معهد القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي - تركيا كتحدي رئيسي لإسرائيل (وجيرانها) في القرن الحادي والعشرين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معهد القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي – تركيا كتحدي رئيسي لإسرائيل (وجيرانها) في القرن الحادي والعشرين

0 126

معهد القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي 16/9/2020

نشر معهد القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي ورقة بحثية أعدَّها البروفيسور إفرايم إنبار، رئيس المعهد، والعقيد (احتياط) عيران ليرمان، نائب رئيس المعهد، والدكتور حي إيتان كوهين ياناروكاك، الخبير في شؤون تركيا الحديثة، استعرض فيها الباحثون كيف تمثل تركيا تحديًّا رئيسًا لإسرائيل وجيرانها في القرن الحادي والعشرين وكيف تهدد تركيا، تحت قيادة أردوغان، استقرار المنطقة ومصالح إسرائيل أيضًا.

ملخص

مع نهاية الحرب الباردة اكتسبت تركيا، الدولة الكبيرة والمهمة في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، قدرًا أكبر من حرية العمل في سياستها الخارجية. وقد استفاد زعيم تركيا الطموح التوسُّعي رجب طيب أردوغان من هذا الأمر، وكذلك من الميول الانعزالية للولايات المتحدة، في تعزيز مكانة تركيا في العالم.

يسعى حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، الذي وصل إلى السلطة في عام 2002، إلى استعادة الهوية الإسلامية للبلاد (جنبًا إلى جنب مع الانتقال إلى الحكم الاستبدادي) وفي الوقت نفسه تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، مع الإشارة الصريحة إلى مجد الإمبراطورية العثمانية التليد.

وتهدف تركيا إلى الهيمنة الإقليمية وتقويض النظام السياسي القائم في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط. وتنخرط تركيا بنشاط في المجتمع العالمي للدول الإسلامية، وأنشأت وجودًا عسكريًّا في العراق وسوريا والخليج (في قطر) والصومال. وفي الآونة الأخيرة، كانت تتحدى السيادة اليونانية في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط ​​(بالمطالبة بـ«حدود» المنطقة الاقتصادية الخالصة مع ليبيا)، الأمر الذي يشكل تحديًا لخطط تصدير الغاز من إسرائيل، ومصر، وقبرص، إلى الأسواق الأوروبية. كما تسعى إلى ترسيخ نفوذها في ليبيا، ولبنان، وغزة، فضلًا عن أراضي البلقان التي خضعت يومًا ما للحكم العثماني.

وتعكس التغيرات السياسية في تركيا اتجاهاتٍ طويلة الأمد في المجتمع والسياسة الخارجية التركيين، والتي لن تختفي حتى عندما ينتهي عهد أردوغان. وعلى نحو مماثل، تعكس توترات تركيا مع إسرائيل ابتعادها عن الغرب وتضامنها المتزايد مع المواقف الشعبية المناهضة لإسرائيل في العالم الإسلامي.

باختصار تركيا تهدد استقرار المنطقة، فضلًا عن المصالح الإستراتيجية لإسرائيل في المنطقة. ومع ذلك فمن الممكن تصميم استجابة إستراتيجية غربية فعَّالة في التعامل مع تركيا، كما توضح هذه الورقة.

توصيات للسياسة الإسرائيلية

يتعين على إسرائيل أن تتصرف بحذر شديد تجاه تركيا؛ إذ لا مصلحة لها في تحويل هذا البلد القوي إلى عدو فعَّال. وينبغي لنا أن نضع في الاعتبار أن تركيا أظهرت، حتى في ظل زعامة أردوغان، درجة معينة من البراجماتية فيما يتصل بإسرائيل، إذ أنها لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية تمامًا مع إسرائيل، كما تحافظ على علاقات تجارية واسعة معها، إلى جانب حركة النقل الجوي المتبادل التي تشكل أهمية كبرى بالنسبة للتجارة السياحية التركية، بما في ذلك تأمين وصول الزائرين المسلمين إلى القدس، وخاصة المسجد الأقصى.

ولذلك يتعين على إسرائيل أن تميز بين زعيم تركيا الحالي والمجتمع التركي ككل، من أجل الحفاظ على إمكانية إقامة علاقات أفضل مع حكومة مقبلة لا تخضع لسيطرة حزب العدالة والتنمية، أو حكومة قائمة على عناصر معتدلة في الحزب. وترغب الدوائر العلمانية في المجتمع التركي (فضلًا عن أعضاء حركة جولِن) في وجود علاقات طيبة مع إسرائيل. إن تركيا ليست إيران. والواقع أن مكانتها في مجموعة العشرين وعلاقاتها بالولايات المتحدة تشكل أهمية كبيرة بالنسبة لها.

وفي القمم الأخيرة لدول منتدى غاز شرق المتوسط، وفي مؤتمرات القمة الثلاثية لقادة إسرائيل وقبرص واليونان، جرى التأكيد على أن هذه التحالفات الإقليمية الجديدة لا تسعى إلى استبعاد تركيا، إذا اختارت قياداتها التعاون. وينبغي لإسرائيل أن تواصل التأكيد على هذا الأمر.

وفي الوقت نفسه، يتعين على إسرائيل أن تحدد أدوات النفوذ التي من شأنها أن تجعل كبح جماح طموحات القيادة التركية الحالية أمرًا ممكنًا. ويتعلق هذا في المقام الأول بالمجال الاقتصادي، الذي كان مصدر قوة أردوغان وأصبح نقطة ضعفه. والهدف من هذا هو منعه من تهديد المصالح الإسرائيلية الحيوية ومصالح شركائها في الاصطفاف الإقليمي (وبخاصة استقرار مصر).

وينبغي أن يركز النشاط الدبلوماسي الإسرائيلي بشأن المسألة التركية على واشنطن، في محاولة لتسخير الولايات المتحدة (الإدارة والكونجرس) في الجهود المبذولة لكبح جماح أردوغان. وتشير تجربة السنوات الأخيرة إلى أن أردوغان، بالرغم من تعبيرات الازدراء التركية لساكن البيت الأبيض، كان حذرًا من المواجهة المباشرة مع واشنطن.

وفي هذه الأثناء يجب على إسرائيل أن تعمل مع مصر، واليونان، والإمارات العربية المتحدة لتعزيز الاصطفاف الذي يسعى لـ«احتواء» تركيا. ومن الممكن أن يحدث هذا بالتزامن مع الإجراءات التي تتخذها فرنسا الآن، والتي تشن حملة دبلوماسية بالإضافة إلى إظهار وجود عسكري في شرق البحر المتوسط ​​(في ليبيا ولبنان).

ومن الأهمية بمكان أيضًا زيادة الوعي الأوروبي بالسلوك المثير للمشاكل الذي تنتهجه تركيا. فبلدان البلقان أيضًا عانت تحت الحكم العثماني في الماضي، والآن تخشى تركيا. كذلك تُعد رومانيا وبلغاريا (وهما من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)، فضلًا عن صربيا وكوسوفو (اللتين تطرقان بابه)، من الشركاء الطبيعيين في هذا الجهد.

ولا يمكن لإسرائيل الدخول في عمل عسكري ضد تركيا (بالتأكيد إذا لم تظل احتمالية الصدام مع إيران ووكلائها في المنطقة الأولوية القصوى بالنسبة لتل أبيب). ويجب توضيح ذلك صراحةً لشركاء إسرائيل في شرق البحر المتوسط. ومن ناحية أخرى، لابد أن تُوضح إسرائيل أنها لن تتردد في استخدام القوة ضد التحركات التركية التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على مصالح إسرائيل الحيوية. ومن الجدير بالذكر أن إحباط إسرائيل لأسطول «مافي مرمرة» مَنَعَ المزيد من الأساطيل المعادية من الإبحار، وكسب احترام اليونان وقبرص ودول أخرى في مختلف أنحاء المنطقة.

ومن منظور جمع المعلومات الاستخباراتية والبحوث، وفيما يتعلق بعناصر تعزيز القوة، يتعين على المؤسسة الدفاعية ومجتمع الاستخبارات في إسرائيل التكيف مع الواقع الذي يُشكل فيه سلوك تركيا مخاطر على إسرائيل ومصالحها الحيوية. ولا بد عن دراسة الآثار المترتبة على تعزيز الأسطول البحري التركي بعناية.

وبالنظر إلى تصريحات أردوغان، يجب مراقبة التطورات في المجال النووي التركي، ومن الضروري كذلك مراقبة النشاط التركي في القدس وتحييد نفوذها بين السكان المسلمين في المدينة.

ويجدر النظر (على نحو خاص) في إمكانية أن تساعد روسيا في كبح جماح طموحات تركيا، والتي من المحتمل أن تؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى إثارة الاضطرابات بين الأقليات المسلمة الكبيرة في روسيا أيضًا. ويجب على إسرائيل أيضًا مراعاة حساسيات الجالية اليهودية في تركيا، والتي تحتاج إلى حماية الحكومة في أنقرة.

المقدمة

لا تزال تركيا، التي كانت خلال العهد العثماني القوة المهيمنة في المنطقة بأسرها وقوة عالمية من الدرجة الأولى، واحدة من أكبر وأهم بلدان الشرق الأوسط؛ إذ أن تعداد سكانها يعادل تعداد سكان إيران الذي يتجاوز 84 مليون نسمة (وهو ثاني أكبر تعداد سكاني في المنطقة بعد مصر). ويُعد اقتصادها ثاني أكبر اقتصاد بعد المملكة العربية السعودية، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي 744 مليار دولار، وهو ما يجعلها عضوًا في مجموعة العشرين.

والواقع أن موقعها الإستراتيجي في غرب آسيا، عند المشارف الجنوبية الشرقية لأوروبا، على شاطئ شرق البحر المتوسط والبحر الأسود وسيطرتها على مضيق البوسفور يمنحها أهمية إستراتيجية إضافية. كذلك تُعد قواتها العسكرية ثاني أكبر جيش في «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» بعد الولايات المتحدة.

وقد منحت نهاية الحرب الباردة تركيا قدرًا أكبر من حرية العمل في سياستها الخارجية. وقد تعزز هذا الاتجاه مع ميل الإدارة الأمريكية، خلال رئاسة كل من أوباما وترامب، إلى الحد من انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد ناسب هذا الواقع الدولي الجديد طموحات تركيا في تعزيز مكانتها العالمية.

وشهد عام 2002 صعود حزب العدالة والتنمية، الذي يعمل على استعادة الطابع الإسلامي للبلاد (إلى جانب الانتقال إلى الحكم الاستبدادي) وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، والتوق الصريح إلى استعادة المجد العثماني. وفي السنوات الأخيرة، سَعَت تركيا جاهدةً إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية وتقويض النظام السياسي القائم في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط.

وعلى الرغم من أنها ظلت عضوًا في حلف الناتو (الذي يفتقر إلى آلية لاستبعاد العضو المثير للجدال)، تنأى تركيا بنفسها تدريجيًّا عن الغرب. وفي أعقاب محاولة فاشلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي استخدمها الحزب الحاكم كذريعة لتحييد القوة السياسية للمؤسسة العسكرية، لم تلتفت تركيا إلى تحذير مؤسس تركيا العلمانية الحديثة مصطفى كمال (أتاتورك)، ضد الانخراط في الشرق الأوسط. وتحتفظ تركيا الآن بوجود عسكري في العراق وسوريا والخليج (مع قاعدة في قطر) والصومال، وتتحدى سيادة اليونان في بحر إيجة وشرق البحر المتوسط، كما تسعى إلى تعزيز نفوذها في الأراضي التي كانت في الماضي تحت الحكم العثماني (لبنان، وغزة، وليبيا، والبلقان).

إن رجب طيب أردوغان، رئيس حزب العدالة والتنمية، هو زعيم تركيا المهيمن منذ عام 2002. ويمكن وصف الحزب بأنه نسخة تركية من جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من أنه يضم أيضًا أصواتًا أكثر اعتدالًا. وتكمن مصدر قوته في المناطق الريفية التقليدية وفي النمو الاقتصادي، الذي نقل ملايين الأتراك من الأطراف الفقيرة ومدن الصفيح إلى حياة الطبقة المتوسطة. ولهذا يشعر أردوغان بالقلق إزاء الخطوات التي قد تضر بالاقتصاد التركي، الموجّّه نحو التصدير والمندمج في النظام الاقتصادي العالمي، والذي يعتمد على قطاع السياحة.

وعمل أردوغان، بحذر في البداية وبعد ذلك بحماسة أكبر، على إبعاد بلاده عن الإرث العلماني (الكمالية) الذي خلَّفه أتاتورك، والذي فرضه مؤسسو الجمهورية على تركيا في عام 1927. وتحت زعامته، لا تُخفِي تركيا الملامح الإسلامية والعثمانية الجديدة التي تجتمع في أيامنا هذه مع القومية التركية الحازمة، ويتجلى ذلك في السياسة الخارجية العدوانية وفي الأعمال الرمزية مثل تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. وينتج عن هذه القومية، التي تتجذر تدريجيًّا على خلفية التغيرات التي طرأت على السياسة الداخلية التركية (تعزيز وضع أردوغان والشراكة السياسية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية من بين أمور أخرى)، أشكالًا من التعبير المعادي للسامية والموقف المعادي لإسرائيل ورؤية «تحرير الأقصى».

ويستعرض هذا المقال الاتجاهات الجديدة في النظام السياسي والسياسة الخارجية في تركيا. والواقع أن هذه التغيرات عميقة، ومن غير المرجح أن تختفي حتى إذا انتهت حقبة أردوغان. وتُشكل هذه التطورات خطرًا على مصالح إسرائيل. ويُختَتم المقال بمقترحات حول السياسة الإسرائيلية في مواجهة التحدي التركي. ويستعرض الملحق ميزان القوى السياسية في تركيا مع التركيز على المستقبل القريب.

التغييرات الداخلية

على مدار ما يقرب من عقدين من الزمان ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، خضع النظام السياسي التركي لعملية تطهير واسعة النطاق من «الكمالية (الأيديولوجية التأسيسية للجمهورية التركية التي نفَّذها مصطفى كمال أتاتورك)»، على الرغم من أنه لا تزال هناك معاقل كمالية، ولا تزال رموز الجمهورية الكمالية موجودة تدب على الأرض. وفي غضون ذلك تركتْ سياسة الأسْلَمة بصماتها على التعليم وعلى المجال العام ككل.

وهناك سمة أخرى لهذا النظام تمثَّلت في التحوُّل إلى حكم استبدادي على نحو متزايد، مع اضطهاد المعارضين ووسائل الإعلام وحتى شبكات التواصل الاجتماعي وإسكاتهم. وعلى الرغم من أن منتقدي أردوغان المحليين والأجانب يميلون إلى تسميته بالسلطان، إلا أنه لا يزال لا تروقه الأفكار المتعلقة بالسلطنة والخلافة: لكن هناك صدًى للرمزية العامة يتعلق بأفكارٍ من الماضي العثماني.

وتجري عملية أسْلَمة تدريجية في النظام التعليمي، وقد اكتسبت هذه العملية زخمًا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وحُذِفت العقيدة المعروفة باسم الأتاتوركية (القومية التركية العلمانية) من المناهج الدراسية في عام 2012. وفي عام 2017 أُضيف مبدأ الجهاد إلى المناهج الدراسية؛ حامِلًا روح الدفاع الفكري عن الدين الإسلامي، وقُدِّم باعتباره مفهومًا يُعْنى بالأساس بتحسين الصراع الداخلي، لكن كان له معانٍ أخرى أيضًا. وازداد عدد المدارس الثانوية الدينية، المسماة بشبكة «ثانوية إمام خطيب»، بمئات النقاط المئوية في العقد الثاني من القرن. كما سيطر حزب العدالة والتنمية على مجلس التعليم العالي التركي (YÖK) ووظَّف الإسلاميين في الجامعات.

كما حدثت الأسْلَمة في مجالات أخرى. وكما لوحظ، جرى تحييد قوة الجيش، بصفته حامي الإرث الكمالي العلماني. ومع ذلك، جرى تعزيز مديرية الشؤون الدينية (ديانت) تعزيزًا كبيرًا، وفي السنوات الأخيرة، اضطهدت السلطات بوحشية الفصيل الديني المنافس الأكثر اعتدالًا التابع لفتح الله جولن. وكجزء من الجهود المبذولة للحد من تناول الكحول في الأماكن العامة، اتَّخذت الدولة إجراءاتٍ صارمة على نحو متزايد، بما في ذلك فَرْض ضرائب باهظة على بيعها والإعلان عنها.

وبالمثل أعادتْ الحكومة ترميم المتاحف (التي كانت في الماضي كنائس بيزنطية ومن ثم أصبحت مساجد في العهد العثماني) وحوَّلتها إلى مساجد. ومن أشهرها متحف آيا صوفيا، الذي احتُفِل بتحويله مرةً أخرى إلى مسجد وسط مراسم عسكرية سلَّطت الضوء على الماضي العثماني (على وجه التحديد فتح القسطنطينية/إسطنبول، عام 1453)، مع رسائل رسمية تُقدِّم المسجد الأقصى على أنه الهدف القادم لـ «التحرير».

وعلى مدار سنوات، ظل الرئيس وحزبه يشددون قبضتهم على المؤسسات الحكومية. وأضعف أردوغان (الذي شغل منصب رئيس الوزراء لأول مرة داخل نظام الحكم البرلماني) سلطات البرلمان وأحدث انتقالًا مرحليًّا إلى نظام حكم رئاسي شديد المركزية. وأُنجِز التحول الدستوري في عام 2017، وعزز مكانة أردوغان السياسية باعتباره حاكمًا قويًّا. وأصبح النظام سلطويًّا (ومُشخصنًا) أكثر فأكثر.

وازدادت القيود المفروضة على حرية الصحافة، واشترى مساعدو رئيس الوزراء – الرئيس لاحقًا – الشركات التي تمتلك الصحف ومحطات التلفزيون تحت ضغطٍ من السلطات. وخضع ضباط الجيش والشرطة وكبار المسؤولين الحكوميين لمحاكمات علنية ووُجِّهت إليهم اتهامات بالتعاون ضد الحكومة. كما سيطر الحزب على النظامين القانوني والمصرفي. وفُرضت قيود على المنظمات غير الحكومية، وشدَّدت السلطات مؤخرًا من سيطرتها على شبكات التواصل الاجتماعي.

وأجرى أردوغان عمليات تطهير واسعة النطاق في صفوف كبار الضباط في الجيش والشرطة، وخاصةً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016. وتخلَّص من بقايا كبار الضباط الذين نشأوا على الإرث العلماني وطردهم من المنظمات المصرح لها باستخدام القوة. وتشعر المعارضة وأولئك الذين يعيشون في الغرب ولا يشعرون بالارتياح تجاه الطريق الذي يسلكه أردوغان بالقلق أيضًا من محاولة بناء ميليشيا موالية للحزب من خلال منح الإذن بحمل السلاح لمنظمة حرَّاس الأحياء (بكجي).

وفي أغسطس (آب) 2020 أنشأ أردوغان تنظيمًا آخر ذا طبيعة عسكرية يعرف باسم «التعزيزات» (تاكفيي). ومهمة هذا التنظيم حراسة الرئيس داخل تركيا، ويتدرب في إطار القوات الخاصة. وعلى عكس الشرطة وحرس الأحياء، يخضع تنظيم «التعزيزات» لقيادة الرئيس مباشرةً. كما أنشأ أردوغان حرسًا رئاسيًّا سيعزز حكمه الشخصي على نحو أكبر.

وفي أجزاء كبيرة من المناطق السكنية التركية، لا سيما في الأطراف الحدودية والمناطق غير الحضرية والمناطق الأكثر بعدًا عن الساحل والمدن الكبيرة، لم تتجذر عملية العلمنة الكمالية من أعلى إلى أسفل. ومن هنا، هناك جاذبية مؤثرة للرسائل القومية. كما وجدت الإسلاموية الراسخة أيضًا في الإرث العثماني، كما أوضحها أردوغان، والتي تستند إليها رؤيته للعالم، آذانًا صاغية جدًّا.

وبالإضافة إلى ذلك، ساعدتْ الكاريزما الشخصية لأردوغان وقمعه لخصومه في السيطرة على النظام السياسي. لكن هذه ليست التفسيرات الوحيدة للقوة المثيرة للإعجاب التي اكتسبها أردوغان وحزبه. إذ أولًا وقبل كل شيء، ما عزز مكانته هو التغلب على الأزمة الاقتصادية في بداية القرن والازدهار اللاحق، الذي مكَّن ملايين الأتراك في المناطق الريفية والأحياء الفقيرة (جيجيكوندو ) في ضواحي المدن الكبيرة من النجاة من الفقر المدقع. ونُسبِت هذه الإنجازات لأردوغان وساهمت في الدعم الشعبي لقيادته، وقد تجلى ذلك في صناديق الاقتراع حتى وقت قريب.

ومع ذلك أدَّى التدهور الاقتصادي في العامين الماضيين إلى إضعاف بريق القائد، وتفاقمت الأمور مع أزمة كوفيد-19. وبالنسبة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، تحولت مسألة النمو الاقتصادي إلى عقب أخيل. وفي الانتخابات البلدية لعام 2019 خسر حزب العدالة والتنمية معاقل مهمة مثل بلديتي إسطنبول وأنقرة. وكانت الهزيمة في إسطنبول مريرة على نحو خاص.

وعندما قرر أردوغان الطعن قانونًا في الهزيمة المحدودة لمرشح حزب العدالة والتنمية، أدَّى ذلك إلى جولة ثانية من التصويت وفوز مرشح المعارضة بهامش أكبر بكثير من ذي قبل. (حدث كل هذا في قلب تركيا النابض بالحياة الاقتصادية والثقافية، والتي كانت معقلًا بنى فيه أردوغان نفسه حياته السياسية بدعم شعبي).

وكان أحد أسباب الخسارة متمثلًا في انفصال حزب العدالة والتنمية عن السكان الأكراد في المدينة، والذين تخلى عنهم الحزب لصالح القوميين من حزب الحركة القومية. وعلاوةً على ذلك استقالت شخصيات بارزة في حزب العدالة والتنمية من الحزب واتَّخذت موقفًا معارضًا لأردوغان. وأبرزهم رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو ونائب رئيس الوزراء السابق علي باباجان. (انظر الملحق الخاص بالخريطة السياسية لتركيا).

إن هذه التطورات تشير إلى أن هيمنة حزب العدالة والتنمية ليست بالضرورة أبدية. ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة في يونيو (حزيران) 2023. وحاليًا، لا يوجد زعيم محتمل في الأفق يهدد هيمنة أردوغان. ومع ذلك فمن المرجح أن يخسر حزبه، الذي لا يتمتع بأغلبية مطلقة في البرلمان، مقاعد إضافية، وبحلول ذلك الوقت قد يخاطر شخص ما بالتنافس ضده. وعلى أي حال سيتصدر الاقتصاد قائمة أولويات الناخب التركي.

التغييرات في السياسة الخارجية: النظام الإقليمي

تقوم السياسة الخارجية التركية على تصورات النخبة السياسية والأمنية عن القوة الوطنية العظمى؛ تلك المشاعر التي كانت موجودة بالفعل على مستويات مختلفة من الحدة قبل عهد أردوغان. وقد أدى الجيش التركي دورًا في تحقيق الاستقرار في حقبة الحرب الباردة، وقاتلت قوات التدخل السريع التركية جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة في كوريا، (ولكن ليس في فيتنام)، وفي أفغانستان.

وعززت عضوية تركيا في حلف الناتو، التي أصبح لتركيا من خلالها ثقل عسكري وجيوسياسي كبير، من هذه المشاعر. والعوامل الموضوعية الأخرى التي تزيد من أهمية تركيا، سواء في تصورها الذاتي أو في خطابها الدبلوماسي مع أوروبا، هي دورها باعتبارها «جسرًا لعبور الطاقة» من الشرق، وقدرتها على تنظيم الهجرة الجماعية غير المرغوب فيها إلى أوروبا. ويُصوَّر اكتشاف حقل غاز في البحر الأسود، على الرغم من أن حجمه لا يزال غير واضح والاستفادة منه ستستغرق وقتًا طويلًا، على أنه بالفعل مورد من شأنه أن يجعل البلاد مستقلة في مجال الطاقة، بل ربما تصبح جهة فاعلة، ومهمة في سوق الطاقة الدولية.

وعلى المستوى الأيديولوجي، صاحب كل هذا (منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وأكثر من ذلك خلال السنوات الأخيرة) طموحات لإعادة ترسيخ مكانة تركيا باعتبارها زعيمًا طبيعيًّا للعالم الإسلامي. بل إن بعض الدوائر تدعو إلى إعادة الخلافة. لقد أدار أتاتورك وخلفاؤه، الذين سعوا من أجل ترسيخ علمنة عدوانية ومحو للتاريخ الإسلامي (بما في ذلك اعتماد الأبجدية اللاتينية)، ظهورهم للتراث العثماني. والآن يجري عكس ذلك.

إن تركيا في الوقت الحاضر دولة فاعلة في «منظمة التعاون الإسلامي (OIC)». وفي عام 2004 عُيِّن الممثل التركي أمينًا عامًا للمنظمة، وعمل في هذا المنصب لمدة 10 سنوات. واستضافت تركيا أيضًا قمتين للمنظمة (في عامي 2016 و2017). كما حاولت تفعيل منظمة للتعاون الاقتصادي على النحو الذي تصوره رئيس الوزراء التركي الإسلامي السابق نجم الدين أربكان (1996-1997). وهناك منظمة مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية، تُعرف باسم D-8، وتضم ثماني دول إسلامية كبيرة (بنغلاديش، ومصر، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ونيجيريا، وباكستان، وتركيا).

وفي عهد أردوغان، انضمت تركيا إلى القوة المالية القطرية لدعم الحركات الإسلامية (بما في ذلك حماس). وعلى الرغم من التنافس مع إيران في عدد من المجالات والمفاهيم المتباينة للإسلام في التطرف الشيعي مقابل التطرف السني، لم تتردد تركيا في استضافة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد (يُعد شخصًا غير مرغوب فيه في الغرب)، وما زالت تساعد بلاده لاعتبارات اقتصادية بالأساس من أجل الالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.

واعتُقِل رضا ضراب، رجل أعمال من أصول إيرانية وصديق مقرب لأحد أبناء أردوغان، بالفعل في هذا السياق في الولايات المتحدة (2016). واستضافت تركيا مرتين الديكتاتور السوداني السابق، عمر حسن البشير (2008)، بالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية وجَّهت إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب في دارفور. وعندما تلا ذلك انتقادات، لم يتردد أردوغان في الدفاع عن البشير بقوله: «لا يمكن لمسلم أن يرتكب مجزرة».

وكان موقف تركيا تجاه «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» غامضًا في أحسن الأحوال. والقوة الرئيسة التي حاربت انتشار «تنظيم الدولة» في البداية كانت الأكراد في شمال سوريا، الذين تَعدُّهم تركيا عدوًا لها. وكانت هناك حاجة إلى ضغوط غربية شديدة لحَمْل تركيا على السماح لقوات البيشمركة الكردية بالوصول إلى جيب كوباني المحاصر، الذي كان يخضع لهجوم «تنظيم الدولة الإسلامية». وبعد تشكيل التحالف لهزيمة الدولة الإسلامية، بقيادة الولايات المتحدة، وبعد الهجمات الإرهابية الشديدة في تركيا أيضًا، اتَّخذت تركيا موقفًا أكثر حزمًا، بينما استمرت في دعم الميليشيات السورية التي انبثقت عن التنظيمات التابعة لـ«القاعدة».

وظهر دعم أردوغان لحركة حماس (باعتبارها الذراع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين) في رد فعله الغاضب على عملية الرصاص المصبوب الإسرائيلية في غزة (ديسمبر (كانون الأول) 2008 – يناير (كانون الثاني) 2009). وإلى جانب قطر، عمل أردوغان على إنهاء الحملة، وبعد ذلك هاجم الرئيس بيريز علنًا في حادثة وقعت في منتدى دافوس. كما قدم دعمًا خفيًا لهيئة الإغاثة الإنسانية، و«حقوق الإنسان والحريات (IHH)» الإسلامية، ولأسطول «مافي مرمرة» في عام 2010.

وعندما اعترضت القوات الإسرائيلية مسار القافلة، قلل أردوغان علاقات تركيا مع إسرائيل. وحتى بعد الاعتذار الإسرائيلي واستعادة العلاقات عام 2013، استمر دعم تركيا الصريح لحركة حماس، على الرغم من أن أردوغان يتجنب حدوث أي ضرر في علاقات بلاده الاقتصادية مع إسرائيل، وفي التجارة مع الأردن والخليج التي تجري عبر ميناء حيفا.

ومع ذلك تستضيف تركيا نشطاء حماس، بما في ذلك بعض المشاركين النشطين في الإرهاب، ومَنحتْ مؤخرًا الجنسية التركية لكبار مسؤولي حماس. كما اتَّخذ أردوغان موقفًا عدائيًّا ضد اتفاق التطبيع الإسرائيلي الإماراتي واتفاق التطبيع الإسرائيلي البحريني.

كما يمثل النشاط التركي في القدس إشكالية بالنسبة لإسرائيل. ويشمل ذلك النشاط تشجيع زيارات الحجاج الأتراك ودعمهم، وهم الذين يساعد وجودهم (اقتصاديًّا ومعنويًّا) المؤسسات الإسلامية التابعة لحماس و«القسم الشمالي» للحركة الإسلامية (وهي أيضًا ذراع لجماعة الإخوان المسلمين). وعلاوةً على ذلك، تدعم وكالة المعونة الخارجية التركية (تيكا) المؤسسات التعليمية والاجتماعية في الأجزاء الإسلامية من المدينة؛ وتعمل تركيا على تقويض مكانة الأردن وعرقلة النشاط الإسرائيلي في المسجد الأقصى والحوض المقدس.

وعلى الصعيد الإقليمي، تسعى تركيا إلى تقويض استقرار نظام حكم السيسي في مصر، الذي يَعُدُّه أردوغان «حكومة مُغتَصِبة» غير شرعية منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في عام 2013. ووجد نشطاء الإخوان المسلمين المصريين ملجأً وقاعدة للعمليات في تركيا، حيث يشاركون بكل أريحية في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والمنشورات البحثية «المُغرِضة». وهذا جزء من الجهود التركية المستمرة لجذب الجمهور المسلم، والذي يتضمن إطلاق قناة باللغة العربية (في 2010) على شبكة الإذاعة والتلفزيون الحكومية. وفي نفس العام انضمت أنقرة أيضًا إلى جامعة الدول العربية بصفة مراقب.

واشتد التنافس مع مصر على الهيمنة في المنطقة، والذي يعود إلى عهد مبارك، أكثر في عهد السيسي، وأثَّر على الحرب الأهلية الجارية في ليبيا منذ عام 2014. وفي هذا الصراع، كانت حكومة الوفاق الوطني الموالية لتركيا، التي تحكم طرابلس وشمال غرب البلاد وتتبع جماعة الإخوان المسلمين، تقاتل ضد الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، الذي يسيطر على الجزء الشرقي من البلاد والمدعوم من مصر.

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وربما أيضًا على خلفية الانقلاب في الانتخابات البلدية، كثَّف أردوغان (بدعم من شريكه في الائتلاف الوطني، حزب الحركة القومية المتحدة، المعروف أيضًا باسم الذئاب الرمادية) من التدخل العسكري التركي في ليبيا. وقد أدَّى هذا إلى سلسلة من الأحداث التي تقوض الاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط، ​​وتتفق مع عقيدة الوطن الأزرق، أو مافي فاتان (عقيدة استعمارية تركية تزعم أن البحر المتوسط وبحر إيجه ما هما إلا نطاقًا للنفوذ التركى وإرثًا للإمبراطورية العثمانية).

بناءً على مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق الوطني، تليها موافقة برلمانية على التدخل العسكري التركي المباشر، أرسل أردوغان وحدات دفاع جوي ومشغلي طائرات بدون طيار وقوات أخرى إلى ليبيا، وساعد أيضًا في نقل آلاف الجهاديين السنة من سوريا إلى ساحات القتال الليبية. وقَلَب هذا التدخل الطاولة على رأس حفتر وأدَّى إلى تراجع قواته ورفع الحصار الذي فرضه على طرابلس. وردًا على ذلك، هدد السيسي (بعد موافقة البرلمان) بغزو ليبيا إذا استمرت القوات الموالية لتركيا في التقدم شرقًا. وفي أغسطس 2020، وبتدخل ألماني وأمريكي على ما يبدو، جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار أدَّى إلى استقرار مؤقت في الأوضاع؛ لكن بلا حل سياسي يلوح في الأفق.

تغير التوجه الدولي والصراع في البحر المتوسط

وإلى جانب دعمها للمنظمات والأنظمة ذات الطابع الإسلامي (المتطرف)، نأت تركيا بنفسها عن الغرب بطرق أخرى: تمثلت بادرة ذلك التوجه الجديد في رفض البرلمان التركي عام 2003 الموافقة على نقل القوات الأمريكية عبر أراضيه إلى العراق.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بالفعل بقاعدة جوية مهمة في مدينة إنجرليك (حيث تُخزَّن طائرات تحمل أسلحة نووية حرارية من طراز بي-61، ولكنها الآن تحتاج إلى صيانة)، ولا يزال حلف الناتو يحتفظ بقاعدة رادار كوريجيك، التي أُنشِئت من أجل مراقبة تطورات الأوضاع في إيران، إلا أنه من الواضح أن الولايات المتحدة لا تعتمد على المساعدة التركية في الحرب ضد «داعش». بل على العكس من ذلك، يتمثل حلفاؤها على الأرض في كلٍ من العراق وسوريا في الأكراد التابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذين ينظر إليهم الأتراك (بما في ذلك المؤسسة العسكرية، التي تتفق مع القيادة السياسية في هذه القضية) على أنهم إرهابيون.

وازدادت حدة التوترات بين تركيا والولايات المتحدة عندما حادت تركيا عن سياسة الناتو الخاصة بالتسليح واشترت أنظمة صواريخ أرض جو متطورة من طراز إس-400 من روسيا. وردًا على هذا (ونظرًا أيضًا للضغوط المنسقة التي يمارسها أصدقاء إسرائيل ومجموعة الضغط اليوناني)، ألغت الولايات المتحدة مشاركة تركيا في مشروع تصنيع طائرات إف-35، على الرغم من حقيقة أنه كان من المفترض تصنيع أجزاء الطائرة في تركيا.

وحتى عندما سمح الرئيس دونالد ترامب لأردوغان بالاستيلاء على قطعة أرض من القوات الكردية، (التي تحظى برعاية أمريكية) في شمال سوريا، صَاحبَ هذا الأمر سجالات قبيحة هدَّد فيها ترامب بـ«تدمير الاقتصاد التركي ونسفه إذا تصرف أردوغان مثل «الأحمق». وأعلن أردوغان أنه ألقى الخطاب في سلة المهملات.

ولا يتردد أردوغان أيضًا في تحدي القادة الأوروبيين (لا سيما الرئيس الفرنسي ماكرون) من خلال التهديد بإغراق أوروبا بموجات من المهاجرين واستنكار ما تقوم به الولايات المتحدة. وتصريحاته الوقحة ضد المرشح الرئاسي الأمريكي جو بايدن ليست سوى أحدث مثال على هذا العداء، حتى عندما يكون سلوك أردوغان الفعلي أكثر حذرًا.

وتُعد علاقات أردوغان مع بوتين والزعيم الصيني شي جين بينج معقدة أيضًا، على الرغم من إظهاره احترامًا لهما. وبعد الحادث الذي أسقطت فيه تركيا طائرة حربية روسية دخلت مجالها الجوي (في نوفمبر 2015)، عثر الطرفان على طريقة لتخفيف حدة التوترات والوصول، كما لوحِظ، إلى إبرام صفقة أسلحة. وتحاول تركيا وروسيا وإيران (المعروفة بمجموعة أستانا) تنسيق سياساتها في سوريا، ولكن من حين لآخر تندلع التوترات مرة أخرى، خاصة بعد الأحداث العنيفة بين القوات الروسية والتركية أو وكلائهما في سوريا. أما الصينيون، فإنهم يسيرون بحذر مع أردوغان، نظرًا لأمور أخرى من بينها الإدلاء بتصريحات داعمة في تركيا لأقلية الأويغور (التي تتحدث اللغة التركية) في شمال غرب الصين.

وينصب التركيز في الوقت الحالي على السياسة التركية في شرق البحر المتوسط. ويرتبط صراع تركيا طويل الأمد مع اليونان ارتباطًا وثيقًا بالقضية الليبية. وإلى جانب التفاهمات بشأن التدخل العسكري، فرض أردوغان أيضًا مذكرة اتفاق مع حكومة الوفاق الوطني لتقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة (تشير المادة 55 من اتفاقية قانون البحار إلى أن المنطقة الاقتصادية الخالصة عبارة عن منطقة واقعة وراء البحر الإقليمي وملاصقة له، يحكمها النظام القانوني المميز المقرر في هذا الجزء وبموجبه تخضع حقوق الدول الساحلية وولايتها وحقوق الدولة الأخرى وحرياتها للأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية) في شرق البحر المتوسط بطريقة من شأنها أن تمنع مصر، وإسرائيل، وقبرص من الوصول إلى اليونان، وإلى السوق الأوروبي، من دون موافقة تركية.

ويتجاهل الموقف التركي حقوق المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تضفيها السيادة اليونانية، وفقًا للقانون الدولي، في جزر مثل جزيرتي كريت وروديس. وفي وقت سابق، اعترض أردوغان بالفعل على معاهدة لوزان (معاهدة سلام وقعت في لوزان في سويسرا عام 1923، وتم على أثرها تسوية وضع الأناضول وتراقيا الشرقية في الدولة العثمانية) التي رسمت الحدود بين تركيا واليونان (كما اعترض أيضًا على الحدود مع سوريا والعراق). ويشير التقرير إلى أن تحذير أتاتورك القديم ضد التوسع الإقليمي يجري تجاهله.

ومن الواضح أن النزاع على حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدان يُنظَر إليه على أنه معركة على موارد ما تحت سطح المياه، ولكنه أيضًا محاولة تركية لتحقيق هيمنة في المنطقة وتفكيك منتدى غاز شرق البحر المتوسط، (يهدف المنتدى الذي يتخذ من القاهرة مقرًا له إلى إنشاء سوق غاز إقليمي في منطقة شرق المتوسط وتحسين العلاقات التجارية وتأمين العرض والطلب بين الدول الأعضاء) الذي تأسس في مطلع عام 2019.

وتضع هذه الخطوة تركيا في صراع مع اليونان ومصر، وهو ما تمثل في المناورات البحرية ضد بعضهم البعض، وفي إرسال تركيا قوارب لإجراء أبحاث بشأن الزلازل إلى المياه التي تمثل أهمية اقتصادية وتدعي اليونان ملكيتها. كما تضع هذه الخطوة تركيا في صراع من حيث المبدأ مع إسرائيل أيضًا. (ومع ذلك تجنبت إسرائيل إلزام نفسها بالإجراء العسكري، سواء على الجانب اليوناني أو المصري، واكتفت بالإجراء الدبلوماسي ضد الموقف التركي، على الساحة الأمريكية).

وينبغي الإشارة إلى أنه في هذه الحملة، أعرب كلٌ من الإمارات (قبل أسبوع من إعلان التطبيع مع إسرائيل) وفرنسا عن دعمهما المطلق لموقف مصر واليونان. ووقَّعت مصر (يوم 6 أغسطس 2020) اتفاقية على «خريطة مضادة» لخريطة تركيا وليبيا. ونتيجةً لذلك أجرَتْ فرنسا، واليونان، والإمارات أيضًا مناورة بحرية مشتركة في شرق البحر المتوسط؛ مما يعكس التوترات المتصاعدة مع تركيا.

وتحاول ألمانيا التوسط لإنهاء الأزمة، بينما يدور جدل في واشنطن بين العناصر الموالية بشدة لتركيا التي تتولى مناصب مهمة في الإدارة الأمريكية من جهة، وبين الوضع السائد في الكونجرس (الذي يظهر عداءً متزايدًا لتركيا، بما في ذلك فيما يتعلق بقضية الإبادة الجماعية للأرمن) وبين أولئك الموجودين في محيط ترامب الذين يهتمون بموقف إسرائيل ومصر والإمارات من جهة أخرى.

وفي ظل هذه الظروف، هناك احتمالية متزايدة لحدوث مواجهة عسكرية في منطقة البحر المتوسط. وكما سبق ذكره، تمتلك تركيا جيشًا كبيرًا ومجهزًا تجهيزًا جيدًا ولا تتردد في استخدامه. وكما أُشير آنفًا أيضًا، أرسلت تركيا قوات عسكرية إلى مناطق في الشرق الأوسط، في شمال العراق، وشمال سوريا، وغرب ليبيا، وأقامت قواعد عسكرية في قطر والصومال. وهناك مؤشرات أيضًا على النشاط التركي في اليمن الذي يدل على وجود نية للسيطرة على مضيق باب المندب.

وفي شرق البحر المتوسط اصطحبت سفن من الأسطول التركي سفنًا خاصة بالاستكشاف الزلزالي في مناطق متنازَع عليها، واعترضت، من جملة أمور أخرى، سفينة إسرائيلية كانت تنقب عن الغاز في المياه التي تدعي قبرص ملكيتها. وقبالة شواطئ طرابلس، أوشكت السفن التركية على الدخول في مواجهة مع فرقاطة فرنسية كانت تحاول تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. وكانت عملية «إيريني» (كلمة يونانية تعني السلام) التابعة للاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى تنفيذ حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا تتجنب مزيدًا من التوترات مع الأتراك.

ويصاحب سياسة تركيا الخارجية العدائية في الداخل مجهودًا لبناء صناعة دفاعية كبيرة (كانت الطائرات التركية المسيرة من طراز بايراكتار، من ضمن أمور أخرى، تُستخدَم في ليبيا). وهدف الحكومة المُعلَن في الصناعة الدفاعية بحلول عام 2023 هو توفير 75% من احتياجات تسليح الجيش التركي والوصول إلى صادرات تبلغ قيمتها 10.3 مليار دولار.

وعلاوةً على ذلك، في خطاب ألقاه أمام أعضاء حزبه في سبتمبر (أيلول) 2019، ألمح أردوغان إلى أن تركيا لا تعترف بشرعية النظام العالمي القائم على هيمنة «الدول الخمس»، وهي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي أيضًا القوى النووية التي تعترف بها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (التي تهدف إلى منع زيادة انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتعزيز هدف نزع السلاح النووي). ويعني ذلك أنه لا يستبعد توسيع نشاط تركيا في المجال النووي، حتى في اتجاه حيازة قدرات عسكرية بكل ما تنطوي عليه من تَبِعات.

توصيات للسياسة الإسرائيلية الشاملة

يجب أن نفترض أن التغيرات السياسية في تركيا ليست مؤقتة ولن تختفي بعد عهد أردوغان، لأنها تنبع من التوجهات طويلة المدى في المجتمع التركي. والتوترات المتكررة مع إسرائيل والدعوات التي دعت مؤخرًا إلى «تحرير» القدس والأقصى لا تنبع فقط من معاداة السامية في أجزاء كبيرة من المجتمع التركي، بل تعكس التباعد عن الغرب والتضامن المتزايد مع المواقف الشعبية المناهضة لإسرائيل في العالم الإسلامي.

كما أن موقف تركيا الناقد لإسرائيل يهدف أيضًا إلى اكتساب الشرعية وتحقيق الأفضلية بين المسلمين، خاصة بين الجماهير العربية التي تسعى تركيا لكسب تعاطفها معها ومع جماعة الإخوان المسلمين. وقد نجح أردوغان بالفعل في جذب المزيد من تعاطف هذه الجماهير على نحو أكبر من القادة الأتراك السابقين. ونتيجةً لذلك أصبحت تركيا تحت حكم أردوغان دولة تسعى للهيمنة وتهدد استقرار المنطقة وتعرض مصالح إسرائيل للخطر.

ولكن على الرغم من التعابير العدائية تجاهها، على إسرائيل أن تكون حذرة للغاية في سلوكها تجاه تركيا؛ إذ لا مصلحة لإسرائيل في تحويل هذا البلد القوي إلى عدو فعَّال. ويجب أن يؤخذ في الاعتبار أن تركيا أردوغان أظهرت درجة معينة من البراجماتية تجاه إسرائيل؛ إذ أنها لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية تمامًا مع إسرائيل، كما تحافظ على علاقات تجارية واسعة معها، إلى جانب حركة النقل الجوي المتبادل التي تشكل أهمية كبرى بالنسبة للتجارة السياحية التركية، بما في ذلك تأمين وصول الزائرين المسلمين إلى القدس، وخاصة المسجد الأقصى.

ولذلك، يتعين على إسرائيل أن تميز بين زعيم تركيا الحالي والمجتمع التركي ككل، من أجل الحفاظ على إمكانية إقامة علاقات أفضل مع حكومة مقبلة لا تخضع لسيطرة حزب العدالة والتنمية، أو حكومة قائمة على عناصر معتدلة في الحزب. وترغب الدوائر العلمانية في المجتمع التركي (فضلًا عن أعضاء حركة جولِن) في وجود علاقات طيبة مع إسرائيل. إن تركيا ليست إيران. والواقع أن مكانتها في مجموعة العشرين وعلاقاتها بالولايات المتحدة تشكل أهمية كبيرة بالنسبة لها.

وعلى ضوء هذه الخلفية، من المهم أن نستمر في التأكيد على أن هذه الاصطفافات الإقليمية الجديدة لا تسعى إلى استبعاد تركيا إذا اختارت قيادتها التعاون.

وفي الوقت نفسه، يتعين على إسرائيل أن تحدد أدوات النفوذ التي من شأنها أن تجعل كبح جماح طموحات القيادة التركية الحالية أمرًا ممكنًا. ويتعلق هذا في المقام الأول بالمجال الاقتصادي، الذي كان مصدر قوة أردوغان وأصبح نقطة ضعفه. والهدف من هذا هو منعه من تهديد المصالح الإسرائيلية الحيوية ومصالح شركائها في الاصطفاف الإقليمي (وبخاصة استقرار مصر).

وينبغي أن يركز النشاط الدبلوماسي الإسرائيلي بشأن المسألة التركية على واشنطن، في محاولة لتسخير الولايات المتحدة (الإدارة والكونجرس) في الجهود المبذولة لكبح جماح أردوغان. وتشير تجربة السنوات الأخيرة إلى أن أردوغان، برغم تعبيرات الازدراء التركية لساكن البيت الأبيض، كان حذرًا من المواجهة المباشرة مع واشنطن.

وفي هذه الأثناء، يجب على إسرائيل أن تعمل مع مصر واليونان والإمارات العربية المتحدة لتعزيز الاصطفاف الذي يسعى لـ «احتواء» تركيا. ومن الممكن أن يحدث هذا بالتزامن مع الإجراءات التي تتخذها فرنسا الآن. ومن الأهمية بمكان أيضًا زيادة الوعي الأوروبي بالسلوك المُرِيب الذي تنتهجه تركيا. كما عانت بلدان البلقان أيضًا تحت الحكم العثماني في الماضي، وتخشى تركيا. كذلك تُعد رومانيا وبلغاريا (وهما من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)، فضلًا عن صربيا وكوسوفو (اللتين تطرقان بابه)، من الشركاء الطبيعيين في هذا الجهد.

ولا يمكن لإسرائيل الدخول في عمل عسكري ضد تركيا (بالتأكيد إذا لم تظل احتمالية الصدام مع إيران ووكلائها في المنطقة الأولوية القصوى بالنسبة لتل أبيب). ويجب توضيح ذلك صراحةً لشركاء إسرائيل في شرق البحر المتوسط. ومن ناحية أخرى، لابد أن تُوضح إسرائيل أنها لن تتردد في استخدام القوة ضد التحركات التركية التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على مصالح إسرائيل الحيوية. ومن الجدير بالذكر أن إحباط إسرائيل لأسطول «مافي مرمرة» مَنَعَ المزيد من الأساطيل المعادية من الإبحار، وكسب احترام اليونان وقبرص ودول أخرى في مختلف أنحاء المنطقة.
من وجهة نظر مخابراتية وبحثية، وفيما يتعلق بمكونات تعزيز القوة، يجب على المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية ومنظومة المخابرات التكيف مع الواقع الذي يقول أن سلوك تركيا يمثل خطورة على إسرائيل ومصالحها الحيوية. كما ويجب التفكير بروية في الآثار المترتبة على تعزيز الأسطول البحري التركي.

وبالنظر إلى تصريحات أردوغان، يجب مراقبة التطورات في المجال النووي التركي، ومن الضروري كذلك مراقبة النشاط التركي في القدس وتحييد نفوذها بين السكان المسلمين في المدينة. وهناك شركاء موجودون لمواجهة النفوذ التركي في القدس مثل: الأردن، ومصر، والمملكة العربية السعودية، ودول الخليج.

وإلى حد ما، تشعر روسيا بالقلق من طموحات تركيا بسبب تضارب مصالحهما في سوريا والقضية الكردية وفي ليبيا (حيث يساعد المرتزقة الروس جيش حفتر) وفي مضيق البوسفور أيضًا. لذا يجب النظر على نحو خاص في إمكانية أن تساهم روسيا في كبح طموحات تركيا والتي من المحتمل أن تؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى إثارة اضطرابات بين الأقليات المسلمة الكبيرة في الاتحاد الروسي.

ويجب أن تركز الجهود المبذولة لإيجاد نقاط ضعف في النظام التركي، في أي حال، على المسألة الاقتصادية التي تؤدي دورًا محوريًّا، كما يبدو، في تعزيز قبضة أردوغان على السلطة أو تقويضها. وكما يتضح من تحذيرات ترامب الصريحة، كانت تركيا عام 2019 في وضع صعب بالفعل (انخفاض قيمة الليرة وتوقف النمو والديون المتضخمة) والتي يمكن ترجمتها إلى أدوات نفوذ.

واليوم الوضع الاقتصادي في حال أكثر ضعفًا؛ إذ لم تُعالج أزمة كوفيد-19 جيدًا (على الأقل في المراحل الأولى)؛ ما أدَّى إلى ركود اقتصادي، ومُنعت تركيا أيضًا من مصدر دخل مهم بانهيار قطاع السياحة. وتشير دروس السنوات الأخيرة إلى أنه يمكن تقليم أظافر أردوغان، وبخاصة على يد واشنطن، عندما يدرك أنه يواجه موقفًا حازمًا ولا يمكنه المراوغة. ويمكن لإسرائيل أن تؤدي دورًا خفيًّا في هذا الصدد في وقت توضح فيه للشعب التركي أنها لا تَعُد تركيا عدوًا.

وعلى الرغم من عداء الحكومة الحالية والتعبيرات التي تقترب من معاداة السامية، لا تزال هناك جالية يهودية صغيرة في تركيا تحتاج إلى حماية النظام وتتمتع بها حاليًا (والدولة تفتخر بحسن الضيافة التي قدمتها الإمبراطورية العثمانية لليهود المنفيين من إسبانيا)، ويجب مراعاة هذه الحساسيات في المجتمع.

ملحق: الخريطة السياسية في تركيا

إن خريطة الأحزاب التركية غير متوازنة بالفعل، لكن حزب أردوغان، العدالة والتنمية، هو المهيمن. ويقدم هذا الاستطلاع صورة حديثة لعلاقات القوة السياسية مع التركيز على المستقبل القريب.

حزب العدالة والتنمية الحاكم

في الانتخابات الأخيرة في يونيو (حزيران) عام 2018، حصل حزب العدالة والتنمية على 42.56% من الأصوات. وبالتطلع إلى انتخابات 2023، لا يزال أردوغان هو الزعيم بلا منازع وسيطرته على الحزب ثابتة ومستقرة. وفي طريقه لتركيز القوة والسلطة، تخلص أردوغان من الشخصيات الكاريزمية في حزبه مثل داود أوغلو وباباجان. وفضَّل العمل مع شخصيات غير كاريزمية توافقه دون اعتراض مثل رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، أو نائب الرئيس الحالي فؤاد أقطاي. ولكن في أعقاب تمرد داوود أوغلو وباباجان، بدأت لأول مرة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2019 محادثات حزبية حول مسألة مَنْ يقود الحزب بعد أردوغان.

وأجرت صحيفة «جمهورييت» المُعارِضة استطلاعًا للرأي ضمن مؤيدي حزب العدالة والتنمية حيث قال 73% من المشاركين في الاستطلاع إنهم لا يستطيعون التفكير في رئيس آخر غير أردوغان. وقبل 17% منهم التحدي وعبَّروا عن دعمهم لوزير الداخلية سليمان صويلو. ومنافس صويلو القوي هو صِهر أردوغان بيرات البيرق، وزير المالية، الذي فضله 8% فقط من المشاركين. وعلى الرغم من عدم ذكر اسمه في الاستطلاع نظرًا لوضعه بصفته رئيس أركان منتهية ولايته ووزير دفاع حالي، يتمتع خلوصي أكار بحظوظ جيدة لرئاسة الحزب في المستقبل.

حزب الشعب الجمهوري

في انتخابات 2018 حصل حزب الشعب الجمهوري المخضرم على 22.64% من الأصوات. وبعد فوزه في الانتخابات المحلية، يبدو أن الحزب قدَّم مرشحًا يمكنه تحدي أردوغان. وأصبح عمدة إسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو بلا شك شخصية مهمة للغاية في الحزب العلماني.

غير أن مهمته ليست سهلة، فهناك تنافس على القيادة داخل حزب الشعب الجمهوري، بصفة رئيسة بين الرئيس كمال كيليجدار أوغلو ومحرم إينجه، الذي كان مرشح الحزب للرئاسة في عام 2018. وأعلن إينجه مؤخرًا أنه أسس حركة جديدة دون الاستقالة من الحزب. وهناك احتمال كبير بأن يؤدي السباق بين إينجه وإمام أوغلو إلى تفتيت قوة حزب الشعب الجمهوري، بل ربما يمهد الطريق لتشكيل حزب علماني جديد.

المعسكر القومي

منذ تأسيس حزب الحركة القومية في عام 1969، عُدَّ الحزب بمثابة «الأم» لجميع الأحزاب القومية التركية. وفي انتخابات 2018، حصل الحزب على 11.1% من الأصوات. وبفضل التحالف الذي شكَّله مع حزب العدالة والتنمية في عام 2015 والشعار الذي رسَّخه، يُنظر إلى حزب الحركة القومية الآن على أنه لاعب مهم ذو تأثير في وضع الأجندة السياسية. ولذلك فهناك فرصة قوية في أن يستمر الحزب في التعاون مع حزب العدالة والتنمية.

وجعل أردوغان، وهو رجل إستراتيجي سياسي من الطراز الأول، حزب الحركة القومية شريكًا طبيعيًّا لحزبه عندما أنهى عملية المصالحة مع الأكراد. وفي الوقت الحالي، تعزز العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا العلاقات بين حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية.

ومنذ نشأته، كان حزب الحركة القومية دائمًا حزبًا يصطف خلف زعيمه. وكان الرئيس المؤسس الأسطوري للحزب هو ألب أرسلان توركش، الذي اختار دولت بهجلي خلفًا له قبل وفاته. ويشغل بهجلي منصب رئيس الحزب منذ عام 1997. وفي عام 2017، كان يخشى فقدان وضعه ولم يسمح للحزب بتنظيم انتخابات تمهيدية. ونتيجةً لذلك ترك معارضوه الحزب وأسسوا حزب الخير.

وعندما أصبحت ميرال أكشينار رئيسة للحزب الجديد، أحدثت تغييرًا في مفهوم القيادة في السياسة التركية. وبدلًا عن الشخصيات الذكورية الكاريزمية الأخرى مثل سنان أوجان أو أميت أوزداج، نجحت أكشينار في السيطرة على الحزب، لكنها فشلت في النضال الانتخابي ضد أردوغان. ونتيجةً لذلك، وعلى النقيض فمن المعتاد في السياسة التركية، أعلنت أكشينار مسؤوليتها عن الفشل واستقالت من الحزب.

وبينما اعتقد الجميع أن أوجان أو أوزداج سيحل محلها، طالب غالبية أعضاء الحزب بعودتها إلى منصب رئيس الحزب. وبسبب ضغوط من أنصار الحزب، امتنع أوجان وأوزداج عن تحدي أشكينار رسميًّا، وهما حاليًا يتعاونان معها. غير أنه عندما يحدث فشل آخر أو تجرى انتخابات تمهيدية في الحزب، فمن المرجح أن يعلن كلاهما أو أحدهما ترشح للمنصب. ولا يبدو أن المستقبل يحمل الاستقرار لحزب الخير.

الحزب الكردي

في انتخابات 2018 حصل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي على 11.70% من الأصوات. ودعم الحزب أردوغان الذي لم يكن معاديًّا للأكراد في البداية، بل بدأ عملية مصالحة معهم انتهت دون نتائج في عام 2015. وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2014، التي فاز بها أردوغان، أظهر الحزب الكردي بالفعل معارضته للزعيم التركي.

وأصبح رئيس الحزب صلاح الدين دميرطاش، الذي يمتلك الكاريزما والمهارات الخطابية، منافسًا خطيرًا. ورَفَعتْ حملة دميرطاش شعار «لن ندعك تكون القائد المطلق». أما أردوغان من جانبه، فقد رأى في خطوة دميرطاش نوعًا من الخيانة له. وردًا على ذلك شكل تحالفًا مع القوميين الأتراك ومهَّد الطريق لانهيار عملية المصالحة مع الأكراد.

وبالنظر إلى الماضي، كان انهيار عملية السلام، ونزع الشرعية عن الحزب الكردي، وسجن دميرطاش – في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 – على ما يبدو، شروطًا لحزب الحركة القومية لتشكيل تحالف مع حزب العدالة والتنمية. وخلال تلك المدة، وُضِع قادة أكراد آخرون في السجن أيضًا، وفي غيابهم اختار حزب الشعوب الديمقراطي رئيسين جديدين هما سيزاي تيميلي وبيرفين بولدان. ولم يقترب الاثنان من كاريزما دميرطاش وهو ما أضعف الحزب. وعلى ما يبدو، طالما ظل أردوغان يعزز حكمه من خلال التحالف مع حزب الحركة القومية، لن يلوح أي تقدم في الأفق في عملية السلام مع الأكراد.

حزب المستقبل بقيادة أحمد داود أوغلو

في 13 ديسمبر 2019، وقف أحمد داود أوغلو أمام الكاميرات وأعلن تدشين حزب معارض جديد يُسمى حزب المستقبل. وبصفته عثمانيًّا كلاسيكيًّا جديدًا، يحاول داود أوغلو الحصول على دعم المعسكر القومي الديني، الذي لن يرغب في رؤية تغيير كبير في سياسة تركيا الخارجية. غير أنه فيما يتعلق بالقضايا المحلية، يأمل داود أوغلو في إجراء تغييرات جذرية.

وقال لوسائل الإعلام إنه يريد إلغاء النظام الرئاسي وإعادة النظام البرلماني. لا يبدو أن داود أوغلو لديه فرصة كبيرة لإحداث ثورة في تركيا. وبالنسبة للعديد من الأتراك، ترتبط صورته بالحقبة الأخيرة لحزب العدالة والتنمية التي سادت خلالها الهجمات الإرهابية والعزلة الدولية والسياسة الخارجية الفاشلة في الشرق الأوسط بوجه عام وفي سوريا على نحو خاص والاقتصاد المتدهور.

وبذلك يبدو أن داود أوغلو سيكون قادرًا على كسب دعم المحافظين الأتراك الساخطين على أردوغان فحسب. غير أنه إذا أخذنا في الاعتبار أن أردوغان حوَّل متحف آيا صوفيا مؤخرًا إلى مسجد، الأمر الذي أكسبه تعاطفًا كبيرًا، فإن فرص داود أوغلو في الحصول على الحد الأدنى المطلوب من الأصوات، وهو 10%، تبدو ضئيلة جدًّا. ويعني هذا أن هناك احتمالًا كبيرًا بأنه سيشكل تحالفًا مع الأحزاب الأخرى المعارضة لأردوغان لاجتياز حد 10%.

