غير مصنف

معاريف: حرب أبدية

معاريف 8/7/202د. اوري زلبرشايد *حرب أبدية

“سنقاتل في قطاع غزة حتى تحقيق النصر المطلق”، اعلن نتنياهو مرات عديدة حتى الان. لا يقصد حقا اننا سنحقق نصرا كهذا، الامر الذي هو غير ممكن، كما يقول كل من هم مرجعية في ذلك، بل اننا سنكون في حرب دائمة في ظل ملاحقة لا تنتهي وراء هدف وهمي. وفي الشمال ضد حزب الله أيضا يفترض بها أن نوجد في حرب استنزاف لا تنتهي.

كل المؤشرات تدل على ان ليس في نية نتنياهو أن ينهي الحرب. نحن نسمع من المراسلين العسكريين بان الجيش الإسرائيلي أنهى في وقع الامر العملية في رفح، الهدف الأخير في القطاع أو انه سينهيها في غضون بضعة أسابيع. ومع ان نتنياهو لا ينفي هذا، في ضوء الواقع العسكري، لكنه عمليا لا يتخذ أي خطوة عسكرية وسياسية كي يؤدي بالحرب في القطاع وفي الشمال الى منتهاها. المستوى السياسي الذي تحت سيطرته، رغم محاولة غالنت تقليص هذه السيطرة، لا يقرر هدفا وجدولا زمنيا واضحين لانهاء الحرب.

حاول الناطق العسكري العميد دانييل هجاري في 19 حزيران التعبير عن احتجاج الجيش: “حماس هي فكرة”، قال. “الموضوع في أنه يمكن إبادة وإزالة حماس هو ببساطة ذر الرماد في عيون الجمهور. اذا لم نجلب شيء ما لغزة، فاننا في نهاية اليوم سنحصل على حماس”. بهذه الاقوال الدراماتيكية اعرب هجاري عن موقف الجيش. يجب انهاء القتال في غزة والوقوف في قاطع امني تنفذ منه اجتياحات جراحية.

قال في واقع الامر شيئا إضافيا: المستوى السياسي لا يبلور ويدفع قدما بخطة عسكرية ومدنية في القطاع لليوم التالي. موقف الجيش هذا، الذي يتحدى نتنياهو وجد تعبيره أيضا في لقاء عقد في 30 حزيران في قيادة المنطقة الجنوبية بين كبار رجالات الجيش وجهاز الامن وبين رئيس الوزراء بل وحظي بنشر عالمي في تقرير في “نيويورك تايمز”. حتى قبل هذا الاحتجاج من الجيش كرر المحللون، وعلى رأسهم جنرالات متقاعدون بان نتنياهو يمنع بلورة والدفع قدما بخطة لبناء بديل عسكري ومدني لحماس. لكن غياب خطة كهذه هو بذاته خطة نتنياهو لليوم التالي. كل تحليل آخر معناه أن نتنياهو لا يفهم ما يفعل.

خطة نتنياهو طويلة السنين لان يقام في إسرائيل حكم يميني مطلق بلا نهاية هي أيضا المفتاح لفهم الثورات النظامية التي تستهدف خلق البنية التحتية لاستمرار حكمه. ضمن أمور أخرى، من خلال خلق أعداء خارجيين. وعليه، قد عزز نتنياهو قوة حماس منذ عودته الى الحكم في 2009 وهو سيفعل كل شيء كي يبقي حماس على حالها. يفترض بحماس ان توجد كعدو خارجي دائم، اضعاف نتنياهو للسلطة الفلسطينية يستهدف شق الطريق لتعزيز قوة حماس في الضفة الغربية أيضا. فضلا عن ذلك، فان هذه الخطوة تستهدف تفكيك قوة رئيسة يمكنها وينبغي لها أن تكون جزءاً من بديل مدني وعسكري لحماس في القطاع.

في دائرة نتنياهو القريبة يخشون من أن يفهم الجمهور خطته الحقيقية. لهذا السبب سارع مقربه يعقوب بردوغولوصم رئيس الأركان، وعزا له مؤامرة لابقاء حماس كالقوة السلطوية الرئيسة في القطاع. فعمل الناطق العسكري على الفور على تفنيد الفرية: “ما نشره بردوغو في أن رئيس الأركان يؤيد إبقاء حماس في غزة هو كذب خطير وعديم كل أساس”. هكذا يعملون في محيط نتنياهو لقلب الحقيقة راسا على عقب بتهكم وباغراض.

الحرب في القطاع تجر في هذه اللحظة. إسرائيل لا تستغل نجاحاتها النسبية في ميدان المعركة للدفع قدما ببيدل سلطوي لحماس، كما يدحر او يلغى تطبيع محتمل مع السعودية وعقد حلف دفاع مع دول سنية معتدل ضد ايران. هذا بالضبط ما يريده نتنياهو. الحرب في الشمال تخدم الهدف ذاته.

كون الصفقة لتحرير المخطوفين ستؤدي الى انهاء الحرب، الامر الذي تحتاجه إسرائيل ليس فقط لغرض إعادة الاستعداد وانعاش قواتها، بل وأيضا من أجل تحريك سياقات استقرار المنطقة والتطبيع، يمنع نتنياهو بتهكم ووحشية كل صفقة كهذه. في 23 حزيران قال: “انا مستعد لعقد صفقة جزئية تعيد لنا بعضا من الأشخاص، لكننا ملتزمون بمواصلة الحرب بعد الهدنة لاجل تحقيق هدف تصفية حماس. عن هذا انا غير مستعد لان اتنازل”. وهكذا كشف سره: باسم الهدف الخيالي المتمثل بتصفية كاملة لحماس، ستستمر الحرب وسيترك لمصيرهم الكثير من المخطوفين. لقد ميز الاستخفاف بحياة الانسان منذ الازل طابع الحكم الذي يتطلع اليه نتنياهو.

ان إبقاء نتنياهو على حاله كرئيس وزراء يجعل أعضاء كتلة الليكود في الكنيست شركاء في خططه للحكم المطلق والحربي، أي للخطط التي تمس بأمن إسرائيل وتعرض مستقبلها للخطر.

*محاضر للفلسفة السياسية والقانون الدستوري في برنامج الامن القومي في كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى