معاريف – بقلم يغئال كيبنيس - الحذر – سلام أمامك - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – بقلم يغئال كيبنيس – الحذر – سلام أمامك

0 83

معاريف – بقلم  يغئال كيبنيس  – 28/4/2020

قصة السلام الضائع بين إسرائيل  وسوريا والمفاوضات التي اجراها خمسة رؤساء وزراء في إسرائيل دون أن تصل الى النتيجة المرجوة “.

“مطالبك قُبلت. انت ستسر جدا”. قال الرئيس الامريكي بيل  كلينتون للرئيس  السوري حافظ  الاسد، عندما اتصل به في اذار 2000، وطلب لقاءه في جنيف لانهاء ثماني سنوات من المفاوضات على اتفاق سلام  تاريخي بين سوريا واسرائيل.  لقد كانت مطالب الاسد لاتفاق سلام اسرائيلي – سوري معروفة. انسحاب اسرائيلي الى خطوط 4 حزيران 1967 وسيادة السوريين على كل الارض التي كانوا فيها عشية حرب الايام الستة.

“الامانة في جيبي”،  اضاف كلينتون، “لا  اريد أن استطرد هاتفيا، ولكن ثق بي. أنت ستسر”. ما لم يقله هاتفيا أفاد به كلينتون لمن استدعاه الى البيت الابيض، الامير بندر – سفير السعودية في واشنطن ووسيط مصداق بين سوريا والامريكيين –يدور الحديث عن انسحاب الى خطوط 4 حزيران، وافق عليه رئيس وزراء اسرائيل ايهود باراك. سافر بندر الى دمشق مع رسالة الى الاسد الذي رد: “كلينتون يعرف ما اريد. الله يعرف أن كلينتون يعرف ما أريد”. رغم وضعه الصحي الصعب، جاء الاسد الى جنيف بمرافقة وفد كبير  ليلتقي في الغداة، 26 اذار 2000، كلينتون. صراعات شخصية بين مادلين  اولبرايت،  وزيرة الخارجية، وبين ساندي بيرغر، مستشار الامن القومي للرئيس، أثقلت على الاجواء في الوفد الامريكي وأشغلته حتى ساعات صباح يوم اللقاء. كما مست باستعداداتهم للقاء الذي اعتبر نقطة انعطافة تاريخية والطريقة التي ستعرض فيها الامور على الاسد كانت حرجة بنجاعه.

في الساعة 10:30 اجتمع الفريق الامريكي خارج غرفة المباحثات في الفندق، ونقلت خرائط كبرى الى الغرفة بالخفاء عن رجال الاعلام. وبعد الصور المشتركة اقترح كلينتون تقليص  عدد المشاركين في اللقاء.  اضافة الى الرئيسين حضره فقط وزيرا الخارجية اولبرايت والشرع والمترجمون. وافق الاسد على اقتراح كلينتون ان يبقى ايضا دنيس روس، مبعوثه الى الشرق الاوسط. لم يطلب تواجد رجل سوري آخر، كما يفترض  البروتوكول. ولكنه طلب أن يغادر روس الغرفة فور عرضه الافكار. الاسد لم  يثق بحيادية روس.

“أريد أن اعرض اقتراح اسرائيل”، بدأ كلينتون، وبعد أن انتهت كلمات المجاملة، بخلاف  عادته، اعتزم قراءتها كما أملاها عليه باراك. فرد الاسد: “حسنا، لن اعلق الى أن تنتهي، ولكن ماذا بشأن الارض؟”.

“الاسرائيليون مستعدون، كجزء من اتفاق السلام، لانسحاب كامل الى حدود متفق عليها تقوم على اساس خط الرابع من حزيران”، اجاب كلينتون واعتزم الاستمرار.

“خط الرابع من حزيران” ليس خطا محددا. هو مفهوم من أجل ترجمته الى خط، ينبغي الاتفاق اولا على المقاييس لتحديده. عودة السوريين الى القرى  التي كانت قرب بحيرة طبريا في حزيران 1967 ستبقيهم على مسافة عن خط المياه. وعليه فقد اضيفت حقيقة أنه بسبب انخفاض مستوى المياه في البحيرة، تراجع خط المياه، وبالتالي حتى لو عاد الاسد الى المكان الذي درج فيه على تغطيس قدميه فانه لن يتمكن من عمل ذلك. المفتاح للنجاح كان في عرض الوضع على الاسد دون إثارة خيبة أمله من هذا المعطى. في البداية اعتزم باراك ان يصل بذاته الى جنيف كي يواصل اللقاء السوري الامريكي في محادثات يتنقل فيها كلينتون بينه وبين الاسد. أطلع باراك الامريكيين على انه عند الحاجة سيكون مستعدا للقاء آخر يعرضه فقط بعد أن يتفق على النقاط الاخيرة في الاتفاق، بما في ذلك تواجد الاسرائيليين في محطات الانذار المبكر في جبل الشيخ. كما اقترح باراك حلا كان يفترض أن يسوي للاسد الصعوبة النفسية النابعة من الفرق بين ذكرياته وبين حقيقة أن السوريين لن يعودوا هذه المرة الى خط المياه حقا. وفي النهاية استجاب باراك للضغط الامريكي وبقي ينتظر في اسرائيل الدعوة من جنيف ما أن يتبين ان محادثات كلينتون الاسد ستسمح باستكمال المفاوضات.