حزب الحل بقياد علي باباجان

وبالمقارنة مع داود أوغلو، تُعد فرص باباجان في اجتياز الحد الانتخابي أعلى لأنه يتمتع بصورة أكثر إيجابية. وبالنسبة لعديد من الأتراك، تستحضر صورة باباجان المدة الأولى لحزب العدالة والتنمية، والتي تميَّزت بالازدهار الاقتصادي، فضلًا عن العلاقات القوية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وعلى الرغم من إنجازات باباجان في المجال الاقتصادي، من المهم ملاحظة أنه يفتقر إلى الكاريزما.

وعلى الرغم من كل الأخبار الجيدة التي يقدمها للسياسة الخارجية والاقتصادية، فمن غير المرجح أن «يخطف» أعدادًا كبيرة من الأصوات من حزب أردوغان. وبدلًا من ذلك، من المرجح إلى حد كبير أن يحصل على أصوات من صفوف حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير. وعلى غرار حزب داود أوغلو، هناك فرصة قوية جدًّا أن يشكِّل حزب الحل أيضًا تحالفًا مع الأحزاب المناهضة لأردوغان.

المستقبل القريب في السياسة التركية

ويُظهر عهد أردوغان الطويل أنه قادر على مفاجأة عديد من أعدائه وأصدقائه على حد سواء. وتتأثر قراراته إلى حد كبير بالتحالفات السياسية التي يشكَّلها. ويمكن فهم تطوره السياسي في ضوء ذلك: في الماضي جنَّد أنصارًا من بين الليبراليين ورجال الأعمال الذين أرادوا تقليص القوة السياسية للجيش، وأنصار جولن الذين يريدون لونًا إسلاميًّا في الفضاء العام التركي، والأكراد الذين يسعون إلى الاستقلال الثقافي، ومؤخرًا القوميين الأتراك الذين يخشون تطلعات الأكراد.

واستخدم أردوغان كل هذه الجماعات كأداة للحفاظ على سيطرته على البلاد. ويشير التاريخ منذ عام 2002 إلى أنه لا يوجد فاعل سياسي مستبعد أو محصن ضد الانشقاق. وإذا توصل أردوغان إلى نتيجة مفادها أن القوميين الأتراك لم يعودوا يخدمون احتياجاته السياسية، يمكنه محاولة العثور على شريك آخر، على الرغم من أنه في الوقت الحالي يبدو أنه ينظر إلى القوميين على أنهم حليف طبيعي.

وفي الوقت الحاضر، يُعد تحقيق الأغلبية البرلمانية مرتبطًا بالقضية الكردية. ويلعب الحزب الكردي دورًا رئيسًا في بناء تحالف يتمتع بأغلبية مستقرة في البرلمان. ووفقًا لعديد من استطلاعات الرأي، لا يمكن لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية معًا الحصول على أكثر من 50% من المقاعد البرلمانية، لكن الائتلاف المعارض لا يمكنه كذلك الحصول على نسبة أكبر. ويقدم الجدول أدناه حسابًا للمتوسطات من عديد من استطلاعات الرأي التي سألت الأشخاص عمن سيجرى التصويت له إذا ما أجريت الانتخابات في يونيو (حزيران) 2020:

ائتلاف العدالة والتنمية والحركة القومية :  42%

ائتلاف حزب الخير وحزب الشعب الجمهوري :  40%

حزب العدالة والتنمية :  34%

حزب الحركة القومية :  8.3%

حزب الشعب الجمهوري :  28%

حزب الخير :  12%

حزب الشعوب الديمقراطي :  12.4%

ووفقًا لهذه النتائج، يفوز حزب الشعوب الديمقراطي بمركز «صانع الملوك» في البرلمان – وهي نتيجة لا تُعَد في صالح أردوغان. كما أن الصورة التي تظهر للانتخابات الرئاسية ليست متفائلة للغاية بالنسبة لأردوغان. ووفقًا لهذه الاستطلاعات، إذا تمكنت المعارضة من الاتحاد بشأن ترشيح أكرم إمام أوغلو (وهو أمر لا يمكن اعتباره محسومًا) وإذا تمكَّن الحزب الكردي من تجاوز الحد المطلوب، فهناك فرصة لهزيمة أردوغان في صندوق الاقتراع. ولأن الحزب الكردي ليس جزءًا رسميًّا من تحالف الأحزاب المناهض لأردوغان، يجب أن يتجاوز نسبة الـ10% التي تمثل الحد الأدنى. وتستفيد بقية الأحزاب في التحالف المناهض لأردوغان من حقيقة أن التحالف سوف يجتاز هذا الحد بسهولة.

وليس من الواضح ما إذا كان أردوغان سيقبل بالهزيمة. ويمكن أن نفتر ض جدلًا أنه لن يعترف بالنتائج وسيعمل على إلغائها كما فعل في الانتخابات الأولى لعمدة إسطنبول. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنه في حالة عدم تمكن الحزب الكردي من تجاوز الحد الأدنى البالغ 10%، فسيحصل حزب العدالة والتنمية، باعتباره ثاني أكبر حزب في المناطق الكردية، على جميع التفويضات التي كانت ستؤول إلى الحزب الكردي. والواقع أنه ما لم يتجاوز حزب الشعوب الديمقراطي الحد المطلوب، فستكون النتيجة هي تعزيز حزب العدالة والتنمية على نحو كبير.

وعلى الرغم من أهمية الحزب الكردي، إلا أن الكتلتين ما زالتا غير متعجلتين لضم حزب الشعوب الديمقراطي. والشراكة مع الحزب الكردي يمكن أن تنتقص من مجموعة متنوعة من القطاعات المستهدفة. وأعلنت رئيسة حزب الخير ميرال أكشينار مؤخرًا أن مكان حزب الشعوب الديمقراطي سيكون بجانب منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية ورفضتْ بشدة خيار ضم الحزب الكردي في التحالف مع حزب الشعب الجمهوري. وعلى الرغم من كلماتها، يتفهم ناخبو حزب الشعوب الديمقراطي وقيادته جيدًا ما هو على المحك وحساسيات كل حزب. ومن الواضح أن حزب الشعوب الديمقراطي سيستمر في دعم التحالف المناهض لأردوغان دعمًا غير رسمي.

وإذا فشل حزب الحركة القومية في اجتياز الحد المطلوب، فسوف يفقد أهميته في نظر أردوغان. وللحيلولة دون الوصول إلى هذا الوضع، هناك نوايا للدعوة إلى انتخابات مبكرة طالما أظهرت استطلاعات الرأي أن حزب الحركة القومية تخطى الحد المطلوب. ولا شك أن مثل هذا الإجراء يمكن أن يسبب مشكلة لحزبي داود أوغلو، وباباجان.

ويمنع القانون التركي الأحزاب الجديدة من خوض الانتخابات ما لم يكن لها كتلة في البرلمان (بحد أدنى 20 عضوًا) أو ما لم يكن لها فروع في جميع أنحاء البلاد. وهناك أيضًا مطالبات بإجراء الانتخابات التمهيدية قبل ستة أشهر من موعد الانتخابات الوطنية. وهناك إمكانية أن «يُقرِض» حزب ما في البرلمان مُشرِّعين لحزب لا يزال لا يوجد لديه تمثيل برلماني.

وبسبب هذه الإمكانية، يعمل حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية معًا لتمرير قانون يحظر «نقل» أعضاء البرلمان من حزب إلى حزب بهدف عرقلة مسار داود أوغلو وباباجان في البرلمان. وسيؤدي ذلك إلى إلغاء خيار انضمام حزب الحركة القومية إلى حزب آخر.

وإذا نجحت هذه الخطوة، فلن تتغير سياسة حكومة أردوغان تجاه الأكراد. غير أنه إذا ما نجح داود أوغلو وباباجان في الترشح للبرلمان وإذا خسر حزب الحركة القومية السلطة، فسيتعين على أردوغان البحث عن حلفاء جدد على الخريطة السياسية، وقد يكون هناك عندئذ تغيير في السياسة تجاه الأكراد.

وهناك كثير من عدم اليقين بشأن ملامح السياسة التركية. وقد يكون من الممكن إنهاء حكم أردوغان في عام 2023، ولكن مهاراته السياسية قد تكون كافية للتغلب على العقبات السياسية. وعلى أية حال ترك أردوغان بصماته على النظام السياسي فقد أصبح البلد أكثر تدينًا ومركزية وطموحًا.

**نشر هذا المقال تحت عنوان  :  

Turkey as a Major Challenge for Israel (and its Neighbors) in the 21st Century

الكاتب  Efraim Inbar, Eran Lerman, Hay Eytan Cohen Yanarocak

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.