معاريف: طهران مقابل غزة
معاريف 13/2/2026، ران أدليست: طهران مقابل غزة
ظاهرا، التقى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو كي يفحصا كيف سيؤثر الوضع الحالي في ايران – بلا بلع بلا تقيؤ على مصيرهما السياسي. عمليا عني البحث المركزي بغزة. ترامب لا يحتاج إسرائيل بعد أن بنى قوة عليا في الشرق الأوسط وفي الخليج الفارسي. الاستخبارات الإسرائيلية تعمل على أي حال لدى البنتاغون.
ترامب ليس الرجل الذي يتقاسم مجدا قتاليا مع فارق حظوات خبير بقدر لا يقل عنه. معقول الافتراض بان الاستجابة للقاء تنبع من التخوف من مبادرة منفلتة العقال يقوم بها نتنياهو تكون كفيلة بتخريب الجدول الزمني الأمريكي. فقد سبق لنتنياهو أن اثبت بانه ثور منفلت كفيل بان يخرب الأمور، مثلما في أيلول 2025، في الهجوم الإسرائيلي الغبي والفاشل في الدوحة والذي اخرج ترامب عن طوره.
لقد التقى ترامب ونتنياهو فيما أن لكليهما صندوق مفاسد يهددهما بقدر لا يقل عن نتائج الحرب ضد ايران – كانت أم لم تكن، ومن شبه المؤكد الا تكون. ولا يزال، الضغوط من الداخل ستبقى. نتنياهو يأتي مع أصوات أصداء الانهيار في محاكمته، احتمال يضعف النصر في الانتخابات وخليط سام من الإخفاق والفساد.
اما ترامب فيأتي مع احتمال لان يخسر في انتخابات منتصف الولاية ومع وثائق جيفري افشتاين مع رائحة نزعة رغبة جنسية بالأطفال. هذه ليست سرقة محافظ أمنية سرية انقذ منها “قانونيا” من خلال منع التحقيقات. كما أن فتات هوى تكون بالصدفة في بيته لم تهز قيم عائلة الجمهوريين. في حالة افشتاين قام عضو كونغرس جمهوري وصرح: “نحن لا نريد ذا نزعة حب جنسي للأطفال في البيت الأبيض”. وكل هذا الشر على خلفية نزعات شخصية من الغباء، الوحشية، لدى ميليشيات المهاجرين خاصته، فساد مالي وجنون عظمة.
وصل نتنياهو الى البيت الأبيض أساسا بسبب خطة السلام في غزة. قد تكون ايران تهدد دولة إسرائيل، لكن غزة تهدد الائتلاف. ومن هنا جاءت العجلة. في هذه الأيام تعرقل إسرائيل عمل حكومة التكنوقراط المعدة لادارة غزة في صالح تنفيذ اتفاق العشرين نقطة التي في نهايتها دولة فلسطينية. فيما أن ترامب يضيف هذا الأسبوع معارضة للاستيطان في الضفة.
قبل الطلب العاجل للقاء مع ترامب، التقى نتنياهو ستيف ويتكوف وجارد كوشنير. وبصفتهما مستشارين عقاريين للترامب شرحا لنتنياهو قوانين اللعب مع ايران وغزة. قد يكونا حاولا “إقناعه” مرة أخرى بانه من المجدي له ان يعمل على عجل في كل ما يتعلق بدخول حكومة التكنوقراط، دخول قوات برية وقبول السلطة كشريك في مساعي الاعمار. ولعلهما وبخاه على تسخين حوادث في القطاع وفي الضفة.
اللقاء مع الرجلين سار فيما ان الجميع على وعي لمشكلة توريد السلاح التي بلغ بها رئيس الأركان نتنياهو حتى عاد من واشنطن. نتنياهو المفزوع استجدى على الفور لقاء مع ترامب. ليس لانه يعتقد بانه سينجح في المناورة عليه في موضوع غزة، بل بسبب المظهر. ماذا ستقول القاعدة وبخاصة مترددو الليكود والسموتريتشيين حين يخضع للرجلين اللذين هما مثابة فتيين رسولين. اما الخضوع لترامب فهذه قصة أخرى.
افترض أن الرجلين اوصيا ترامب ان يوافق على اللقاء مع نتنياهو. ربما عقب قدرته على ان يضر باللعبة الحساسة تجاه ايران. ولا يزال، ترامب بحاجة للجيش الإسرائيلي كي يغلق زوايا اذا ما نشبت حرب. اما نتنياهو، الذي حاول أن يأخذ معه مندوبا من سلاح الجو، وكأننا نحن أيضا في اللعبة، فقد كبح على الفور. ممتاز. اتفاق سيء افضل من حرب ناجحة.
استثمار الخضوع
بالتوازي فعّل نتنياهو آلة أحابيله ضد ويتكوف وكوشنير في نوع من التحذير المؤلم. احد العناوين قال: “تحذير خطير من الولايات المتحدة: ويتكوف هو قصة غير جيدة من اجل إسرائيل، كوشنير طماع”، وواصل: “بينما ينسج اتفاق نووي جديد مع ايران، يختار نتنياهو الصمت حيال ترامب – وفي الجالية اليهودية في الولايات المتحدة يحذرون من صعود قوة المبعوث ويتكوف والثمن الذي من شأن إسرائيل أن تدفعه”. الخطأ الوحيد في العنوان هو ان الاثنين هما “قصة غير جيدة لإسرائيل”، بينما يدور الحديث عن قصة ممتازة لإسرائيل. هذان العقاريان يفترض بهما أن يدفعا حكومة إسرائيل الى التنازلات اللازمة لاجل ان تصل الى الهدوء في الشرق الأوسط. هما بحاجة الى الهدوء لغرض اعمالهما التجارية، وإسرائيل بحاجة الى الهدوء وبالفعل… لاجل الهدوء.
بالتوازي تم تفعيل آلة الاحابيل حيال نية ترامب أيضا لان يجري مع ايران مفاوضات تقفز عن تصفية مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية. “ترامب يتراجع عن الخطوط الحمراء”، بشر عنوان صحفي. حقا؟ لترامب ونتنياهو لم تكن ابدا خطوط حمراء أو إشارات ضوء حمراء. موقفهما كان دوما اصفر متردد، ولم يكن واضحا ابدا اذا كان هذا سيتحول الى اخضر أو أحمر.
لاجل الاثبان بانه يخوض صراعات بطولية من أجل أمن إسرائيل، يرسم نتنياهو خطوطا حمراء وهمية للاتفاق الايراني – الأمريكي، وبينها صواريخ باليستية. ليته يفعل. لكن أحقا؟ كيف يمكن الحظر على ايران – او في السياق الدولي او على كل دولة مهددة من الجو – انتاج صواريخ باليستية. وبخاصة بعد أن اثبتنا بان لدينا القدرات لان نخلق ممرا جويا نظيفا حتى طهران. لا حاجة لان ننتظر اليوم ميزان رعب نووي يمنع حربا مع ايران. فقدرة إيرانية مسنودة بمئات او الاف الصواريخ كفيلة بان تتحول الى ميزان رعب صاروخي يشلنا ويشل الإيرانيين على حد سواء، وما الضير؟
ولا يزال، قواعد اللعب حيال الإيرانيين يقررها ترامب ورجاله، وليس لديهم ذرة مشكلة في أن يضحوا بدولة إسرائيل. في منتصف اذار 2025 أمر ترامب بهجمات جوية وبحرية ضد الحوثيين في اليمن بسبب ما يلحقونه من ضرر بحرية الملاحق وبتدفق توريد النفط للغرب. وكانت الأهداف هي قواعد، منظومات دفاع ومواقع عسكرية للحوثيين. لاحقا وقع مع الحوثيين على اتفاق بعدم الحاق الأذى المتبادل، وأبقى إسرائيل خارج التسوية في ظل تهديد حوثي متواصل على حرية الملاحة الإسرائيلية. حتى اليوم. انظروا الى ميناء ايلات.
اليوم، المهمة الإيرانية لترامب ورجاله هي انقاذ انفسهم من ورطة استعراض عضلات عسكرية تظاهرية ومن قائمة مطالب متعذرة (بما في ذلك الصواريخ الباليستية التي طرحت على الإيرانيين. المهمة الإيرانية لنتنياهو، من ناحية ترامب ورجاله هي الجلوس بصمت وان يكون مستعدا للامر للتدخل اذا ما تعقد الوضع. كلاهما مهددان من خيار شمشون لدى خامينئي: فعل شهيدي لقتال يتجاوز الاستعراض التلفزيوني المتفق عليه؛ اطلاق نار كرد إيراني كثيف – وعدد القتلى صعب على الهضم؛ واشعال إقليمي لمنشآت النفط وأسعار البرميل التي هي مصفية حياة مهنية لترامب ونتنياهو.
بالفعل، كلاهما يريدان حربا خاطفة وناجحة، وكلاهما مهددان داخليا بقرار للذهاب الى اجراء متواصل على بنود اتفاق ما. ترامب حيال السخف والعجب من اجل من وماذا كانت حاجة لرفع مستوى استعراض العضلات، ونتنياهو، الذي سيلقى به لتنفيذ مراحل اتفاق التسوية في غزة. بين القعود بصمت وبين استخدام سلاح الجو والتضحية بمواطني إسرائيل في صالح الجهد الأمريكي، يحاول نتنياهو استثمار الخضوع لاملاء امريكي في ايران مقابل ابطاء وتيرة الاعمار في غزة. التهاني بمناسة مشاركتك كشريك في مجلس السلام. سمعت انك تعارض التعاون مع تركيا وقطر. انضج.
إذن ما الذي سيكون؟ سواء كانت حرب او اتفاق، النتائج ستبتلع في العواصف التالية وفي المقابر. مثلما في كل فشل، هذان الاثنان، ترامب ونتنياهو سينفضان ريشهما وسيحاولان الإقلاع كنسرين، حتى لو كانا دجاجتين.