غير أنه فور الجملة الاولى لكلينتون قاطعه الاسد وسأل: “ما المقصود من حدود متفق عليها؟ هل هذا هو خط الرابع من حزيران 1967؟”. لقد بدت الامور للاسد كصياغة تخفي حيلة. وبناء على طلب كلينتون، بسط روس خريطة مفصلة للجولان تستند الى صورة جوية من العام 1967. خط الشاطيء فيها، خط 1967، كان شرقي  خط العام 2000. واشير في الخارطة ايضا الى “خط الشاطيء” – تفسير الخبير الامريكي فريد هوف لخط الرابع من حزيران. شرقه، على مسافة متغيرة وصلت في هذه المنطقة حتى 400 متر، تحدد خط الرابع من حزيران الذي  اقترحه باراك. “في يد اسرائيل تبقى السيادة على البحيرة وعلى القاطع…”، بدأ كلينتون يشرح وقاطعة الاسد مرة اخرى. “اسرائيل لا تريد السلام! لا مجال للاستمرار”، قال واغلق الخريطة. طلب  كلينتون مواصلة حديثه. استجاب الاسد في البداية بعدم صبر، وبعد وقت قصير اقترح الشرع وقف اللقاء واستئنافه بعد أن يعرض روس واولبرايت عليه الاقتراح.

“ما الذي يمكن عمله أكثر؟”، سأل كلينتون روس قبل أن يستأنف اللقاء. “قليل جدا”، اجاب روس. عندما استؤنف اللقاء مع الاسد، طلب تنازلا ما كي يتمكن من ان يطلب ذلك ظاهرا من باراك ايضا الذي سبق له أن تلقاه. اما الاسد فرفض.

في ايار 1999، قبل نحو عشرة اشهر من اللقاء في جنيف، تغلب باراك على نتنياهو في الانتخابات. بعد ثلاثة ايام من ذلك كتب زئيف شيف في “هآرتس”: “مع دخوله الى مكتب رئيس الوزراء لا بد أنه (باراك) سيجد انه جر عمل أولي مع السوريين، سيوفر عليه زمنا طويلا اذا ما أبدى شجاعة سياسية. ويمكن للمردود أن يكون ليس فقط انسحابا من لبنان وسلاما مع سوريا بل وايضا ابعاد ايران عن شراكة استراتيجية مع دمشق. نتنياهو فوت فرصة كهذه”. وبالفعل، من صيف 1997 وحتى ايلول 1998، أدار نتنياهو مفاوضات سرية مع الاسد وترك في يد الرئيس السوري مسودة اتفاق للسلام، بموجبها تنسحب اسرائيل من ارض سورية احتلت في 1967 الى حدود متفق عليها تقوم على اساس خط الرابع من حزيران 1967″. بل ان نتنياهو طلب المجيء الى دمشق كي يلتقي الرئيس الاسد ويعرض عليه خريطة الانسحاب.  أما الاسد فطلب الحصول على الخريطة مسبقا كشرط لدعوة نتنياهو الى دمشق، وهنا توقفت المفاوضات. “انظر  لي  في  العينين”، دعا اسحق مردخاي  نتنياهو، حين طرح الموضوع السوري في  المواجهة التلفزيونية بينهما في انتخابات 1999، اما نتنياهو فقد فقدَ التركيز، ولغة جسده اظهرت ما أخفاه.  وحتى الامريكيين لم يطلعوا على خطوات نتنياهو في القناة السورية، الا بعد أن اخلى مكانه لباراك.

لقد أنهى لقاء  كلينتون – الاسد في جنيف ثماني سنوات ادار فيها أربعة رؤساء وزراء مفاوضات مع الرئيس السوري. كل واحد من الاربعة – رابين، بيرس، نتنياهو وباراك – رأى في اتفاق السلام بين اسرائيل وسوريا مصلحة اسرائيلية وسعى اليه حتى بثمن اعادة الجولان الى السيادة السورية. وأيد قادة جهاز الامن موقفهم. وحتى بعد وفاة الاسد الاب، في تموز 2000، واصل اولمرت، وبعده نتنياهو، مفاوضات سرية مع ابنه. الخطوة التي قادها نتنياهو مرة اخرى لم تنقطع تماما الا في اذار 2011، مع نشوب الحرب الاهلية في سوريا. “لن نصدق الناس كم بعيدا تقدمنا”، قال لي هوف بعد أن انكشفت قناة المحادثات. هوف وروس كانا الوسيطان  الامريكيان اللذان تحركا بين بلفور وقصر الرئاسة في دمشق.

يكثر اليوم الحديث عن المخاطر على اسرائيل بسبب تواجد قوات ايرانية وسلاح ايراني في سوريا والتنسيق في محور ايران – حزب الله، سيطرة القوات الشيعية على المجال بين القنيطرة وجبل الدروز والخطر من ترك امريكا الساحة السورية للاعبين معادين لاسرائيل. هذا الخطر حاول أن يمنعه رابين، بيرس، نتنياهو، باراك، اولمرت ومرة اخرى نتنياهو. فهل أخطأ ستة رؤساء وزراء؟ هل  اخطأ ايضا معظم رجال الامن الذين ايدوا المسعى؟

بين التنسيق والهوة

في بداية 1993 اجتمعت مصالح سوريا، اسرائيل والولايات المتحدة لتحقيق اتفاق سلام. كما أن زعماء الدول الثلاثة بدوا ناضجين للمفاوضات، ولكن وجود هذه الظروف الضرورية لم يكن كافيا. فقد كان ينبغي في الطريق الى السلام التغل على عائقين: الاول تكتيكي – سياسي والثاني نفسي. بينما نظر الاسد الى المسيرة من زاوية نظر القناة الاسرائيلية – السورية اساسا تعاطى مقررو السياسة في اسرائيل ايضا مع قنوات مفاوضات اخرى وعملوا ايضا في القناة الاردنية، واساسا الاسرائيلية – الفلسطينية.

