معاريف – مقال – 16/3/2012 من انتصر؟ كل واحد وقصته - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – مقال – 16/3/2012 من انتصر؟ كل واحد وقصته

0 156


بقلم: عوفر شيلح

اسرائيل توجه قوتها الهائلة في كل مرة ضد عدو اصغر، صغره بالذات وضعفه يجعلانه غير قابل للهزيمة وصعب على الردع، بينما منظمة الامس تصبح شريك الغد، ان لم يكن لتسوية فلتفاهمات ما تسمح بوقف الجولة الحالية.

في السنوات الصعبة للانتفاضة الثانية كان تعبير “رواية”، المأخوذ بالاصل من حقل النقد الادبي، مفهوما استخدمه رجال الجيش أكثر مما تعلموه في دورات الضباط. الفلسطينيون ونحن، كما علمنا لابسو البزات، نوجد في صراع يجري على مستوى الوعي، وكل طرف يبلور له قصته، مع أو بدون صلة بما يجري على الارض. هكذا بالتأكيد بالنسبة لجولة العنف الاخيرة في قطاع غزة: لكل واحد، من رئيس وزراء اسرائيل وحتى آخر مقاتلي الجهاد الاسلامي، توجد له قصة خاصة به، ما كان هنا وما يعنيه هذا. كل واحد يعلن عن انتصاره بزمنه هو، كل واحد يستخلص استنتاجات بعيدة الاثر، معناها واحد: رغم كل التهديدات، رغم كل خيبات الامل في الطرفين، من شبه المؤكد ان ما كان هو ما سيبقى.

هذا الاسبوع وقف رئيس الوزراء على منصة الكنيست وقال، المرة تلو الاخرى الاسم الصريح للعدو: ايران. مسلحة الجهاد الاسلامي، ممولتها، خالقة بواسطتها قاعدة قوة في قطاع غزة، اثبتت في اثناء الاسبوع الماضي قوتها حتى حيال حكم حماس. المنظمة التي طردت بالقوة فتح من القطاع اقتيدت هذا الاسبوع من أنفها من قبل قوة اصغر منها بكثير، حسب التقارير، جنت ثمار التصعيد بشكل اعتباري في الشارع الغزي، وان كان ينبغي التعاطي مع هذه التقارير بضمانة محدودة. بالطريقة التي يفسرون عندنا فيها الامور، فان من يقاتل ضدنا يحظى دوما بالاعتبار. ليس دوما واضحا ما الذي يقدمه له هذا الاعتبار حقا.

رئيس الوزراء لم يقل ما هو في نظره معنى حقيقة أن ايران تقف خلف الجهاد. يخيل أنه يكفي لنتنياهو أن يقول ايران، وكل شيء يترتب في مكانه. ليس واضحا كيف يخلق هذا سياسة أمنية.

* * *

          رسالة واحدة نقلتها اسرائيل هذا الاسبوع بشكل واضح: ميزان الردع الذي تحاول منظمات الارهاب خلقه حيالها من خلال التسلح بوسائل اطلاق نار بكميات هائلة، لن يردعها من العمل، حتى عندما يكون واضحا بان ثمن العمل سيكون اياما من تبادل اطلاق النار، وحتى عندما يكون واضحا بان احدا في القيادة لا يفكر بجدية بقيادة خطوة هجومية واسعة.

          تصفية زهير القيسي لم تكن عملية احباط مركز: في ذات اليوم قال وزير الدفاع انه ليس واضحا اذا كانت التصفية بالفعل ستوقف العملية، التي تحاول لجان المقاومة اصدارها من سيناء. صحيح حتى الان، خطر العملية لم يزل، وليس واضحا اذا كان قتل القيسي سيغير النية لتنفيذها. اكثر بكثير منها لاحباط العملية بالفعل، التصفية جاءت لاطلاق رسالة.

          هذه رسالة هامة: فهي تؤشر للمنظمات في غزة بان اسرائيل لن توافق على “قواعد لعب” من النوع الذي جرى لسنوات في لبنان حيال حزب الله. وهي تتعاظم بسبب نجاح منظومة قبة حديدية في اعتراض كميات كبيرة من الصواريخ والسلوك الراشد والمسؤول للجبهة الداخلية بشكل عام، والتي بلا ريب انقذت الحياة. ولكن على نحو مفعم بالمفارقة، هذه الحقيقة تعمل في الاتجاهين: الجهاد ايضا كان يمكنها أن تواصل اطلاق النار بكميات كبيرة إذ ان النتائج كانت على نحو لم تجر اسرائيل الى ما وراء شفا التصعيد المعقول من ناحيتها. عندنا تحدثوا عن خيبة أمل المنظمات من أنها لم تنجح في قتل اسرائيليين؛ في روايتهم، اطلقوا نحو 200 صاروخ، بما في ذلك لمدى بعيد جدا وبما في ذلك نار يومية على مدينة كبرى كبئر السبع، واسرائيل لم تتجرأ على اجتياز الحدود وبدت كمن تسعى الى انهاء الجولة في أقرب وقت ممكن.

* * *

          بضع كلمات عن الردع: يدور الحديث عن قول قديم ومدحوض للغاية من جانب جهاز الامن والجمهور في اسرائيل. الردع لم يكن موجودا على المستوى السياسي – بعد اقل من سنتين من هزيمة ناصر في الايام الستة شرع في حرب استنزاف، وبعد أربع سنوات من ذلك انطلقت مصر وسوريا الى حرب شاملة. وبالاحرى هذا لا يوجد في الواقع العربي المميز الذي تكون فيه القوة الحاكمة (حكومة لبنان، السلطة الفلسطينية، حماس) تنجح دوما في ان تكون مسؤولة عن النشاط المسلح الذي ينطلق من اراضيها.

          كل مفهوم الردع يقوم على اساس الاعتقاد في أننا فقط اذا ما ضربنا العربي بما فيه الكفاية من القوة فسيتعلم الا يتحرش بنا. هذا نهج لا ينجح علينا (جمهور له ما يخسره) ولن ينجح عليهم. الامر الوحيد الجيد في الردع هو أنه لا يمكن قياسه، الامر الذي سمح هذا الاسبوع للجيش الاسرائيلي بالاعلان عن النصر، وفي ذات الوقت القول ان الجولة التالية هي مسألة وقت.

* * *

          على المستوى العملياتي – الهجومي ايضا نجد أن الرواية أكبر قليلا من الاحداث نفسها. منذ فك الارتباط ونحن نسمع عن تحسن وتطور في تحصيل المعلومات الاستخبارية مما يتيح اغلاق سريع لدوائر النار. قد يكون كل هذا صحيحا وان كان ليس من التفاهة ان نذكر بان ذات منظومة الاستخبارات دون الدخول الان في الانتماء للاجهزة، فشلت على مدى خمس سنوات في الحصول على معلومات عن مكان وجود جلعاد شاليط. للانسان الذي يتغذى من معلومات من الخارج يصعب عليه ان يعرف كم من الاهداف لم تهاجم بسبب انعدام اليقين، وذلك من أجل المنع (وعن حق تام) امكانية خلل يغير تماما الصورة في العالم. ولكن على حالها تقف الحقيقة بانه في قانون الاعداد الكبيرة للارهاب ليس مهما حقا كم احبط ومن اصيب: عمليا، المنظمات تطلق النار بالكميات بناء على قرارها.

          في السطر الاخير، يحتمل أن من كسب اكثر من الجميع هو من لم يشارك في القتال. أولا، مصر، التي اثبتت لاول مرة منذ سقوط مبارك بان حتى في وضعها الداخلي الحساس هي الجهة التي يتوجه اليها كل الاطراف كي يتاح لها ان تتوقف والى جانبها حتى حماس: فقد تكون أقل شعبية، ولكنها حظيت بشرعية متصاعدة كمن كانت في نهاية المطاف شريكا في مسيرة أدت الى الوقف الرسمي للقتال، والذي خرق على الفور من المنظمات في غزة.

          ها هي، على ما يبدو، المسيرة الجارية في الشرق الاوسط في ظل عدم وجود مفاوضات، حين يكون الطرفان مقتنعان بانه لا يوجد مع من يمكن الحديث: اسرائيل توجه قوتها الهائلة في كل مرة ضد عدو اصغر، صغره بالذات وضعفه يجعلانه غير قابل للهزيمة وصعب على الردع، بينما منظمة الامس تصبح شريك الغد، ان لم يكن لتسوية فلتفاهمات ما تسمح بوقف الجولة الحالية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.