معاريف - مقال - 8/6/2012 المؤامرة الجنوب افريقية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – مقال – 8/6/2012 المؤامرة الجنوب افريقية

0 118

بقلم: نداف ايال

     ما العلاقة بين النظام في طهران وبين حكومة جنوب افريقيا التي ترفع لواء حقوق الانسان العالمية؟ الجواب يمر عبر عطاء غريب لتشغيل هواتف خلوية، شبهات كبيرة بالرشوة والكثير من السلاح غير القانوني.

       أسموا هذا “حملة سنوكر”. شارك فيها وزراء كبار. رئيس، زعيم روحاني للجمهورية الاسلامية، مئات ملايين الدولارات والكثير من الاسماء الحركة مثل “الاسماك” (السلاح غير القانوني)، “جي الصغير” (السفير) و “جي الكبير” (وزير ايراني)، وكذا شراء اصوات في الامم المتحدة وفي وكالة الطاقة الذرية. ورشوة. الكثير من الرشوة.

          سنوكر كان اسما مفهوما من تلقاء نفسه. تضرب كرة واحدة، وهذه تصيب كرة اخرى. يؤيدون خطة النووي في ايران، يحصلون على عقد بالمليارات، يوفرون سلاحا غير قانوني. وهذا، حسب الشبهات (لا شيء مؤكد، لم يثبت شيء في المحكمة)، كان فقط البداية. ولكن يفضل حقا الشروع من البداية.

+ + +

          في نهاية شهر آذار 2012 رفعت دعوى استثنائية الى محكمة مدنية في واشنطن، الولايات المتحدة. مقدمة الدعوى كانت الشركة التركية الكبرى توركسل، التي تعمل في مجال الاتصالات وبالاساس في الهواتف الخلوية. أما المدعى عليها فهي شركة MTN، شركة كبرى اخرى، جنوب افريقية. الشركتان هما جهتان كبيرتان MTNبنت نفسها كقصة نجاح في جنوب افريقيا بعد الابرتهايد. شركة لم تكن مصابة بالعدوى في عصر العنصرية. ومع إدارة قريبة على نحو خاص من حزب الكونغرس الذي يقود جنوب افريقيا. وبالاساس: نجاح تجاري استثنائي، مع اكثر من 170 مليون مشترك في أرجاء العالم واختصاص في ما يسمى “الاسواق المستيقظة”؛ في حالتها، سوريا، افغانستان وكذا ايران. ايران، في واقع الحال هي التي تقف خلف الدعوى.

          ادعاء توركسل كان بسيطا: في العام 2004 حظيت بعطاء حكومي لتصبح المشغل الخلوي الثاني في ايران. وكان المعنى دخول الى سوق شبه شاغر، ينتظر الاستغلال التجاري فقط. بعد وقت قصير من ذلك بدأ الايرانيون يضعون المصاعب في وجه الاتراك بحجج متنوعة. في نظرة الى الوراء، تبين لتوركسل ماذا وقف خلفهم: MTN التي خسرت، قررت الشروع في ما وصفه أحد مدرائها بانه “حملة سنوكر”. كقرار تجاري، الشركة الجنوب افريقية، وكل ذلك زعما وحسب ادعاء الاتراك، قررت القيام بعمل ما، دفع كل ثمن، رشوة كل من يمكن رشوته، لتغيير القرار. “هذا هو السوق العذراوي الاخير”، قال أحد مدراء MTN شعرا في احدى المراسلات الداخلية. ولم يعتزموا التنازل.

          هنا يبدأ الادعاء ببسط قصة رائعة من الفساد. مشاورات الشركة مع ممثليها في طهران قضت، بشكل لا لبس فيه بانه مطلوب قرار حكومي على المستوى الاعلى، اي الزعيم الروحي وافراد أسرته، لتغيير نتائج العطاء. ومطلوب تدخل سياسي عميق. هكذا تبدأ الوثائق المرفقة بالدعوى بتفصيل كيف شخصت مراكز القوى. سفير جنوب افريقيا في طهران، مثلا، هو الذي دفع الى الامام ترشيح MTN وتلقى ظاهرا لقاء خدماته رشوة كبيرة من بضع مئات الاف الدولارات. كما ان نائب وزير ايراني كان مشاركا في هذه المحاولة، وهو ايضا حصل على مردوده.

          ولكن الانعطافة الاكبر بلا شك هي موضوع البرنامج النووي الايراني. في مرحلة معينة يوضح الايرانيون بان موقف جنوب افريقيا في موضوع العقوبات المحتملة على دولتهم سيكون هاما في دحر توركسل في صالح MTN . ماذا نحتاج نحن الى فعله؟ يسأل ممثلو MTN . واضح لكل الاطراف مكانة جنوب افريقيا، الدولة التي تعتبر احدى قيادات دول عدم الانحياز. صوت أخلاقي، ظاهرا. الايرانيون يشترطون العقد الخلوي الهائل بتصويتان معينة في مجلس الطاقة الذرية وفي الامم المتحدة. ممثلو الشركة يعدون بانهم يمكنهم أن يوفروا البضاعة. وكبادرة حسن نية، تمتنع جنوب افريقيا في تصويتان حرجة تعنى بالعقوبات على ايران. التصويت الاخير كان في 24 تشرين الثاني 2005. بعد بضعة ايام من ذلك تحصل MTN على العقد الهائل. اليوم يوجد لها أكثر من 30 مليون مشترك في ايران، واليد لا تزال ممدودة. وهي تحصي المال بالطبع.

