ترجمات عبرية

معاريف : خطورة المساس بمشاعر المسلمين في الاقصى

معاريف 21/4/2022 – بقلم: ألون بن دافيد

يصعب علينا أحياناً نحن الإسرائيليين، خصوصاً العلمانيين منا، أن نفهم عمق معنى الحرم للعالم الإسلامي وأي شدة تفجير هائلة ينطوي عليها برميل البارود الذي يسمى الأقصى. رمز مقاييسه متواضعة، نحو 135.000 متر مربع فقط، ولكنه يلمس الإحساس الديني لكل مسلم، وقد يخرج إلى الشارع أناساً من نواكشوط في موريتانيا وحتى جاكرتا في إندونيسيا.
هاكم قصة سمعتها من صديقي، رجل سلاح الجو، غيورا روم، يمكنها أن تجسد هذا المعنى: في آب 1969 دخل شاب أسترالي مضطرب نفسياً إلى المسجد الأقصى، وحاول إحراقه. أطفئت النار ولكن بعد أن أتت على المنبر الذي نصبه صلاح الدين قبل 900 سنة وأحرقته. غضب العالم العربي، وحتى مجلس الأمن في الأمم المتحدة أصدر تنديداً، رغم أنه كان عملاً فردياً.
بعد ثلاثة أسابيع من ذلك، يجد الطيار الشاب روم نفسه، بطل الإسقاطات الأول لسلاح الجو، في طائرة ميراج فوق دلتا النيل، فقد نجحت طائرة ميغ مصرية في إسقاطها، أصيب روم بجروح خطيرة في ساقه، وصل إلى الأرض، وهناك تقبض عليه عصبة من القرويين المصريين، فيفرغون فيه غضبهم. وبعد أن طعنوه بمنجل، نقلوه إلى عيادة في بلدة نائية ربما لم يسمع بها معظم المصريين.
لا يوجد طبيب في البلدة، وبعد ساعات يصل طبيب من بلدة أخرى يخدر روم ويجري عملية جراحة في ساقه. عندما يستيقظ من العملية، يجلس إلى جانبه مصري. وبحنجرة مخنوقة يطلب روم الماء فيجلب له الممرض قطنة مبللة. وبعد أن يرطب شفتيه يتوجه إليه الممرض ويسأله: “قل، من أحرق الأقصى؟”. أما الجواب المنطقي الوحيد الذي ينجح روم في أن يفكر فيه، فكان: “لست أنا”.
السنة 1969: لا يوجد إنترنت أو تلفزيون فضائي أو هاتف خلوي، وبصعوبة تجد خط هاتف أرضي، لكن ما يشغل بال الممرض المصري في تلك البلدية النائية، الذي يلتقي لأول مرة بإسرائيلي عن كثب، هو ما حصل في الأقصى. أحياناً، ينسى كثيرون منا أو لا يفهمون قوة هذه العلامة البارزة. أما مشعلو النار فهم الذين يفهمونها جيداً، ولهذا يحاولون في كل مرة تقريب أعواد الثقاب من البارود على أمل إشعاله.
لا مفر لنا
في هذا السياق، يجب أن نرى ما يحصل بيننا وبين الشركاء والأصدقاء الجدد لنا في المنطقة. فعندما تغرق الشبكة الإسلامية بالتحريض وكأن إسرائيل تغير الوضع الراهن في الحرم، حينئذ لا يمكنهم أن يتجاهل زعماء المنطقة مشاعر جمهورهم. ففي حالة الملك الأردني، لا نجد هذا لدى الجمهور وحده، بل وفي ساحة الملك الداخلية أيضاً.
يفهم الملك عبد الله جيداً تعلقه الاستراتيجي المطلق بإسرائيل، وهو تعلق متبادل أيضاً. لو كان ممكناً كشف عمق التعاون الأمني بيننا وبين الأردن، لدهش معظم الإسرائيليين. لكن عبد الله قلق جداً أيضاً من شعبية الإخوان المسلمين المتزايدة في بلاده، وأكثر من هذا، من الشكل الذي ينظر إليه به في دوائره المقربة، كمن تلقى في اتفاق السلام صلاحيات إدارة الأماكن المقدسة في القدس والإشراف عليها.
في المكالمات الهاتفية الحثيثة التي دارت هذا الأسبوع بين تل أبيب وعمان، طلب الأردنيون الصبر من محادثيهم الإسرائيليين. “لا مفر”، قالوا. “يتعين عليكم تحمّل النقد”، والنقد الذي أطلق علنا كان قاسياً وفظاً. لكن الحلف الاستراتيجي والتعاون الوثيق لن يتضررا، كما وعدوا.
وسمعت أقوال مشابهة أيضاً في مكالمات هاتفية لأبو ظبي والمنامة، عاصمة البحرين. “لا يمكننا الصمت”، قالوا في الخليج أيضاً، “جمهورنا غاضب”. تركيا، التي كانت حتى وقت أخير مضى رأس حربة العالم السني ضد إسرائيل، تبقي في هذه الأثناء على خطاب معتدل. لا يزال الأتراك في مرحلة مغازلة، ويبدو أنهم قدموا بادرة ما: صالح العاروري، المسؤول عن الذراع العسكري لحماس في الضفة، لم يعد يظهر في مكان إقامته في تركيا، وهو في الأسابيع الأخيرة يقضي أيامه في لبنان.
العاروري، الذي عمل بلا انقطاع على تشجيع الإرهاب من الضفة، قد يستغل الأراضي اللبنانية بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل. لكن “حزب الله”، الذي ينصب همه هذه اللحظة على الانتخابات التي ستعقد في بلاد الأرز في الشهر القادم، سيحاول منعه.
رغم احتشاد التواريخ المتفجرة وسلسلة عمليات الإرهاب التي شهدناها، والتي ليس لها أي صلة بالأقصى، يخيل هذا الأسبوع أن الجيش و”الشاباك” والشرطة ينجحون في التمييز بين الجبهات والحد من انتشار الحريق. وتميزت شرطة لواء القدس الذين أداروا بحكمة الأحداث في البلدة القديمة، بالتوسط بين حرية العبادة للمسلمين واليهود.
الفكرة هي انتهاج حساس للسياسة في كل جبهة، وفي القدس ينبغي لهذا أن يكون حساساً أكثر بضعفين. إسرائيل هي صاحبة السيادة على الحرم، وهي بصفتها هذه ملزمة بأن تسمح بحرية العبادة للجميع، يهوداً ومسلمين. من حق الجميع أن يصلوا هناك، ليس للصلاة الصامتة فقط. لكن كل تغيير في الوضع يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع الجهات في المنطقة، وفهماً بأن حرية العبادة ليست ترخيصاً للاستفزازات. كما هو الحال دوماً، فإن التحدي الأكثر تعقيداً يكمن في أوساطنا: وكلاء الحريق والفوضى الذين لا يريدون إلا “فتح مكتب” في باب العامود، أو منظمو “مسيرة الأعلام” الذين كشفوا هذه السنة نهائياً بأن ليس لها أي صلة بيوم القدس، وكل غايتها هي الاستفزاز على أمل إشعال النار. منذ عهد يشعياهو وحتى اليوم، ثمة مخربون ومدمرون يخرجون منا. وما علينا إلا النظر إليهم ونسأل: “من ولّد هؤلاء؟”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى