ترجمات عبرية

معاريف : تقاسم الأقصى “حسابات أردنية” و “خبث اسرائيلي”

جاكي خوجي

معاريف 29/4/2022 – بقلم: جاكي خوجي

من النادر أن ينجح زعيم دولة ذات سيادة يمتاز بالجدية، في إثارة التعجب لدى كثيرين مثلما حصل للملك الأردني في الأسبوعين الأخيرين. عبد الله الثاني، معتدل، جدي وسوي العقل، شرع في حملة تجاه إسرائيل عقب أحداث الحرم. وبعد ذلك برد قليلاً، ولكن العجب بقي على حاله. غريب، ولكنه مقلق قليلاً.

التوتر الأخير الذي حدث داخل الحرم كان مقلقاً على نحو خاص، لم يقلق الملك فحسب بل وأقلق اثنين من شركائه في التصدي للقضية الفلسطينية: السلطة في رام الله، وإسرائيل. تداخل رمضان والفصح، إلى جانب رغبة حماس في عزو القدس لنفسها بدا قبل شهر وصفة مؤكدة للانفجار. فقد التأم المتطرفون من شرقي القدس مع متطرفين يهود، وبتشجيع من حماس رفعوا القدس على رأس فرحتنا جميعاً. تتابع عمان دوماً ما يجري في الأقصى لخوفهم من انتقال الاضطرابات إليهم، ولكن ليس بسبب هذا فقط؛ فالأسرة الهاشمية هي الوصي الرسمي نيابة عن العالم الإسلامي على المكان المقدس. ومنذ قيام المملكة الأردنية، أودع المكان في أيدينا، ومن اللحظة التي وقعت فيه على اتفاق السلام مع إسرائيل أعادت لها إسرائيل مكانتها الخاصة في الحرم. هذه المكانة ألقت على الأسرة المالكة مسؤولية كبيرة، ولكن منحتها أيضاً مكانة عالية في أوساط العرب.

في الأسابيع التي سبقت رمضان، أجرى الملك وأبو مازن محادثات حثيثة لمنع التدهور. وفي ذروتها وصل عبد الله الثاني إلى رام الله للتشاور وجهاً لوجه. وفي حينه، كان بادياً بعض الفزع لدى الرجلين، لقد حاولا تجنيد وزير الدفاع غانتس، ونظرائهما في “الشاباك”، كي يفهموا الإلحاح ويعملوا على تقليص احتمال الاشتعال. الملك والرئيس ينسقان فيما بينهما منذ سنين. كلاهما يتقاسمان السيطرة على السكان الفلسطينيين من على جانبي النهر، ويكثران التحذير من تحويل الأقصى إلى مسألة دينية. وهما متصادقان جداً، وعبد الله يقدر أبو مازن ويتعامل معه كالأب. كلاهما رأي بقلق ثلاث هجمات إجرامية لعرب في أراضي إسرائيل – في بئر السبع، و”بني براك” وتل أبيب، وشعرا بأن الدوامة بدأت تتحرك. بعد قليل سيأتي رمضان ومعه الفصح اليهودي، وفي أعقابهما مظاهرات غضب في عمان، وعربدة متظاهرين في رام الله، والخليل، وبيت لحم، دخول قوات الجيش الإسرائيلي إلى المدن الفلسطينية، ومن هنا حتى التدهور مسافة قصيرة.

الجمعة الثانية من رمضان، 15 نيسان، كان القصر الأردن يعول على إسرائيل أن تسيطر على الوضع، ولكن عندها بدأ الاحتجاج يتعاظم في شوارع المدن الأردنية. بادرت عمان إلى حملة توعية. بعد أربعة أيام من الجمعة إياها ظهر رئيس وزراء الأردن، بشر الخصاونة، أمام البرلمان وأدى التحية لراشقي الحجارة في القدس. نائب سفير إسرائيل في الأردن، سامي أبو جنب، استدعي لحديث توبيخ في وزارة الخارجية الأردنية، والملك نفسه في حديث مع السيسي اتهم إسرائيل بخلق استفزاز. كل هذا في غضون ساعات قليلة من يوم الجمعة. حقق الاحتجاج الأردني مبتغاه، وكانت العناوين التي ولدها تجاه إسرائيل سمينة.

من قرأ بين السطور وجد أمراً شائقاً في البيان الرسمي الذي صدر عن الأردن عقب استدعاء الدبلوماسي الإسرائيلي. فقد أعربت وزارة الخارجية الأردنية عن القلق، لأول مرة، من نوايا إسرائيل تقسيم المجال المقدس في الحرم لتخصيص قسم منه لليهود، والباقي للمسلمين، وتقرير أزمنة محددة للصلاة لكل طرف. تكرر هذا القلق مرات عديدة على لسان مسؤولين أردنيين. وقد عبر عن التخوف من تغيير خطير في الوضع الراهن داخل الحرم، وعملياً اتهم الأردن إسرائيل باستفزاز خطير يهيئ الأرضية لانفجار ديني. ووحدت السلطة الفلسطينية الصفوف مع الأردنيين، وصدحت بهذا السيناريو في بياناتها الرسمية. ولم يكتفِ الملك بذلك، فقد اتصل بمعظم زعماء الدول العربية، يطلعهم على الخطر المحدق بالجميع، وطالبهم بالضغط على إسرائيل للتراجع عن هذه المخططات.

لو قام هذا الاتهام على أساسات صلبة لقلنا حسناً، لكنه لم يكن. عملياً، هذا قلق فلسطيني أردني مبالغ فيه وعديم الأساس. غير أنه بدأ ينال الزخم، ولما كان قد خرج من لسان مستوى رسمي، فإنه تمتع بمصداقية كبيرة. أدركت إسرائيل أن السيناريو الذي عمل عليه الأردنيون قد ينال الزخم، فخرجت في حملة إحباط ضده. والهدف: الإثبات بأن ليس لنا شقيقة. وأعلن رئيس الوزراء بينيت، ووزير الخارجية لبيد، ووزير الدفاع غانتس بأن ليس لإسرائيل أي نية لتغيير شيء في الوضع الراهن. عقد لبيد اجتماعاً للسفراء الأجانب وتعهد أمامهم بأنه لا توجد مثل هذه الخطة. بعد يوم فقط من يوم الجمعة العاصف إياه، وصل إلى المنطقة وفد عن مكتب وزير الخارجية الأمريكي في واشنطن لفحص التوتر عن كثب. وتساءل مبعوثو وزير الخارجية أنتوني بلينكن أمام الأردنيين من أين جاءوا بالرواية المقلقة. وبضغطهم على المضيفين، نزلت عمان عن ادعائها بشأن نوايا إسرائيل تقسيم الحرم. لا مجال للاشتباه بالملك الأردني في فهم غير مناسب للواقع. ورغم ذلك، سوق موقفه المتهور لكل إخوانه العرب من الخليج حتى المحيط. إحدى الاحتمالات أن الملك وقع في تضليل من أبو مازن؛ فالسلطة تعرف الواقع جيداً في مغارة الماكفيلا [الحرم الإبراهيمي]، التي قسمت بين مؤمني الديانتين. وتعتقد أن النموذج إياه قد تطبقه إسرائيل على الحرم القدسي بضغط من متطرفين يجمعون القوة. ورأى مستشارو أبو مازن كيف أن المزيد من اليهود ينجحون أكثر من أي وقت مضى في الوصول إلى الحرم والصلاة فيه بخلاف السنوات الماضية، وتوصلوا إلى الاستنتاج المغلوط.

الإمكانية الثانية كانت أقل بقليل. يثور في إسرائيل بين الحين والآخر طلب منح السعودية الوصاية على المسجد الأقصى. وعندما يضيق الحال علينا، نطرح حلولاً إبداعية، أحياناً إبداعية جداً. وتأخذها عمان بجدية. يخاف الأردن أن تمنح إسرائيل السعوديين الأقصى هدية مقابل إقامة علاقات مع الأسرة السعودية، سواء كان هذا على حساب الأردنيين أم إلى جانبهم. عندما يقود الملك حملة وطنية ترمي إلى إنقاذ الأقصى من اليهود، فإنه يعزز مكانته ويجمع النقاط على حساب المدعين بالملك، حماس، وتركيا، وبالطبع السعودية.

نجح عبد الله في تجنيد الإمارات بجهوده لتجنيد عطف لحملته على تقسيم الحرم. إلى جانب الأردن، كانت أبو ظبي الوحيدة التي استدعي فيها سفير إسرائيل لحديث احتجاج، وللإمارات أسباب خاصة بها لاستعراض الوطنية تجاه القدس والقضية الفلسطينية. وهاتان مسألتان ساخنتان ابتعد حكامها عنهما على مدى السنين أو طوروا تجاههما موقفاً لامبالياً. بدلاً من ذلك، قربوا منهم إسرائيل وأبعدوا السلطة وحماس. أما الآن، وحين يزعم بأن الأقصى في خطر، فهذه فرصة للتجنيد للدفاع عنه. وهكذا ربحت الإمارات مرتين، فقد حققت بضع نقاط في الشارع العربي، ووقفت إلى جانب الأردن في الأزمة الحالية، وغطت على الخيار السعودي.

إن الحديث في إسرائيل عن منح الأمانة في الأقصى للسعودية هي فكرة غير ناضجة، تتم حالياً في الصالونات الخاصة، وبقدر أقل لدى أصحاب القرار. وإذا ما ثار هذا الخيار بجدية في السنوات القادمة، فينتظرنا توتر ليس فقط بين إسرائيل والأردن، بل وأيضاً بين العرب وأنفسهم. سيكون هذا مثل عطاء محبوك لوظيفة مرغوب فيها. وظيفة فتحت من جديد بعد سنوات طويلة، ولكنها موعودة للمقربين فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى