معاريف - مقال - 4/5/2012 مجال الحصانة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – مقال – 4/5/2012 مجال الحصانة

0 120

بقلم: نداف ايال

   سيكون من الصعب جدا لباراك ونتنياهو أن يشرحا لواشنطن حاجة محتملة للهجوم، بعد أن أعربت كل قيادتهم المهنية السابقة – اعلاميا – عن معارضتها المطلقة والكاملة.

       أمريكا عجبت هذا الاسبوع من عربدة التصريحات الاسرائيلية في الموضوع الايراني. وكان هذا عجبا شبه ساذج، مربع، أمريكي مميز. للمتفاجئين والمتخوفين، بما في ذلك في الجالية اليهودية، كان ينبغي قول جملة واحدة فقط: أهلا وسهلا في حملة انتخابية اسرائيلية اخرى، العرض الاكثر وحشية في المدينة. المكان الذي تصفى فيه الحسابات، ويتم فيه تجاوز الخطوط الحمراء، وكل هجوم سري في سوريا يصبح أداة في الحملة. الدم يغلي، مصيرية اللحظة تتشدد المرة تلو الاخرى. وفي النهاية؟ حراك بضعة مقاعد من كتلة الى كتلة، دقيقة صمت للائتلاف مع سياسيين شباب، مثاليين يقسمون أنهم لن يتنازلوا ابدا عن وزارة حكومية.

          ولكن ما حصل في نيويورك هذا الاسبوع، في المواجهة في ندوة “جيروزاليم بوست”، خرج حتى عن قواعد لعب حملة انتخابات كهذه. فوجود غابي اشكنازي، مئير دغان، ايهود اولمرت وجلعاد أردان على منصة واحدة كان يجب أن يؤدي الى نتيجة قابلة للتفجير. ولكن من ناحية الاسرة الدولية وكبار المدافعين عن اسرائيل، فان ما حصل على المنصة كان أوسع بكثير من مواجهة لفظية مريرة وعدوانية. كان هذا انكشافا. انكشاف لحقيقة كانت معروفة لقلائل في اسرائيل، ولاقل منهم في  الخارج. فقط من كان شريكا في دائرة اتخاذ القرارات، حضر الجلسات ذات الصلة او اطلع على ما جرى ممن كان هناك، عرف عن هذا الواقع. هذا واقع واضح: كل رؤساء جهاز الامن في اسرائيل، على الاقل حتى وقت اخير مضى، يتحفظون تحفظا عميقا من سلوك ايهود باراك وبنيامين نتنياهو. التحفظ هو تعبير دبلوماسي، بالطبع. بعد أن أوضح علنا معارضته للهجوم في ايران، اتهم مئير دغان جلعاد أردان، في وجهه، بان حكومة نتنياهو تخرب على الديمقراطية الاسرائيلية وتقودها في طريق سارت فيه ألمانيا في الماضي. يوفال ديسكن قرر بان حكومة اسرائيل تتجاهل ارادة ابو مازن الوصول الى تسوية سلمية، وأنه يقدم الى الجمهور الاسرائيلي عرضا عابثا في موضوع امكانية تحييد التهديد الايراني، وان ليس له ثقة في القيادة الحالية. عندما شكك الوزير أردان بدوافع واستقامة ديسكن، هاجمه مئير دغان – هو، خلافا لسياسيين معينين، يعرف كيف يهجم حقا، وليس كتعبير – وأبلغه بانه “يكذب”. والى جانب اولئك جلس غابي اشكنازي، الذي لم يعطِ بعد مقابلته الصحفية الكبرى التي يقول فيها بالتأكيد رأيه في الطريقة التي يدير فيها ايهود باراك وبنيامين نتنياهو أمن دولة اسرائيل.

          ذهول عالمي

          لسبب ما استقبلت هذه الاقوال في اسرائيل كنوع من المناكفة على خلفية شخصية. ثلاثة أشخاص، ممن كرسوا حياتهم لامن الدولة ووصلوا الى المواقع الاعلى، شخصيات لا يشتبه بانها تعطف على اليسار الاسرائيلي، كلهم يعربون عن عدم ثقة شديد ومقلق جدا بايهود باراك وبنيامين نتنياهو. وسائل الاعلام الاسرائيلية أصبحت تهكمية جدا ومعتادة على هذه الحروب؛ التحذيرات التي يطلقها دغان، ديسكن واشكنازي تمر من فوق الرؤوس. في الولايات المتحدة وفي اوروبا، بالمقابل، ذهلوا. ومع ذلك، دغان، ديسكن وربما اشكنازي.

          باراك يتحدث بين الحين والاخر عن “مجال الحصانة” المحتمل في ايران، ذاك الذين في اثنائه ينقل الايرانيون تخصيب اليورانيوم الى مواقع محصنة ومتناثرة، ويصبح الهجوم غير ناجع على نحو ظاهر. النقطة التي يصبح فيها الايرانيون حصينين، الى هذا الحد أو ذاك، من الهجوم. ما حصل هذا الاسبوع هو أن الايرانيين، بقدر ما، دخلوا بارتياح الى مجال الحصانة – ليس الفني بل السياسي. حصل هذا في أعقاب السلوك الفضائحي للقيادة الاسرائيلية، في كل أطيافها. سيكون من الصعب جدا لباراك ونتنياهو أن يشرحا لواشنطن حاجة محتملة للهجوم، بعد أن أعربت كل قيادتهم المهنية السابقة – اعلاميا – عن معارضتها المطلقة والكاملة. وهما بصعوبة سينجحان في أن يشرحا هذا للجمهور الاسرائيلي، الذي سبق أن شكك في الماضي ولكنه الان يذكر أن ديسكن ودغان هما ايضا معارضان. فحدث استثنائي ومقلق جدا في طهران وحده، كمحاولة “الاقتحام” الى الامام في تطوير النووي، يمكن أن يقنع العالم الان.

          سلوك باعث على الصدمة

          في عواصم العالم، من واشنطن شرقا حتى اوروبا وآسيا يسألون الان سؤالا بسيطا: هل الاسرائيليون خدعوا على مدى كل الطريق؟ وزراء الليكود هاجموا هذا الاسبوع ديسكن ودغان على الضرر “الردعي” الذي لحق بدولة اسرائيل. كانت هذه محاولة “لتلوين” وتقليص الضرر من تصريحات ديسكن – الايضاح بان باراك ونتنياهو يحركان خطوات كبيرة وذكية اكثر مما يبدو سطحيا. بكلمات اخرى: لم نعتزم بالذات الهجوم على ايران، ولكن أردنا أن يخشى العالم من ضربة مفاجئة جوية، وكذا الايرانيون، كي تتراجع طهران والعالم يحرص نيابة عنا على الا تكون لايران قنبلة. الان جاء ديسكن ودغان، هذان المحبطان، ممن لا يفهمان بالغمز، وحطما كل شيء.

          هذه احبولة على احبولة وكذا كذبة. دغان وديسكن، وهكذا ايضا بعض السياسيين الكبار، يعرفون جيدا بان نتنياهو وباراك لم يخدعا. في الاحاديث الاكثر شخصية، الاكثرة انغلاقا، نجحا في اقناع سامعيهما بنواياهما الحقيقية. وخرج السامعون باحساس واضح بان قادة دولة اسرائيل يعتقدون بان كل الجداول تؤدي الى البحر وكل سيناريوهات ايران ستؤدي في النهاية الى المواجهة. وكان رئيس المخابرات، الموساد ورئيس الاركان يجلسون في هذه المحافل. ويخيل أن ثلاثتهم اقتنعوا قناعة عميقة في أن باراك نتنياهو ليسا بعيدين عن الامر بالهجوم والادق القول: ينبغي أن يكونا بعيدين اكثر، برأي قادة جهاز الامن. دغان وديسكن ليسا محبطين، وهما يفهمان الغمز والتضليل الذكي حتى أكثر من رئيس الوزراء ووزير دفاعه. وحتى لو كان باراك ونتنياهو يخادعان، من المعقول الافتراض أن دغان وديسكن كان يفترض بهما أن يكونا مطلعان على السر. وهما لم يكونا كذلك، وفضلا عن ذلك شعرا بحاجة عميقة للحديث على سبيل محاولة احباط امكانية هجوم حقيقي. يبدو أنهما يعرفان شيئا ما لا نعرفه. من كل زاوية نظر كانت على هذا السلوك، فانه سيء. وبمراعاة عمق التهديد الايراني والمعاني المحتملة للهجوم، فان هذا سلوك باعث على الصدمة. معالجة الشؤون الاستراتيجية مثل ايران تحتاج الى جدال عميق في القيادة السياسية الامنية ولكن ايضا الى فهم متبادل وقدرة على الاتفاق على نصوص مرتبة للتصدي لها. وهذا حيوي ليس فقط لعملية اتخاذ القرارات تكون سليمة بل وأيضا لقدرة شرح القرار للجمهور الاسرائيلي ولاصحاب القرار في العالم.

          الأخيرون بات يصعب منذ الان اقناعهم. فهذا الاسبوع نشرت “نيويورك تايمز” تقديرا عن محفل في الادارة الامريكية بان احتمال الهجوم على ايران قل؛ احد الاسباب المركزية التي ذكرت هو “الشرخ العميق” في القيادة الاسرائيلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.