معهد بروكينجز – بقلم دانيال بيمان - ما هي الخطوة التالية لإيران؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معهد بروكينجز – بقلم دانيال بيمان – ما هي الخطوة التالية لإيران؟

0 110

معهد بروكينجز * – بقلم  دانيال بيمان – 11/2020

اقتصر انتقام إيران الأولي لمقتل “قاسم سليماني”، في الوقت الحالي، على هجوم صاروخي على قاعدتين للقوات الأمريكية في العراق يوم الأربعاء.

ولم تقتل الصواريخ أحدا، لكن المرشد الإيراني الأعلى “علي خامنئي” أعلن أن إيران قد وجهت “صفعة” إلى وجه الولايات المتحدة. ويُنظر إلى تصرفات إيران وخطابها على نطاق واسع على أنه وسيلة لإنقاذ ماء وجهها محليا، مع تجنب الأعمال التي قد تؤدي إلى الانزلاق إلى دوامة عسكرية.

وأعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، من جانبه، أن إيران “تقف عاجزة”، وأشار إلى أن الولايات المتحدة ليست لديها رغبة في المزيد من التصعيد العسكري.

ودعونا نأمل أن تكون الأزمة قد انتهت بالفعل، ولكن هناك سببا وجيها للخوف من أن هذه ليست الحقيقة. ويمكن للقادة الإيرانيين أن يقضوا وقتهم في التفكير في الانتقام بشكل يمكن إنكاره ويضمن أن يكون الرد النهائي أكثر دموية ويخدم مصالحهم بشكل أفضل.

وحتى إذا كانت إيران تخطط حاليا لعدم التصعيد، فإن المزيد من الإجراءات الأمريكية في المنطقة قد تقودها إلى استهداف الولايات المتحدة مرة أخرى.

كيف ترد إيران في المرة القادمة؟

رغم أننا لا نعرف إلا القليل عن المداولات التي تجرى في طهران الآن، إلا أن للجمهورية الإسلامية سجلا طويلا في استخدام الإرهاب في مهاجمة أعدائها. وقد نفذت إيران أو دعمت أو حاولت شن هجمات على منشآت عسكرية أمريكية، في لبنان والسعودية، والسفارة الأمريكية في لبنان، والسفارة الإسرائيلية في الأرجنتين ومركز ثقافي هناك، فضلا عن عمليات ضد النقل، وغيرها من الأهداف في باريس، ومحاولة اغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، وهي عملية كان من شأنها أن تسفر عن ضحايا بين المدنيين الأمريكيين في منطقة الانفجار، وكذلك العديد من الهجمات على القوات الأمريكية في العراق، والجنود الإسرائيليين في لبنان. وقد تم ارتكاب بعض هذه الهجمات من قبل أو بالاشتراك مع وكيل إيران الأبرز “حزب الله” اللبناني.

ولا تشبه أي من هذه العمليات السابقة بالضرورة الظرف القائم اليوم، خاصة بالنظر إلى مكانة “سليماني” الهائلة، والضغط السياسي الذي أحدثه هذا الأمر للرد بقوة، لكنها تعطينا بعض الفهم للحسابات التي تدور في إيران.

وتميل العوامل التي تشكل عملية صنع القرار في إيران، فيما يتعلق بالتخطيط للهجمات، إلى أن تشمل قيمة رمزية، بدافع الانتقام لشخصية بارزة قريبة من كبار قادة إيران، ولها درجة من الخصوصية.

وكما تظهر الهجمات الصاروخية المحدودة نسبيا على القواعد الأمريكية، يتعين على طهران موازنة كل ذلك أمام خطر التصعيد.

وعلى الرغم من أن قدرة إيران على استخدام الإرهاب هائلة، إلا أنها ضعيفة عسكريا وسياسيا مقارنة بالولايات المتحدة، ويجب أن تقلق من أن عملية ما قد تجلب التدمير لمنشآتها العسكرية وبنيتها الاقتصادية وأهدافها الأخرى. وبالفعل، هدد “ترامب” بمهاجمة المواقع الحضرية الإيرانية.

وفي الوقت الحالي، يبقى الموقع الأكثر وضوحا لتلقي هجوم هو ضربة أخرى لقاعدة أمريكية أو منشأة رسمية أخرى في العراق. وهنا، يتعامل الإيرانيون على أرضهم. فقد أمضى الحرس الثوري أعواما في بناء شبكاته الواسعة وإنشاء الوكلاء في البلاد وتقويتهم ونشر أصوله الخاصة هناك.

وتشير السهولة النسبية التي تمكنت بها إيران من ضرب القاعدتين في وقت سابق من هذا الأسبوع إلى مدى انتشار إيران. وبالنظر إلى أن مقتل “سليماني” قد حدث في العراق، وأن الولايات المتحدة تستهدف أيضا الوكلاء المحليين لإيران هناك، فهناك تناظر لمثل هذا الهجوم من وجهة نظر إيران، ويكون خطر التصعيد، أقل بكثير مما كان مع أهداف أخرى.

ولقد دعمت إيران لأعوام الميليشيات التي هاجمت القوات الأمريكية في العراق، مدركةً أنه في حين أن إدارتي “بوش” ومن بعدها “أوباما” قد ترد، إلا أنها لن تفعل ذلك خارج الساحة العراقية.

وبطبيعة الحال، تدرك الولايات المتحدة خطر وقوع مثل هذا الهجوم، وتنشر الآن المزيد من القوات في العراق وكذلك في بلدان الشرق الأوسط الأخرى.

بالإضافة إلى ذلك، قد يكون العراق في طريقه لطرد القوات الأمريكية، وهو فوز كبير لإيران من الناحية الاستراتيجية، وخطوة يمكنها أن تدعي أنها حدثت بسبب الأعمال الإجرامية الأمريكية، ولأن الولايات المتحدة تخشى الرد الإيراني.

بالإضافة إلى ذلك، فلدى الولايات المتحدة قواعد ومنشآت أخرى في جميع أنحاء المنطقة. ويعني هذا توسيع نطاق القتال خارج العراق، لكن طهران قد تجد أن من الأسهل ضربها في مكان به أقل عدد من الدفاعات، كما أن إبقاء المعركة مركزة على الأهداف العسكرية يقلل من المخاوف بشأن لومها على قتل الأبرياء.

ولدى إيران وجود كبير في سوريا، وقد تكون القوات الأمريكية هناك هدفا محتملا، وكذلك قواعد وجنود الولايات المتحدة في أفغانستان والبحرين، وكلاهما قريب من طهران، وحيث تمتلك إيران شبكات قوية.

وقد يكون استعداد “ترامب” المعلن مرارا وتكرارا للانسحاب من سوريا حافزا آخر، لأن طهران قد تعتقد أن أي هجوم هناك قد يدفع الولايات المتحدة للمغادرة مرة واحدة وإلى الأبد.

ولقد أثبت “حزب الله” مرارا أنه قادر على مهاجمة أهداف أمريكية في لبنان، لكنه على أعتاب الوصول إلى أكثر الحكومات المؤيدة لـ”حزب الله” في تاريخ لبنان، برئيس وزراء اختارته الحركة. وقد يتسبب خلق أزمة في تعريض هذا الفوز للخطر.

ونظرا لأن القوات الأمريكية في المنطقة في حالة تأهب قصوى، ولأن إيران قد ترغب في إرسال رسالة أكثر وضوحا، فإن الهجمات على المنشآت الأمريكية أو الأمريكيين في جميع أنحاء العالم تبقى احتمالات قائمة أيضا.

وتمتلك طهران بالفعل “شبكة إرهابية عالمية”، وقد تأمر بعمليات ملاحقة أهداف أقل استعدادا في آسيا أو أمريكا اللاتينية أو في أي مكان بعيدا عن الشرق الأوسط.

وقد ترعى إيران أيضا الهجمات على المدنيين الأمريكيين في أوروبا أو في مناطق أخرى خارج الشرق الأوسط، كما فعلت عندما قام مهاجم انتحاري من “حزب الله” بضرب حافلة للسائحين الإسرائيليين في بلغاريا عام 2012، مما أسفر عن مقتل 5 أشخاص، ردا على الاغتيالات الإسرائيلية للعلماء النوويين الإيرانيين.

ومع ذلك، سيكون مثل هذا الهجوم تصعيدا يخاطر برد أمريكي أقوى. بالإضافة إلى ذلك، سوف تغضب الدولة المضيفة، وتخاطر إيران بذلك بأصولها هناك. وفي أوروبا، على سبيل المثال، قد يقلق قادة إيران من أن يغضب القادة الأوروبيين ويكونون أقل حماسا لتحدي الولايات المتحدة بشأن تخفيف العقوبات.

وقد تحاول إيران أيضا توسيع الحرب، مع كون (إسرائيل) بشكل خاص هدفا محتملا، بالنظر إلى شعبيتها كعدو. وانخرطت (إسرائيل) وإيران منذ زمن طويل في حرب ظل، مع العلم أن (إسرائيل) في حالة تأهب قصوى منذ مقتل “سليماني”.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لإيران الاستفادة من القوى الهائلة لـ”حزب الله” اللبناني، الذي قاتل (إسرائيل) لفترة طويلة، ويتطلع إلى استعادة بعض المصداقية التي فقدها في المنطقة جراء دعم النظام السوري ضد المعارضة السنية، إلا أن (إسرائيل) تمثل عرضا جانبيا، ولن تكون الصلة الرمزية بالهجمات الأمريكية واضحة.

وسوف ترد (إسرائيل) بشدة على “حزب الله”، ولن يكون “حزب الله” أو إيران حريصين على المخاطرة بالخسائر التي قد تترتب على ذلك.

