معاريف - مقال - 15/7/2012 لا ثمن للحرية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – مقال – 15/7/2012 لا ثمن للحرية

0 106

بقلم: جدعون كوتس

ليبيا الجديدة تبحث عن طريقها بين الليبرالية ونفوذ الاخوان المسلمين.

          الى جانب المشهد الذي تقشعر له الابدان وتكرر هذا الاسبوع المرة تلو الاخرى، مسلحون من كل الانواع – جنود، شرطة، لابسو بزات غير معروفة ومجرد مواطنون يرفعون أسلحتهم باستعراض استفزازي – كان هناك مؤشر آخر عكس الحرية المتجددة للشعب في ليبيا. الاف المنشورات واليافطات للمرشحين المختلفين في الانتخابات للجمعية الوطنية التأسيسية. بعضها علقت على الجدران والعواميد، الامر الذي تطلب تخطيطا معينا، ولكن معظمها نصبت في مواقع اعدت على عجل على طول الارصفة وهوامش الطرقات والميادين. وبلغت الامور لدرجة أنه في شوارع معينة في وسط طرابلس كان من الصعب السير على الرصيف دون ان يسقط المرء بالخطأ يافطة مرشح أو مرشحة. معظمهم بالمناسبة غير معروفين على الاطلاق لجمهور الشارع.

          وفي صالح اليافطات يقال انها تعاملت باحترام الواحدة مع الاخرى – فقد وجد مكان لها جميعا وكل واحدة احترمت وجود الاخرى. وكان يمكن أخذ الانطباع بانها أعادت لمواطني ليبيا هويتهم واحترامهم لانفسهم بعد أكثر من أربعين سنة من الخوف كاد هذا فيها ينسحق تماما تقريبا. سنوات كانت اليافطات الوحيدة التي يسمح برفعها على الملأ هي لمعمر القذافي في جملة أزيائه.

          في شوارع العاصمة تذكروا هذا الاسبوع كيف أنه في ذروة جنون الحاكم حظر على مذيعي كرة القدم ذكر أسماء لاعبي المنتخب الوطني، كي لا يتم تشجيع عبادة الشخصية لهم. ولهذا قد كان يدعى اللاعبون بالارقام التي على قمصانهم. من السهل التخمين بان أيا من الليبيين لم يشعر بحنين لذاك الشذوذ، حين شاهد عشية يوم الانتخابات، مساء السبت، مباراة منتخبه ضد المغرب. هذه المرة كان المذيعون يذكرون باستمتاع اسم كل لاعب ولاعب.

          الحرية والتحرر لم يساعدا المنتخب، الذي هزم اخيرا وبالفعل – الثورة لم تحل كل المشاكل في الدولة. فضلا عن ذلك فان الانتقال من سلطة مركزية وذات نزعة قوة الى مجتمع حر يبعث مشاكل جديدة. غازي فلبوم، صحفي ليبي كبير ومؤسس الاتحاد لحرية الاعلام، يجسد ذلك من خلال غابة اليافطات والبوسترات. وهو يقف عند الفارق بين مرشحين اصدروا يافطاتهم بمالهم الخاص او بتمويل الصندوق العام، اذا كانوا عاملين لدى القيادة المؤقتة، “المجلس الانتقالي” وبين اولئك الصغار الذين دحروا الى الهوامش. لرجال الحكم والاغنياء كما يضيف توجد أيضا قدرة وصول الى وسائل الاعلام في اثناء الحملة الانتخابية. اما المرشحون الصغار، عديموا الوسائل، فقد اضطروا للاكتفاء باعلانات الشارع. هذا هو الدرس الاول الذي تتعلمه ليبيا رغم أنفها عن السوق الحرة: فالمال، وما العمل، يتكلم.

          اين القذافي واين ساركوزي

          أتجول بين جزر الخرائب وأكوام القمامة النتنة في منطقة واسعة كانت ذات مرة رمز الحكم القديم: نطاق السيطرة المدنية والعسكرية في باب العزيزية. قبل خمس سنوات بالضبط كنت – وليس لطيفا الاعتراف – هنا تماما، بصفتي ضيفا على معمر القذافي في وليمة عشاء احتفالية، حين رافقت مع مراسلين آخرين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدى زيارته الرسمية الى ليبيا. وقد اهتم الاخير عندها في الامكانيات المالية الكامنة في التعاون مع القذافي، ومعقول الافتراض بانه لم يحلم بامكانية ان يقود ذات يوم هجوم الناتو الذي سيؤدي الى وضع حد لحكم محادثه.

          هنا كانت ساحة الطوابير العسكرية وفي وسطها تمثال مذهب، غريب بعض الشيء، لقبضة تحمل نموذجا لطائرة قتالية امريكية – تلك الطائرة التي قصفت في الماضي النطاق وأدت، كما ادعى القذافي على مدى السنين، الى موت ابنته. ومؤخرا فقط تبين ان تلك الابنة لم تصب الى الاطلاق وواصلت تعليمها وحياتها، مخفية عن العين بسبب تلك الاسطورة الكاذبة التي طورها ابوها.

          في اثناء الثورة احتل مقاتلو مدينة مسراطة باب العزيزية، اقتلعوا تمثال القبضة ووضعوه في مدينتهم (وبالمناسبة هم الذين عرضوا بفخار جثة القذافي داخل غرفة ثلاجة ملحمة، بعد ان قتلوه). والمكان الجديد للتمثال تحدد في ظل مبنى عظم سكني مدمر ويخترقه الرصاص، الذي كان القذافي يتواجد فيه في اثناء الهجوم، وابقي هكذا على سبيل التذكير. اما اليوم فحتى هذا المبنى العظم اختفى. لهذه الدرجة بلغت الفوضى.

          هنا، في مبنى آخر في النطاق، سكنت “امازونيات” القذافي – الحرس النسوي الخاص الذي كان يرافقه في كل سفرياته. نظرت اليهن في حينه عن كثب ورأيت أنهن بالذات لسنَ نساء شابات، بل انهم شبن مع زعيمهن. وقد أبقى عليهن كما يبدو كذكرى لشبابه. اليوم، كل النساء اللواتي التقيتهن في شوارع طرابلس، شابات وكبيرات في السن على حد سواء، محجبات. لم يعد هناك أمازونيات متحررات. ليبيا المتجددة تعود بخطوات مدروسة الى الشريعة الاسلامية.

          من المسؤول

          يؤشر سائقي كامل في احدى جولاتنا الى أمر فيقول ان “هنا أجرى القذافي آخر ظهور له في التلفزيون بخطاب “زنقة زنقة” الشهير. وداخل النطاق المهجور الذي لم يتقرر بعد ما العمل به، توجد اليوم بعض المباني التي يعلوها علم ليبيا الحرة. فقد سيطر عليها مقاتلو القبائل والميليشيات الذين جاءوا لتحرير طرابلس وقرروا البقاء فيها وعدم العودة الى البلدة أو الى الصحراء. الحكم المؤقت لم يتجرأ على التدخل. فهؤلاء هم اليوم قوة هامة في ليبيا.

          المستوطنون في باب العزيزية مسلحون بالطبع حتى الرأس، مثل كل ليبي ما بعد الثورة يحترم نفسه. وهم لا يسعدون بالزوار، وتستأنف سيارات الاجهزة السرية نشاطها ومنها لرجال قدامى عرفوا كيف يغيرون جلدتهم في اللحظة المناسبة – وتسير قرب الاسوار المدمرة. التصوير ممنوع. شبان وشابات جريئون، كما يقال، يتسللون ويتنزهون هنا في الليل، استمتاعا على ما يبدو برائحة الخطر.

          احد هؤلاء القدامى هو محمود جبريل، الذي كان ذات مرة شريك ابن القذافي، سيف الاسلام، في ادارة السياسية الاقتصادية للدولة. جبريل بالتأكيد عرف كيف يترك في الوقت المناسب والوقوف على رأس الحكومة الانتقالية للثوار، حيث ادار بنجاح الاتصالات مع ساركوزي ورجاله على تجنيد قوات الناتو بمساعدة قوات الثورة في الحرب الاهلية الضروس والطويلة. اما اليوم فانه يقف على رأس الحزب الليبرالي، “اتحاد القوى الوطنية”، المنتصر الاكبر في الانتخابات هذا الاسبوع. وبالمناسبة، فان مقر الحزب يقع في احد المنازل التي وضعت تحت تصرف القذافي في حي غلغامش الفاخر في الايام التي سعى فيها الى الانخراط بالسكان كي يفر من محاولة اغتيال متوقعة أو من قصف الناتو. نتائج الانتخابات تبين أن جبريل فاز باغلبية متماسكة من المقاعد الثمانين المخصصة للاحزاب المنظمة. اما مصير المقاعد الـ 120 التي خصصت للمرشحين “المستقلين”، اولئك ذوي اليافطات والبوسترات، فلم يكن واضحا على الاطلاق عند كتابة هذه السطور.

          والسبب في ذلك هو أن حزب “العدل والبناء” الفرع الليبي للاخوان المسلمين هدد جبريل بمناورة على نمط مصر: ادخال مرشحين متماثلين مع الاخوان في الاطار المخصص للمرشحين المستقلين. في ضوء هذا الخطر ومن أجل ازالة صفة “العلمانية” التي التصقت به – بسبب الفتوى التي أصدرها عليه مفتي طرابلس،  للاشتباه به بالتعاون مع العلمانيين – سارع جبريل الى الاعلان عن أنه سيوافق على تشكيل حكومة وحدة مع الاخوان ومع احزاب اخرى. كما وعد بان يستمد الدستور الجديد لليبيا مصادره من الشريعة. “هذا سيكون فقط احد المصادر”، يهدئني حمودي سياله، الناطق بلسان “اتحاد القوى الوطنية” بقيادة جبريل. “نحن امة ودولة اسلامية، ولكن بين مبادىء الدستور سيكون احترام كل الاديان”.

          احد ضيوف الشرف في يوم الانتخابات، السناتور الجمهوري جون ماكين، المرشح السابق للرئاسة، قال هنا انه لا حاجة للخوف من الاسلام “المعتدل” وشرح دون أن يدقق تماما بان دولة اسرائيل ايضا تقوم على الدين اليهودي، ومع ذلك فانها ديمقراطية. ويعتقد سياله بان دمج تعدد الاديان في نسيج الحياة الليبية، في هذه المرحلة “ليس عمليا” ولكن احترامها يجب أن ينص عليه الدستور. ليس هذا هو رأي الصحفي المتفائل غازي فلبوم، الذي يرى كامكانية أكثر معقولية عودة اليهود الى ليبيا والتطبيع في العلاقات مع اسرائيل. تطبيع من هذا النوع، يدعي سياله، هو “قصة اخرى”، لا يندرج في برنامج حزبه. وبالنسبة للدعم المفهوم من تلقاء ذاته “في الموضوع المقدس لكل العرب، حق الفلسطينيين في الدولة”، يقول ان “ليبيا الجديدة تقبل بكل حل يقبلونه هم أنفسهم”. يمكن لمؤيدي الدولة ثنائية القومية في اسرائيل من اليمين ومن اليسار ان يتذكروا بسخرية الحل الابداعي للقذافي – دولة واحدة تسمى “اسراطين”، تكون عضوا في الجامعة العربية.

          سياله، رجل وسيم يتحدث الانجليزية بطلاقة، هو مهندس تجند للثورة وقرر البقاء بعدها في السياسة “من أجل بناء الدولة الجديدة”. تحدثت معه عن مشاكل ليبيا الجديدة الفورية: اقامة المؤسسات من العدم والحاجة العاجلة الى جمع السلاح من السكان. وهو يعترف ايضا بان “عدد الاسلحة التي تتجول في ليبيا يفوق عدد مواطنيها”. مكانة المرأة في الدولة الجديدة هي ايضا مسألة اخرى لا تبدو واعدة، صحيح حتى اليوم. ويوافق سياله على أنه يتعين معالجة هذا الامر ايضا، ولكنه يوجه الانتباه الى حقيقة رئاسة النساء للمنظمات المدنية التي تشكلت في عهد الثورة. “لا طريق للعودة”، يحاول ان يهدىء المخاوف بالنسبة للتراجع الى الوراء عن الحداثة، “دفعنا ثمنا باهظا جدا كي نصل الى ما وصلنا اليه”.

          وينعكس الثمن في كل زاوية شارع. في طرابلس بقي غير قليل من جدران المنازل المفحمة التي يخترقها الرصاص، الى جانب هياكل مباني مدمرة جراء اصابات دقيقة من طائرات الناتو. معظمها لاهداف عسكرية ولكن ليس فقط عسكرية، كما يعترف السكان بحذر. الحي القديم الذي كان يسكنه في الماضي مسيحيون ايطاليون، يهود وعرب بتفاهم وباخوة على حد قول كمال سائقي العجوز، يبدو هو أيضا كمن خرج من القصف، ولكن هذه المرة لم يكن هذا قصف بل ببساطة اهمال. فبعد هرب اليهود، اسكن القذافي فيه المرتزقة الافارقة لديه. واليوم يسكن هناك مهاجرون سودانيون يتعامل سكان طرابلس معهم بشك ومقت.

          في ساعات الليل يأخذني كمال الى مطعم السمك “شط المنشير” على الطريق الساحلي. وكانت هنا ذات يوم سلسلة من المطاعم ، أما اليوم فلم يتبقَ سوى واحد. تناولت سمكتين على النار هي ألذ ما أكلت في عمري. العائلات والناس  يأكلون في غرفة مجاورة. “المطاعم والاعمال التجارية الاخرى ستبدأ بالعودة الى هنا وسيكون عندنا الكثير من السياح”، يحلم الصياد منشير، وكمال يرى فجأة في المواجهة، خلف البحر المظلم، ايطاليا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.