العائق الثاني كان نفسيا. منذ فترة  مبكرة  نشأ بين اسرائيل وسوريا تفاهم  بان اطار الاتفاق  سيكون  مشابها لمعاهدة السلام بين اسرائيل  ومصر: اعادة السيادة على الجولان الى سوريا مقابل الامن لاسرائيل. وهذا سيكون  من  خلال  تجريد الارض التي تنسحب منها اسرائيل من السلاح  وضمانات امريكية لتنفيذ الاتفاق وحماية مصادر الماء لاسرائيل. عمليا كان  الحديث  يدور عن تثبيت مباديء  قرار حكومة الوحدة – التي اتخذ في 19 حزيران 1967، فور الحرب والتي طبقت  في اتفاق السلام  الاسرائيلي – المصري وعادت وصادقت عليها حكومة اسرائيل في تشرين الثاني 1993. ولكنعندما جاءت الأطراف لتبلور التفاهمات للاتفاق، اصطدمت بالعائق العاطفي الذي نبع من عدم المعرفة الكافية للتفاصيل الدقيقة بشأن الجولان وعلاقات إسرائيل وسوريا في الماضي  والفجوة القائمة بين  ذاكرة كل طرف  حول  تفاصيل النزاع. ولهذا لم تخف الصورة المهددة لاي  من  الطرفين في  نظر  الاخر.  طالما لم يتم التوصل الى اتفاق سلام امتنع زعماء اسرائيل  من تهيئة الرأي العام بينما لم ترغب سوريا في أن تفلت من ايديها الورقة الاساس التي تملكها – دعم عمليات الارهاب ضد اسرائيل – وهكذا زادت فقط عداء الاسرائيليين لها. ان التمسك بالرواية وعدم الاعتراف بالحقائق كان يسود ايضا لدى الكثير من مصممي الرأي العام والقيادة العليا في اسرائيل، في الولايات المتحدة واساسا في سوريا. مثالا على ذلك يمكن أن نجده في لقاء وورن كريستوفر في دمشق. فقد جاء وزير الخارجية الى دمشق باحساس من اختراق في الطريق.  إذ كان في يده تعهد من رابين للانسحاب من الجولان في اتفاق ينص على مطالب اسرائيل، ولكنه فوجيء من سؤال الاسد: انسحاب كامل الى اي خط؟ وهو ليس فقط لم يكن لديه جواب بل انه هو وروس، الذي كان معه، لم يفهما على الاطلاق معنى السؤال. بعد بضعة اشهر فقط عرفا أن الانسحاب الكامل من الجولان يمكنه ان يتم الى عدة خطوط، حتى لو كانت المسافة المادية بينها صغيرة،  فان هوة عاطفية تفصل بينها. ذات الهوة العاطفية التي تحطم فيها لقاء  كلينتون – الاسد في اذار 2000 في جنيف.

ولكن المفارقة هي أن رئيس الوزراء الاول الذي بدأ محادثات السلام مع السوريين كان اسحق شمير الذي عارض بالقطع اتفاق سلام بين اسرائيل ومصر ولم يعتزم على الاطلاق التفاوض مع السوريين. غير ان الادارة الجمهورية للرئيس جورج بوش ووزير الخارجية جيمس بيكر فرضا عليه مؤتمر مدريد. وزير الخارجية في حكومة شمير دافيد ليفي رفض مرافقته، وبدلا عنه انضم الى المحادثات نائبه بنيامين نتنياهو. وكاستفزاز للمؤتمر صعد الوزيران ارئيل شارون ورفائيل ايتان الى الجولان لعقد احتفال اعلن فيه عن اقامة مستوطنة جديدة. والمفارقة  هي أن  الموقع اياه  استخدمه نتنياهو للاعلان عشية الانتخابات عن اقامة “هضبة ترامب”، كبادرة طيبة للرئيس الامريكي الذي اراد مجاملته.  

في 1992 حل رابين محل شامير وكان اول رئيس وزراء اسرائيلي منذ 1949 يواجه واقع يسمح بمفاوضات على اتفاق سلام بين اسرائيل وسوريا. واخلاصا لنهجه من عهد ولايته الاولى، في الا تجرى المفاوضات مع سوريا هي في نهاية المسيرة، تعهد رابين بان يتوصل في غضون وقت قصير الى اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين. ولكن بتأثير مواقف الرئيسين بوش وكلينتون، رئيس الاركان باراك ورئيس شعبة الاستخبارات في حينه اللواء اوري سجي، في أن الاسد توصل الى قرار بالسعي الى اتفاق سلام مع اسرائيل، غير رابين رأيه وبدأ يعمل في  القناة السورية ايضا. من هنا فصاعدا اصبح التنقل بين القناة الفلسطينية، السورية والاردنية مميزا لسلوك رابين: في كل مرة توقف فيه التقدم في احداها، توجه الى الاخرى.

ثلاث حجارة طريق خلفها رابين وراءه. الاول كان تصريحيا. “عمق الانسحاب كعمق السلام”، صرح في اذار 1993، فاجيب بان السوريين مستعدون لسلام كامل مقابل انسحاب كامل. حجر الطريق الثاني “الوديعة” التي شكل لاحقات مرسى للمسيرة السياسية في القناة السورية: فقد تعهد رابين، للامريكيين فقط، بانه في اطار اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل، تنفذ فيه أربعة شروط عدها، وكذا تبعا لاتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين، تنسحب اسرائيل انسحابا كاملا من هضبة الجولان. وكانت الشروط الاربعة هي: اقامة علاقات كاملة، بما فيها اقامة سفارات وحدود مفتوحة؛ تنفيذ الاتفاق يتم على ثلاثة مراحل، على مدى أربع – خمس سنوات، واخلاء المستوطنات يتم في المرحلة الاخيرة؛ تستجاب المطالب الامنية لاسرائيل، بما في ذلك تواجد قوة امريكية في محطات انذار مبكر في الجولان وضمان الاحتياجات المائية لاسرائيل. ولكن بعد يوم من تلقي “الوديعة” من رابين، سافر كريستوفر الى دمشق، وبخلاف تعهده، سلمها للاسد.

حجر الطريق الثالث الذي وضع في وثيقة “اهداف ومباديء لاتفاق الامن” وانهى عمليا المفاوضات في عهد رابين. في نهاية كانون الاول 1994، التقى سرا في واشنطن سفيرا اسرائيل وسوريا في الولايات المتحدة ايتمار رابينوبيتش ووليد معلم، ورئيسا اركان الدولتين ايهود باراك وحكمت الشهابي. الاسرائيليون الذين اعتادوا على أن يروا في الترتيبات الامنية مصلحة اسرائيلية، فوجئوا اذ تبينوا كم هي هامة الترتيبات الامنية لسوريا ايضا. فالصورة الشيطانية لكل طرف في نظر الاخر كانت متبادلة ومثلها الخوف ايضا. والاستيضاحات في اثناء المحادثات اكدت فوارق المواقف وادت الى زيادة الشبهات والى تجميد محادثات الخبراء العسكريين. في اذا 1995  استأنف كريستوفر وروس زخم المفاوضات وبلورا مع رابينوبيتش ومعلم مسودة غير موقعة لـ “اهداف ومباديء لاتفاق الامن”. وادى التواقف الى استئناف محادثات الخبراء  العسكريين. على رأس الوفد الاسرائيلي كان هذه المرة من حل محل باراك في رئاسة الاركان الفريق امنون ليبكن شاحك. وكان الاساس بان الاسد متفائل بنجاح الخطوة. في اللقاءات التي جرت في نهاية حزيران 1995 في القاعدة العسكرية “بورت ماكنير” في واشنطن اتفق على 15 “نقطة توافق”. في اسرائيل قدروا بان جولة محادثات اخرى ستواصل الاولى، ولكن في 29 حزيران، حين كانت المحادثات لا تزال في ذروتها، نشر رئيس المعارضة نتنياهو وثيقة داخلية في الجيش الاسرائيلي سربت له وحصلت لاحقا على لقب “وثيقة شتاوبر”. وعرضها نتنياهو بشكل يتناسب واحتياجاته، كانتقاد من جهاز الامن على التفاهمات المتبلورة. اثار التسريب شكوك السوريين، ووجد فريق الوسطاء صعوبة في التصدي لذلك. فقرر الاسد وقف اللقاءات. عمليات، في نهاية حزيران 1995، تجمدت مؤقتا المسيرة السياسية بين  اسرائيل وسوريا.

وكما اسلفنا، فقد جرت المسيرة في القناة الاسرائيلية – السورية بشكل متقطع بينما كان رابين يناور بينها وبين قناتي المفاوضات الاخريين. تلك التي بين اسرائيل والاردن انتهت باتفاق سلام مع الاردن، وبخلافه، فان المفاوضات مع الفلسطينيين أثار لدى الجمهور الاسرائيلي نشاطات احتجاجية ضد رابين، تحولت الى مظاهر تهجم غير مسبوقة. واضاف الى ذلك المعارضة الشديدة للانسحاب من الجولان وتصدرت الصراعات السياسية في معسكر رابين. ومع نهاية تشرين الاول فقط حين بدأت اصوات مؤيدي المسيرة السياسية تسمع في الرأي العام ايضا، وافق رابين على التعاون مع جهود روس لاعادة المحادثات بين سوريا واسرائيل الى مسارها. في 31 تشرين  الاول اتفق على مواصلة المسيرة بعد أن يتلقى رابين تفويضا بذلك في الانتخابات التي كانت ستجرى في 1996. غير أن رابين قتل والواقع السياسي في الشرق الاوسط تغير.

بعد مقتل رابين واصل بيرس التزامه بـ “وديعة رابين”. بل  واقترح ان يسافر مع الرئيس  كلينتون الى دمشق او أن يعقدا لقاءا ثلاثيا مع الاسد في الرياض للوصول الى اتفاق سريع. وحسب اقتراح الامريكيين دعيت وفود ضيقة الى واي بلانتيشن لثلاث جولات محادثات، وكان احساس بالتقدم السريع. ولعل هذا هو السبب الذي اثار ايران وبعثها للعمل ضد المسيرة بسلسلة عمليات انتحارية في اسرائيل قام بها رجال حماس. ردت اسرائيل بتصفية يحيى عياش وتصاعدت عمليات الارهاب. في شباط، في ذروة جولات المحادثات في واي بلانتيشن، اعلن بيرس عن تقديم موعد الانتخابات في اسرائيل  الى ايار. واصلت ايران العمل بتصعيد نشاطات حزب الله من جنوب لبنان ضد اسرائيل. وردا على ذلك خرجت اسرائيل في بداية نيسان الى حملة عناقيد الغضب. في هذا الواقع، لم تكن المسيرة السياسية وحدها هي التي انهارت، بل وانتخاب بيرس ايضا كان موضع شك، وادى انتصار نتنياهو على بيرس الى انهاء المحادثات بين اسرائيل وسوريا. ولكن بخلاف كل التوقعات فان من استأنفها كان بالذات نتنياهو.