وتعد مهاجمة المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، أو غيرها من حلفاء أمريكا في الخليج، طريقة أخرى لتوسيع نطاق الحرب، وتُظهر الضربة الصاروخية الإيرانية الأخيرة على منشآت النفط السعودية مدى خطورة هذا الخيار. وتفتقر هذه الأهداف أيضا إلى إمكانية اعتبارها انتقاما جيدا لمقتل “سليماني”، ولا تتمتع بشعبية مهاجمة (إسرائيل)، لكن من السهل نسبيا ضربها، وهي طريقة لجذب انتباه العالم، وتبقى قدرة دول الخليج على الانتقام لنفسها بمفردها محدودة.

وقد تحاول إيران أيضا اغتيال شخصية أمريكية رفيعة المستوى، مبررةً ذلك كرد فعل متناسب. وقد سعى “حزب الله”، على سبيل المثال، إلى قتل رئيس الأركان الإسرائيلي “جابي أشكنازي” انتقاما لقتل (إسرائيل) “عماد مغنية”، قائد عمليات “حزب الله” عام 2008.

وقد يكون قادة الجيش الأمريكي في المنطقة أو في مسارح أخرى مثل أوروبا أو أفريقيا مستهدفين، وكذلك المسؤولين الأمريكيين الآخرين.

وبالطبع فإن الهجمات الإلكترونية هي احتمال آخر. ولقد أثبتت إيران قدرتها على مهاجمة البنية التحتية الحيوية والأنظمة الصناعية. ومع ذلك، تفتقر مثل هذه العمليات إلى شكل الثأر الحماسي الذي قد تسعى إليه إيران، ولا تعد قدرات إيران الظاهرة، على الأقل في الوقت الحالي، بهذا التطور. وربما لا تزال الهجمات الإلكترونية المحدودة تشكل جزءا من الرد الإيراني الشامل، لكن من غير المرجح أن تكون هي كل شيء.

وبالنسبة لبعض الهجمات، قد ترغب إيران أيضا في استخدام وسائل جديدة مثل الطائرات بدون طيار. وفي عام 2013، أضافت إيران طائرة بدون طيار جديدة بحجم “ريبر” إلى ترسانتها. ورغم أن إيران ستحتاج إلى قواعد قريبة، وكذلك التغلب على أي دفاعات جوية، إلا أن الطبيعة غير العادية لمثل هذا الهجوم قد تقدم بعض المزايا. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون جذابة من حيث الرمزية كون استهداف “سليماني” جرى بطائرة بدون طيار.

وتميل طهران أيضا إلى إضفاء طابع شخصي على النزاعات. وتقول محللة الشؤون الإيرانية “سوزان مالوني” إن إيران قد تستهدف عقارا مملوكا لـ “ترامب” من أجل جعل الحرب معه شخصيا.

وبالنظر إلى الممتلكات الكثيرة لـ”ترامب” والتي تحمل اسمه، فإن هذا الاحتمال هائل للغاية. ومع ذلك، سيكون الضحايا مدنيين تماما.

وأخيرا، يمكن لإيران أن تهاجم الولايات المتحدة في أراضيها. وتاريخيا، حتى عندما كانت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة في أسوأ حالاتها، امتنعت طهران عن شن هجمات على الأراضي الأمريكية، معترفة بمخاطر التصعيد. لكن قتل “سليماني”، مع ذلك، يعد استفزازا هائلا، ولا تنطبق قواعد الماضي على الموقف الحاضر بالضرورة.

وتشير محاولة عام 2011 لاغتيال السفير السعودي أيضا إلى أن إيران قد تهاجم أهدافا داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، كانت المحاولة نفسها غير محترفة، مما يشير إلى أن أصول إيران في الولايات المتحدة محدودة، رغم أنه من الصعب إصدار هذا الحكم بأي درجة من اليقين.

وتحتاج إدارة “ترامب” إلى التفكير في كيفية استجابتها للسيناريوهات المذكورة أعلاه، وغيرها. فلقد أوضح مقتل “سليماني”، وما أعقبه، حيرة الإدارة وانقسامها وعدم استعدادها، مما أدى إلى مزيد من فقدان الثقة بين حلفاء أمريكا في منعطف حرج.

ومن الناحية المثالية، ستوضح الولايات المتحدة لإيران تكلفة المزيد من سفك الدماء، وستجعل حلفاء الولايات المتحدة يدعمون المواقف الأمريكية المعلنة. ويتطلب هذا التزاما مستداما بأمن الحلفاء، لأن ردود طهران قد تستغرق شهورا أو حتى أعواما حتى تتكشف، وقد تنطوي على ردود متبادلة تشمل العديد من البلدان.

إذا افترضت الولايات المتحدة أن الردع نجح، وتقاعست عن وضع الأساس الدبلوماسي والعسكري لخطواتها المقبلة، فقد تجد واشنطن نفسها تحت ضغط الرد دون تجهيز لضربة إيرانية أخرى، مما يعقد وضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ويمنح إيران اليد العليا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.