معاريف - مقال - 15/3/2012 إشارة من غزة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – مقال – 15/3/2012 إشارة من غزة

0 456

بقلم: نحمان شاي

نائب عن كديما وناطق عسكري سابق

اسرائيل لا يمكنها أن تبقى لامبالية تجاه نضوج حماس وعملية قبولها التدريجي. في المدى القصير القوة العسكرية تتحدث، وهي تستهدف تحقيق الهدوء في صالح الطرفين. في المدى البعيد سيتعين على اسرائيل أن تدرس اذا كانت حماس اصبحت محاورا؟.

       في المواجهة الحالية بين اسرائيل ولجان المقاومة الشعبية تسير اسرائيل على شفا الهاوية. حتى كتابة هذه السطور اضاء لنا النجاح وجهه. المنظومات التكنولوجية المتطورة التي طورتها اسرائيل تقوم بعملها على أفضل وجه. في الجانب الهجومي تنجح الطائرات غير المأهولة، التي تستند الى معلومات استخبارية امينة ومصداقة في أن تضرب بدقة جراحية اهدافا على الارض واحباط النار تقريبا دون أن تمس بغير المشاركين. ولكن كلما مر الوقت، فان من شأن مواطنينا على جانبي الحدود ان يصابوا باذى. هذا هو مثل الفارق بين التوبيخ والوسام.

          في الجانب الدفاعي، قبة حديدية هي نجاح غير مسبوق. اسرائيل تقوم  بالمتعذر في القتال غير المتماثل بين الاكبر والاقوى وبين الاصغر والاضعف ظاهرا؛ ظاهرا لان خلاصة هذا القتال المسمى مواجهة محدودة أو قتال بقوة متدنية هي في قدرة الصغير والضعيف على المس بنجاحة بخصمه. وحتى لو لم تلحق هذه الهجمات اصابات عديدة للعدو ولا تخرجه عن نطاق العمل، مثلما في الحرب الكبيرة، فانها تكوي حضوره ونشاطه في اوساط السكان المدنيين فتؤثر بذلك على وعيه. ولهذا فان هذه حرب على الوعي، وليس بالذات صدام مادي واسع النطاق في ميدان المعركة.

          لوسائل الاعلام دور مركزي في مثل هذه المواجهة، وذلك لانها تعظم أثر الاصابة وتمنحها ابعادا اضافية. ولهذا حتى عندما تعترض اسرائيل عشرات الصواريخ قصيرة المدى، فان مليون نسمة ملتزمون ببيوتهم يجتازون تجربة شخصية وجماعية صعبة تصمم اراءه ايضا. بالمقابل، فان لجان المقاومة تبث خيبة امل كبيرة كونها لم تنجح في أن ترفع المعركة ضد اسرائيل الى رأس الاخبار في وسائل الاعلام العربية.

          اسرائيل بالفعل وصلت الى انجازات في حربها ضد الارهاب. الارهاب في يهودا والسامرة قمعته تماما تقريبا، وفي غزة ايضا تنجح في الابقاء عليه في مستوى منخفض بل وخاضع للرقابة. غير أنه لم يعثر بعد على الطائرات أو الصواريخ الذكية التي تعرف كيف تدمر الايديولوجيا. فالايديولوجيات لا يمكن احباطها. قبلنا تعلمت ذلك الدول الكبرى والاقوى منا كالولايات المتحدة، بريطانيا، روسيا وفرنسا. الايديولوجيات تبقى على قيد الحياة وهي تنبت اجيالا جديدة من الارهابيين الذين يأتون في أعقاب سابقيهم، مثلما ثبت في حالة زهير القيسي.

          كارل فون كلاوزفتس، عظيم المفكرين العسكريين قال: “الحرب ليست سوى استمرار للسياسة باشكال اخرى”. نعم نحن نتعلم العكس كون الدبلوماسية هي استمرار للحرب والكفاح المسلح. بتعبير آخر: عندما تخمد النار وينتهي اطلاق النار، يأتي دور الحوار. يجب أن يكون حوار.

          أعرف أن حماس مرفوضة للمفاوضات مع اسرائيل طالما لم تقبل بشروط الرباعية ولم تغير سياستها الاساس الداعية الى ابادتها. وعليه، فلا حوار معها. ومع ذلك، نتبادل معها الرسائل وندير معها مفاوضات وهكذا نعترف بحقيقة أنها رب البيت في غزة وأنها حتى الراشد المسؤول الذي يحاول لجم الاشتعال. حماس، مثل نظيرها في الشمال حزب الله، تستقر بالتدريج، تتبنى مزايا الحكم وتتعلم قيود القوة، كمن ترغب في أن تحظى باعتراف دولي. اسرائيل والاسرة الدولية يمكنهما أن تستخدما ضدها روافع جديدة وليس بالذات “قوة شديدة”، قوة عسكرية وعقوبات اقتصادية، بل قوة رقيقة معناها تبني انماط ومعايير سلوك الكيان السياسي.

          حماس تصالحت ايضا مع السلطة الفلسطينية، ومعا تبنيان حكومة انطلاقا من النية لربط شطري السلطة. اسرائيل لا يمكنها أن تبقى لامبالية تجاه نضوج حماس وعملية قبولها التدريجي. في المدى القصير القوة العسكرية تتحدث، وهي تستهدف تحقيق الهدوء في صالح الطرفين. في المدى البعيد سيتعين على اسرائيل أن تدرس اذا كانت حماس اصبحت محاورا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.