مساعي جس النبض انتهت

في الفترة التي سبقت  انتخابه  واظب  نتنياهو على تأكيد التزامه بابقاء الجولان في يد اسرائيل، بل انه في يوم الانتخابات وصل الى الجولان في  مروحية وكرر هذا التصريح امام سكانه وامام الاعلام. وفي الخطوط الاساس لحكومته ورد أن “الحفاظ على سيادة اسرائيل في الجولان سيكون اساسا لكل تسوية مع سوريا”. ولهذا فان الرأي العام وجمهور ناخبيه بخاصة، لم يتوقعوا منه خطوات سياسية في القناة السورية – الاسرائيلية. رغم ذلك عمل نتنياهو سرا، دون مشاركة الامريكيين او علمهم على اتفاق بين اسرائيل وسوريا.

الاسد، الذي لم يكثر من السفر الى الدول الغربية، وصل في تموز 1998 الى باريس، حيث تحدث عن الحاجة لمواصلة المسيرة السياسية بين اسرائيل وسوريا من النقطة التي توقفت عندها في الماضي، وحذر من أن نتنياهو قد يشعل الشرق الاوسط اذا لم تستأنف المسيرة. عشية زيارته وصل الى باريس ايضا عوزي اراد، مستشار نتنياهو السياسي الذي كلفه بالمفاوضات مع سوريا. وكانت الرسالة الاسرائيلية التي نقلت الى السوريين هي أن نتنياهو مستعد لان يستأنف المفاوضات ويفهم بان اعادة الارض توجد في مكان هام في سلم الاولويات السوري. وفي  تلك الايام تماما ادار نتنياه وباراك سلسلة من عشرة لقاءات بحثا فيها امكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية وتوصلا الى اتفاقات مفصلة عن اقامتها وعن مكانة باراك كقائم باعمال رئيس الوزراء. لم يكن شك في نيتهما لقيادة خطوة لاتفاق سلام. غير أنه في نهاية تموز أقرت الكنيست مشروعي قانون لحلها، وبعد ذلك كشف بن كسبيت في “معاريف” أمر اللقاءات. “مساعي جس النبض للوحدة انتهت. نحن نعمل على تقديم موعد الانتخاباته”، اعلن باراك.

في آب وايلول 1998 أدار نتنياهو والاسد مفاوضات. كان رون لاودر هو الوسيط، واستعان بالصحافي جورج نادر، ذي الاصل اللبناني الذي عمل كمترجم. اما المضامين فقادها نتنياهو مع اراد ودوري غولد، واللقاءات مع لادور جرت في منزل رئيس الوزراء. ولدت اللقاءات وثيقتين: في الاولى، في 29 آب 1998، عشرة بنود لاقتراح نتنياهو على الاسد مباديء اتفاق السلام، وفيها تكون الحدود خط الحدود الدولية (1923). بعد يومين من ذلك افاد السوريون للاودر بان الوثيقة غير مقبولة بالنسبة لهم. في اعقاب ذلك اعدت وثيقة اخرى تحمل تاريخ 12 ايلول 1998 وعنوانها مشابهة لسابقتها: “معاهدة سلام بين اسرائيل وسوريا”. هذه المرة كانت فيها ثمانية بنود، وهذه المرة اقترح نتنياهو أن تنسحب اسرائيل من الاراضي السورية التي احتلت الى حدود متفق عليها تقوم على اساس خط الرابع من حزيران 1967.  كما اقترح نتنياهو أن يتم الانسحاب على مدى 18 شهرا وثلاث مراحل. في اسرائيل اعدت خريطة تتطابق والوثيقة الاولى، ولكنها لم تنقل الى الاسد. أما خريطة تعبر عن الوثيقة الثانية فلم تعد. نتنياهو توجه لمواصلة تنفيذ اتفاق اوسلو وعين شارون وزيرا للخارجية في حكومته كي يسنده في خطواته السياسية مع الفلسطينيين. ولكن قبل أن يجلسا في مزرعة واي للمحادثات مع عرفات وكلينتون، حاول نتنياهو التقدم في اتفاق مع سوريا. طلب من لاودر ان يعمل من خلال معلم، السفير السوري في واشنطن كي يستقبله الاسد في دمشق وهناك ينقل له بشكل شخصي خط  الانسحاب الذي يقوم على اساس “وثيقة لاودر”. اما الاسد، فكما أسلفنا، اشترط ذلك بتلقي الخريطة قبل مجيء نتنياهو، فشطبت القناة السورية عن جدول الاعمال.

في تشرين الثاني 1998، جلست في غرفة عوزي اراد في مكتب رئيس الوزراء، امام غرفة نتنياهو. وصلت الى هناك بناء على طلبه. تحدثنا عن جوانب مختلفة للاتفاق بين اسرائيل وسوريا، دون أن اعرف شيئا عن المفاوضات التي ادارها نتنياهو وان اراد كان شريكان لها. قال لي اراد انه لا يزال ممكنا الوصول الى اتفاق. لم اصبر وسألت على الفور عن معنى الانسحاب: “بيتي هو البيت الشرقي في معاليه جملا في شمال شرق بحيرة طبريا.  فهي يمكنني أن آمل بمواصلة العيش هناك؟”. “لا احتمالا، يدور الحديث عن اعادة كل شيء”، اجاب اراد واضاف بان باراك سيذكر الى الابد كمن منع اتفاق سلام تاريخي بين اسرائيل وسوريا. فتساءلت : “ما شأن باراك هنا؟” فاجاب أراد بانه لو كان باراك انضم لنتنياهو في حكومة وحدة لكان ممكنا الوصول بسرعة الى اتفاق سلام، ولكن نتنياهو وحده لن يسير في هذا الاتجاه. في هذه  المرحلة كان الوضع السياسي لنتنياهو مهزوزا. الاتفاق لانسحاب آخر وقعه مع عرفات في الولايات المتحدة تسبب له بفقدان تأييد اليمين في اسرائيل. واستعداده للانسحاب من الجولان الذي كان سربه شارون قبل يوم من ذلك لرجال حزب الطريق  الثالث، ادى به لان يخسر  تأييدهم. أما باراك، الذي شعر بامكانية تقديم موعد الانتخابات، فقد رفض اعطاء نتنياهو حبل نجاة سياسي.

في ايار 1999 قبل أن يبدأ باراك في  تولي منصبه، جاء لاودر الى بيته في  كوخاف يئير، التقاه سرا عدة مرات واطلعه على خطوات نتنياهو في القناة السورية. غير أن لادور ضلل باراك ولم يكن دقيقا في التفاصيل، حين قال ان الاسد وافق على أن يقوم الانسحاب على اساس الحدود الدولية. فهل يحتمل أن يكون لادور جاء الى باراك بناء على موقفه الخاص كي يتحدث عن مهمة سياسية سرية قام بها بتكليف من نتنياهو؟ معقول الافتراض أن تبلغ باراك كان منسقا مع نتنياهو وكذا ايضا ا لمعلومات المغلوط التي قدمها له.

قبل أن يشكل حكومته ادار باراك سرا محادثات مع شارون على انضمام الليكود الى حكومته وتعيين شارون وزيرا للخارجية، باتفاق على ان تجري مفاوضات للسلام مع سوريا. شارون أيد الخطوة، ولكنه اصطدم بمعارضة من جانب رفاقه في الليكود. اضافة الى ذلك تلقى باراك رسائل من الاسد وفيها طلب لاستئناف المسيرة من المكان الذي توقفت عنه. ودفع ضيق الجدول الزمني الذي وضعه باراك للخروج من لبنان، صيف 2000، والوضع الصحي للاسد لان يعمل بسرعة.

القناة السرية

اوضح باراك للرئيس  كلينتون بان الانسحاب الاسرائيلي لن يكون حتى خط المياه. واراد باراك ان يستغل تراجع خط الشاطيء بضع مئات الامتار غربا كي يعزز مطلبه في ان يبقي حوله ارضا بسيادة اسرائيلية. وقد باراك بانه في موضوع الحدود سيكون ممكنا الوصول الى اتفاق يلبي توقعات الطرفين، ولكنه حدد لنفسه قاعدة بان يبحث هذا الموضوع ويتفق عليه فقط بعد أن يتفق على المواضيع الاخرى – المياه، الترتيبات الامنية وجوهر علاقات السلام. باتريك سيل، المقرب من الاسد جاء الى اسرائيل وتجول في منطقة الحدود بمرافقة اوري سجي، الذي عينه باراك رئيسا للفريق المفاوض مع سوريا. التقاه باراك ونقل من خلاله رسالة الى الرئيس السوري بانه في لقاء شخصي بينهما سيكون ممكنا الوصول الى اتفاقا من الصعب التصريح عنها مسبقا.

في آب كانت القناة السرية بدأت تعمل. روس، سجي ورياض داوودي، المستشار القانوني للرئيس السوري التقوا في بيرن. في الاجواء  المريحة والحميمية للقاء أكد سجي بان اسرائيل تقبل المبدأ للانسحاب الى خطوط الرابع من حزيران مع العلم أن هذه الخطوط ليست واضحة وهناك حاجة الى الاستيضاح لتحديدها. بعد اسبوعين من ذلك عادوا ليلتقوا في فندق هيات في ميريلند. وانضم الى سجي المستشار القانوني يوئيل زنجر وانضم الى داوودي الجنرال ابراهيم عمر. فاجأ سجي وطلب البحث بالتفاصيل وبمعونة خرائط سوريا عن “خطوط الرابع من حزيران”، العقبة الكأداء  الاساس للاتفاق. العمل الاعدادي الجذري الذي قام  به سجي  و”فريق الحدود” أدى لان تكون صورة  التواجد السوري شرقي بحيرة طبريا واضحة للمهنيين من الطرفين.

في محادثات ميريلند في ايلول طرح سجي لاول مرة مع مسمع الامريكيين الاقتراح للتغلب على حقيقة أن الانسحاب الاسرائيلي لن يجلب السوريين الى خط المياه، اقتراحا سمي لاحقا “الحل الابداعي”. واساسه – تعريف أرض من شرق  البحيرة كحقيقة مناطق محصورة يسمح فيها بالوصول الحر للمواطنين من الطرفين. هكذا يكون للسوريين حرية وصول الى المياه، لا تكون بسيادتهم، ويكون للاسرائيليين حرية وصول الى المنطقة حول البحيرة تكون بالسيادة السورية.

يبدو أن حالة الاسد الصحية دفعته لان يسرع الخطوات. “الاتفاق يبدو قريبا جدا”، فاجأ الاسد وزيرة ا لخارجية اولبرايت، روس واينديك الذين جاءوا الى دمشق في 7 كانون الاول 1999 واضف: “باراك جدي، يريد تحقيق اتفاق بسرعة، وهكذا أنا ايضا”. كما فوجئوا لان يسمعوا منه طلبا بعقد لقاء مباشر فوري ولاول مرة بين كبار القيادة السياسية لاسرائيل وسوريا. “يخيل لي أننا أنزلنا السقف”، قال الاسد. واوضح بانه لن يصر على “خطوط الرابع من حزيران” التي اصر عليها في الماضي.

انتقل الامريكيون الى اسرائيل وسمعوا من باراك اقتراحه للدعوة في غضون اسبوع الى لقاء تاريخي بين رئيس وزراء اسرائيل ووزير الخارجية السوري، وانضمام الرئيس كلينتون الى المحادثات وعدم توقفها حتى الوصول الى اتفاف. كان باراك واعيا للتوقيت – عشية عيد الميلاد وقبيل انتهاء شهر رمضان – ورأى في الاضطرار الزمني وسيلة ضغط للسعي الى اتفاق سريع ومنع تسريب المحادثات.

رفض  الامريكيون الجدول الزمني وتوجهوا لان يجرى في 15 كانون الاول لقاء بين باراك، الشرع وكلينتون في البيت الابيض وتواصل المحادثات في مؤتمر لا يبدأ الا في كانون الثاني. وفي ضوء هذا التغيير طلب باراك من الفريق الامريكي خلق شروط عزل تام للمؤتمر. وكان اتفاق في موضوع لبنان سيؤثر على الرأي العام الاسرائيلي الذي سيكون مطالبا باقرار اتفاق سلام مع سوريا. حدد باراك لنفسه واوضح ذلك للامريكيين، بانه يجب البحث والوصول الى اتفاق في موضوع لبنان قبل الاجمال مع سوريا في موضوع الحدود.

ترسيم خط الحدود اراده باراك، تماما مثل نتنياهو قبله، ان يبقيه الى نهاية المحادثات. كان باراك مستعدا لان يوافق على أي خط يبقي البحيرة في السيادة الاسرائيلية ويعطى للسوريين حقوق استخدام في مياهها. اما توقعات السوريين بالعودة الى شاطيء البحيرة ففكر بحلها من خلال حفر بركة مائية في داخل الاراضي السورية في شمال شرق البحيرة، المنطقة التي توجد فيها القرية السورية مسعودية، التي كانت قريبة من خط المياه. النقاش في النقاط التي كان مطلوبا فيها تنازل اسرائيلي حاول باراك ان يبقيها الى اللقاء بينه وبين الاسد.

في 2 كانون الثاني 2000 هبطت طائرة باراك في واشنطن، في طريقها الى شبردزتاون. وبينما كان في الجو بُلغ بان البلدة مليئة بالصحافيين وشروط اللقاء المعزول والمحمي من التسريبات ليست قائمة. “لا استطيع عمل ذلك”، قال باراك لاينديك الذي كان دعاه  الى الصعود الى حجرة المسافرين مع توقف الطائرة. وكان باراك يقصد أنه في هذه الظروف لا يمكنه أن يدير المحادثات كما يلزم. وفهم اينديك ذلك بشكل مختلف. رفض باراك اجراء المحادثات في ظروف يمكن فيها لرجال الاعلام ان يجمعوا المعلومات عن المحادثات فسره اينديك كقرار من باراك لوقف العملية. وهكذا خلق اينديك الاساس للرواية بان باراك تراجع عن نيته الوصول الى اتفاق كونه خاف من نتائجه.

علق باراك في وقع ما كان يمكنه فيه أن يتراجع عن عقد المؤتمر واضطر لان يعقده تحت تغطية اعلامية وثيقة وبخلاف الظروف التي رآها ضرورية. بل ان باراك عمل على تأجيل تقدم المحادثات في المؤتمر، حتى عندما تبين بان السوريين بالذات ابدوا مرونة، بما في ذلك قبول طلب اسرائيل بعدم التماثل في التجريد من السلاح على جانبي الحدود بحيث أن التجريد في الجانب السوري سيكون اكبر بكثير منه في الجانب الاسرائيلي. سلوكه وبيانه بانه سيضطر للعودة الى اسرائيل عززا الانطباع بان المصاعب التي وضعها منعت  الوصول  الى اتفاق. اضافة الى ذلك نشر في صحيفة “الحياة” في لندن معلومات سربها رجال باراك بان سوريا تعترف بان خط الرابع من حزيران ليس الحدود ولم ترسم ابدا وبالتالي فانها مستعدة للمشاركة في المداولات على تصميم هذا الخط. شعر السوريون بانهم ضللوا فردوا بحدة. جولة اخرى لم تجرى. مسودة الاتفاق الامريكية اطلع عليها عكيفا الدار، المحلل السياسي لصحيفة “هآرتس”، هذه  المرة ليس من قبل رجال باراك. الوثيقة، التي  تضمنت تنازلات السوريين، ولكن ليس خط الحدود الذي ستنسحب اليه اسرائيل، نشرت في 13 كانون الثاني، وادت الى فقدان ثقة السوريين بالخطوة وبالامريكيين كوسطاء فيها. وقرر الاسد عدم استئناف المحادثات.

باراك، الذي تعهد باخراج الجيش الاسرائيلي من لبنان حتى تموز، فضل عمل ذلك باتفاق اسرائيلي – سوري يعطل القوة العسكرية لحزب الله وليس كانسحاب من طرف واحد. وعليه، فقد قرر أن يعرض على السوريين “خط الرابع من حزيران”، الخطوة التي تسمح باكمال البنود الاخرى للاتفاق. قدر باراك بان الجمهور سيقر في استفتاء شعبي اتفاق السلام بين اسرائيل وسوريا والذي يتضمن ايضا اتفاقا يتعلق بلبنان. الاستعدادات للخطوة الاخيرة تمت بسرية كاملة.

غير أنه كما أسلفنا، اللقاء في جنيف، الذين استهدف تحقيق ذلك، انتهى بالفشل. بُشر باراك في  مكالمة هاتفية من جنيف بفشل اللقاء. أما انسحاب اسرائيل من لبنان فأمر  باراك بتنفيذه في نهاية ايار، وكان احادي الجانب وبلا اتفاق. وفي حزيران توفي حافظ الاسد.

في تشرين الاول نشبت الانتفاضة الثانية. شارون الذي حل محل باراك، انشغل بالقضاء عليها وبالانسحاب من قطاع غزة ومن شمال السامرة. رفض توجهات بشار الاسد لاستئناف المفاوضات. توجهات جاء بها له ادوارد جرجيان، السفير الامريكي السابق في اسرائيل وفي سوريا. ولكن المصلحة الاسرائيلية والسورية للوصول الى اتفاق سلام ادت الى فترتين اخريين من المفاوضات في الجهد لتحقيقه.  

حرب لبنان الثانية واطلاق الصواريخ من لبنان على اسرائيل في اثنائها، جسدت لاسرائيل اهمية انقطاع الصلة بين حزب الله وسوريا. في جهد للوصول الى اتفاق سلام مع السوريين، ادار اولمرت، ابتداء من ايار 2008، من خلال مندوبيه يورام تربوبيتش وشالوم ترجمان، محادثات غير مباشرة مع السوريين في أنقرة، تحت رعاية الاتراك. في المرحلة المتقدمة التي وصلوا اليها الاطراف بحثت بالتفاصيل بما في  ذلك بترسيم  الحدود. وجاءت استقالة اولمرت في  ايلول وخروج اسرائيل في نهاية كانون الاول الى حملة الرصاص المصبوب الى انتهائها.

ان قطع سوريا عن ايران وحزب الله بقي هدفا استراتيجيا لاسرائيل. نتنياهو ايضا، في ولايته الثانية، حاول تحقيقه. ثمن ذلك بات معروفا – انسحاب اسرائيلي كامل الى خطوط الرابع من حزيران وعمليا حتى بحيرة طبريا –ولم يكن هو موضع البحث. فقد تركزت الاتصالات على المقابل التي ستحصل عليه اسرائيل وفي التنصيص عليه. باراك، هذه المرة كوزير للدفاع، كان شريك السر الوحيد بين بين الوزراء على وجود المحادثات، التي ادارها نتنياهو بمساعدة اسحق مولكو، عوزي اراد ويعقوب عميدرور، الذي حل محال اراد، والعميد مايك هرتسوغ. الحرب الاهلية التي اندلعت في سوريا أوقفت الخطوة.

بعد 20 سنة

يبدو اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا اليوم منقطعا عن الواقع. الجولان هو إقليم رائع، ويمكن مواصلة الإبقاء عليه تحت السيطرة الإسرائيلية على مدى سنين. ولكن بلا اتفاق سلام.

فهل اخطأ زعماء إسرائيل، من اليمين ومن اليسار، حين كانوا مستعدين لان يعيدوا الجولان الى السيادة السورية في اطار اتفاق سلام مع سوريا، اتفاق رأوا فيه ما يعزز امن إسرائيل؟ ان الهدف السياسي – الأمني لإسرائيل كان ولا يزال: الحد الأقصى من الامن والحد الأقصى من الاستقرار. يمكن لهذين الهدفين أن يتحققا بوسيلتين: التفوق العسكري والاتفاق السياسي. إسرائيل لن تخاطر باتفاق سياسي بلا تفوق عسكري، ولكن التفوق العسكري وحده لا يضمن الامن والاستقرار. اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا، والذي سعى اليه رؤساء ستة حكومات في إسرائيل كان يستهدف اخراج سوريا من دائرتي الإرهاب والمواجهة، قطع المحور الشيعي ايران – حزب الله، ابعاد ايران عن النفوذ على الحدود الشمالية لإسرائيل وادراج سوريا في المحور الذي يعمل بنفوذ الولايات المتحدة.

ليس لاحد القدرة ان يجيب على سؤال “ماذا كان سيحصل لو أن؟”. حيال من يعزون أنفسهم بالقول: “من حظنا انه لم يوقع اتفاق سلام مع سوريا”، يمكن ان نطرح أسئلة مثل كيف كانت ستتطور  الأمور لو كان وقع ونفذ اتفاق بينما في سوريا يوجد حكم مستقر بنفوذ الولايات المتحدة والغرب؟ ما هي المنفعة الأمنية من انضمام سوريا الى مصر، السعودية والأردن، لاستكمال الحزام الأمني من الدول العاملة بتنسيق مع إسرائيل؟ هل في واقع كانت فيه سوريا توقف الدعم عن حزب الله وتقطعه عن الاتصال البري بايران كانت ستنشب حرب لبنان الثانية؟ هل في الأجواء السياسية بعد اتفاق السلام كانت الحرب الاهلية في سوريا ستنشأ وتصل الى الابعاد التي وصلت اليها؟

في إسرائيل قلقون اليوم من الخطر الأمني كنتيجة لتموضع قوات إيرانية في سوريا وتوسيع تهديد حزب الله الى الجبهة السورية وللتأثير الحاسم للروس والإيرانيين على الحكم في سوريا ولفك الارتباط الأمريكي عن  الساحة. رؤساء الوزراء الذين سعوا الى اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا، حاولوا منع هذه المخاطر. لقد عملوا وفقا لنهج بموجبه هام ما يريده الشعب، ولكن هاما أكثر اقتياده الى ما يحتاجه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.