتنياهو زعيماً للمعارضة، فسيكون عن غير قصد بمثابة الصمغ الذي يحافظ على بقاء “ائتلاف التغيير” متحداً خوفاً من إعادة وصول نتنياهو [إلى منصب رئيس الوزراء]. ثالثاً، يعلم ثلاثة من قادة الإئتلاف – عباس، وبينيت، وساعر – أن الانزلاق إلى عالم النسيان السياسي ينتظرهم إذا فشلوا [في إرضاء جمهور ناخبيهم]. وجميعهم تصرفوا دون موافقة جزء من قاعدتهم [الانتخابية] لتشكيل هذه الحكومة، لذلك من المحتمل أن يواجهوا غضب المؤيدين السابقين إذا أصبح من الضروري إجراء جولة خامسة من الانتخابات.

وإحدى القضايا التي يمكن أن تقلب الموازين فيما يتعلق بالصمود والتحمل هي كيفية تعامل الحكومة مع “الحريديم” (اليهود المتدينين) ومقاعدهم الستة عشر في الكنيست. فلطالما كان ولاء “الحريديم” لنتنياهو محكماً، لكن هذا الولاء قد لا يستمر لفترة أطول نظراً لاعتماد المؤسسات التعليمية المتشددة لهؤلاء اليهود المتدينين إلى حد كبير على سخاء الدولة. فوزير المالية الجديد المقترح هو ليبرمان، المعادِي لـ “الحريديم” حيث يعتقد أن لليهود المتدينين قوة كبيرة. وبالتالي، قد يشعر هؤلاء بأنه من الضروري التوصل إلى اتفاق مع بينيت والانضمام إلى الحكومة فقط لتجنب التخفيضات الضخمة [من ميزانيتهم]. ومع ذلك، حتى في هذا السيناريو، لن يمتلك “الحريديم” النفوذ السياسي الذي كانوا يتمتعون به في عهد نتنياهو.

الخاتمة

إذا أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية، فستكون قد حققت أساساً أكبر إنجازاتها، وهو إزاحة نتنياهو. لذلك يجب على المراقبين في إسرائيل والخارج إبقاء توقعاتهم السياسية تحت السيطرة. فمن المرجح أن تكون العلامة المميزة للإئتلاف شبيهة إلى حد كبير بتصريح بينيت في وقت سابق من هذا الأسبوع: “لن يُطلب من أي شخص التخلي عن أيديولوجيته، ولكن سيتعين على الجميع تأجيل تحقيق بعض أحلامهم”. ومع ذلك، فإن علامة الاستفهام الكبيرة التي تطل على هذا المسار الوسطي البراغماتي هي ما إذا كانت التطورات على الساحة الفلسطينية أو المعارضة السياسية العنيدة لنتنياهو ستفرض نفسها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

* ديفيد ماكوفسكي هو زميل “زيغلر” المميز في معهد واشنطن، ومنتج برنامج البث الصوتي “نقاط القرار”، وهو المؤلف المشارك مع دينيس روس للكتاب “كن قوياً وذو شجاعة جيدة: كيف عمل قادة إسرائيل الأكثر أهمية على تحديد مصيرها”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.