+ + +

          في ترتيب مثل هذا التصويت كان مشاركا عدد من المحافل الحكومية في جنوب افريقيا، وبالطبع قرب الشركة الكبرى من حزب السلطة كان حرجا. ولكن التصويتات كانت حقا مجرد خطوة أولية. لان الايرانيين أرادوا، واوضحوا بانهم يريدون، معدات أمنية حساسة ومحظورة. لدرجة أن علي لاريجاني المقرب الاهم من الزعيم الروحي الايراني ورئيس البرلمان اليوم، سافر بتكليف منه الى لقاء سري مع رئيس جنوب افريقيا تابو مبكي. وقد سافر الى بريتوريا في  2007 كي يذكر مبكي “بوعود معينة” قطعت في 2004 من أجل الحصول على الرخصة الخلوية في ايران. وغضب الايرانيون، وعن حق، فضلا عن التأييد الدبلوماسي لبرنامجهم النووي، وعد الجنوب افريقيون باكثر بكثير – هيلوكبترات، معدات، رادارات متطورة، خوذات للطيارين القتاليين، مدافع هوبتسر ووصول الى الصناعات الامنية المتميزة لجنوب افريقيا وشركتهم لتطوير الوسائل القتالية DENEL . وغني عن البيان ان كل توريد كهذا هو خرق فظ للعقوبات على الجمهورية الاسلامية، وكان هذا واضحا لكل الاطراف. والاسم الحركي الذي استخدم لوصف السلاح هو “الاسماك”.

          وحسب الادعاءات، حرصت MTN على ارسال وزير الدفاع الجنوب افريقي الى طهران، لتأكيد توقيع مذكرة تفاهم أمنية سرية. ولغضب الايرانيين، يبدو أن الجنوب افريقيين نكثوا بوعدهم. والمرة تلو الاخرى يحذر مندوب MTN في طهران من أن النظام غاضب من أن التعاون الامني لا يجري رغم أن الشركة تعمل منذ الان في الدولة. وبينما يبعث الزعيم الروحي لاريجاني، يبعث الرئيس احمدي نجاد وزير الخارجية متقي الى بريتوريا كي يحصل على الاجوبة: متى يصل السلاح.

+ + +

          كل هذه القصة كان يمكنها أن تبدو كادعاء تجاري لشركة كبرى تركية ذات خيال متطور. ؟؟؟ من جهتها، تنفي كل شيء بشكل كامل. تدعي بان الحديث يدور عن احباط من شركة خسرت، وتطرح الان ادعاءات كاذبة في المحكمة. لديها فقط مشكلة واحدة، للشركة الجنوب افريقية: مندوبها في طهران، كريس كلفان، هو الذي وفر ظاهرا الوثائق للشركة التركية. بتعابير اخرى، الرجل الاهم في “حملة سنوكر” فر. وجلب معه وثائق، بما في ذلك رسائل بريد الكتروني موقع عليها من كان مدير عام MTN. الوحدة النخبة في شرطة جنوب افريقيا شرعت هذا الاسبوع بتحقيق رسمي.

          تصويت جنوب افريقيا، في كل الاحوال، لم يقدم ولم يؤخر. العقوبات اجيزت. والسلاح على ما يبدو لم يورد. ولكن ما فعلته  MTN في ايران اثر جدا على عشرات ملايين الاشخاص. الشركة التجارية الجنوب افريقية، تلك التي تمثل جنوب افريقيا الجديدة، الدولة التي ترفع شعار حقوق الانسان العالمية، اخذت لنفسها شريكين: شركة حكومية ايرانية تعتبر قناة لنقل التكنولوجيات المحظورة الى المؤسسة الامنية في ايران وجمعية كبيرة هي الجبهة الرسمية للحرس الثوري.

          عملية، رسميا، يوجد للدولة الايرانية 51 في المائة في المشروع الخلوي هذا. عمال في MTN يروون كيف تجري الامور: طابق كامل وسري يجلس فيه رجال الحرس الثوري والبسيج سيئي الصيت والسمعة؛ اتفاق سري بين جنوب افريقيين وايرانيين يسمح بالتنصت على الهواتف الخلوية؛ وبالطبع، بين الحين والاخر يتوجه واحد من الايرانيين ويطلب معلومات كاملة عن رقم هاتف معين والجنوب افريقيين يعطونه عن طيب قلب. “هذه زمالة مهنية”، شرحوا في حينه في MTN لصحيفة جنوب افريقية، “رغم ذلك، نحن شركاء”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.