معاريف - مقال - 4/6/2012 راح الارث - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – مقال – 4/6/2012 راح الارث

0 108

بقلم: عاموس غلبوع

ستعود سوريا الان على ما يبدو الى الوضع الذي كانت فيه كل جهة ذات قدرة تحاول التدخل في شؤونها، سواء بقي بشار لزمن طويل آخر في الحكم أم لا. بالنسبة لايران، هذه المسألة حرجة. ويبدو أن تركيا ستكون خصمها الاكبر في “اللعبة السورية”.

       في تموز 2008 كنت مع زوجتي على جسر الكسندر العظيم فوق نهر السين في باريس. وكان الجسر مليئا بطوله بالشباب والشابات السوريين، الذين لوحوا بحماسة باعلام سوريا. “ما سبب الفرح؟” سألت أحد الشباب، فاجابني: “الرئيس بشار الاسد يصل”. وهتفت الشابات بالفرح. لاول مرة في التاريخ يأتي رئيس سوري في زيارة رسمية الى باريس ويحظى باحترام الملوك وبالثناء والمجاملة. ليس فقط في فرنسا، بل وفي اسرائيل. المفاوضات غير المباشرة التي ادارها معه في تركيا رئيس وزراء اسرائيل أخرجت بشار من بيت المنبوذين مباشرة الى منصة الشرف الغربية المعتبرة. في مقال مؤطر تجدر الاشارة الى ان ايهود اولمرت يستغل كل منصة كي يري ويفصل كم تنازل للفلسطينيين وكم كان قريبا من الاتفاق معهم، ولكن لسبب ما لا نسمعه على الاطلاق في الموضوع السوري.

          في بداية الاسبوع الماضي كنت مع زوجتي في الميدان المركزي في برلين الغربية. وقد واجهنا مرة اخرى تجمهرا للسوريين والسوريات، نساء كبيرات في السن بلباس أسود، رجال شبان والكثير من الاطفال والطفلات. هذه المرة رفعت أعلام سوريا الى جانب يافطات عديدة بالالمانية. والتقطت عيني بالذات اليافطة الاكبر التي كتب عليها بالعربية: “الويل يا بشار، نريد اعدامك، يا قاتل الاطفال”.

بشار اياه، نفس الشخص، دون أي فارق بين بشار 2008 وبشار 2012. باستثناء اننا كنا في حينه نحضر حفلة تنكرية. عظيم الطغاة في الشرق الاوسط في ذاك الوقت وضعوا على وجهه قناع سلام: محبة الناس، الاصلاحات، التقدم، الجدية، خريج الثقافة الغربية وباقي الزينة الزائفة والصارخة. أما الان فقد سقطت كل الاقنعة، بل والملابس. فالحديث يدور عن ولد منبوذ تربى في ظل أخيه الاكبر الناجح، وأبيه أعد له مهنة (طبيب عيون) توجد خارج دوائر الحكم والتأثير. وقد تربى وتعلم في نظام الطغيان الذي تساوي فيه حياة مواطني الدولة في نظره قشرة الثوم. وقد استوعب على مدى السنين المفهوم الذي يقوم “الرب اختار” للحكم في سوريا عائلة الاسد والعائلات القوية من الطائفة العلوية، وان يكون المرء علويا معناه أن يكون رجل حكم ورجل أمن.

          ينبغي للمرء أن يكون ساذجا جدا كي يخمن انه سيسقط قريبا، بعد سنة أو بعد عدة سنوات. يخيل لي أنه يمكن منذ الان التقدير بان الارثين الكبيرين اللذين خلفهما الاب حافظ لبشار وتميزت بهما الدولة السورية في الاربعين سنة الاخيرة قد ضاعا. الاول بينهما هو الاستقرار الداخلي. فقد خلق حافظ الاسد على مدى السنين منظومة حكم مرتبة دمجت في نظام الطغيان البرجوازية السنية لدمشق وحلب وجزءً من طوائف الاقليات. وكان الشعار: “انتم تتشاركون مع الحكم العلوي – الامني الغنيمة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية وتستفيدون من المكانة العربية المحترمة التي اكتسبتها سوريا بصفتها “القلب النابض للعروبة الذي يقف في الصف الاول ضد الامبريالية والصهيونية”. وبالمقابل تسلمون بطغيان وسمو المكانة العلوية. هذه المنظومة انهارت.

          الارث الثاني الذي ضاع هباء هو المكانة الاقليمية المستقلة لسوريا. حتى فترة حكم عائلة الاسد كانت سوريا دولة يتدخل فيها الجميع ويرغبون في التأثير عليها: مصر، العراق، فرنسا، تركيا. فجاء حافظ الاسد ووضع حدا لذلك وجعل سوريا قوة عظمى عربية اقليمي صغرى، بما في ذلك ذات سيطرة على لبنان.

          بشار بدأ باضاعة شيء ما من هذا الارث في الوقت الذي ربط مصيره بايران وبحزب الله، جرير ايران. وستعود سوريا الان على ما يبدو الى الوضع الذي كانت فيه كل جهة ذات قدرة تحاول التدخل في شؤونها، سواء بقي بشار لزمن طويل آخر في الحكم أم لا. بالنسبة لايران، هذه المسألة حرجة. ويبدو أن تركيا ستكون خصمها الاكبر في “اللعبة السورية”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.