معاريف – بقلم زلمان شوفال - الشرق الأوسط الحقيقي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف – بقلم زلمان شوفال – الشرق الأوسط الحقيقي

0 67

معاريف – بقلم  زلمان شوفال – 15/9/2020

قد لا تكون قمة السلام في واشنطن “سلاما حقيقيا” بروح بن غوريون أو الآخرة الإقليمية لجابوتنسكي ولكنها نتيجة سياسة حكيمة، وهي تثبت مرة أخرى فشل مفهوم اليسار“.

ان احتفال التوقيع على اتفاقات  السلام مع اسرائيل واتحاد الامارات والبحرين في واشنطن اليوم ليس مجرد فصل هام آخر في  توسيع علاقات اسرائيل مع العالم العربي وفي تحقيق  السلام، بل وايضا دفنة حمار لمفهوم السلام الكاذب لـ “السلام الان” واليسار الإسرائيلي.

لقد كان الهدف المعلن لـ “السلام الان” في 1978 “اقناع الرأي العام في إسرائيل وحكومات إسرائيل بالحاجة وبالامكانية لتحقيق سلام عادل ومصالحة تاريخية مع الشعب الفلسطيني ومع الدول العربية المجاورة، وذلك مقابل حل وسط إقليمي وعلى أساس مبدأ “الأرض مقابل السلام”. ولكن في هذا الإعلان نفسه تكمن أسباب فشله، إذ ان ليست مسألة الاراضي التي استولت عليها إسرائيل في 1967 هي التي  منعت المصالحة والسلام العادل، بل مجرد وجود دولة إسرائيل، التي في نظر الحركة الوطنية الفلسطينية غير شرعية. هذا هو السبب  في أن  المؤسسات  الفلسطينية لم تلغي ابدا وحقا تلك البنود في الميثاق  الفلسطيني التي تدعو الى ابادة إسرائيل،  رغم تعهداتها في اتفاقات أوسلو ومؤتمر واي. من ناحيتهم يمكن الاعتراف بالوجود الفني لإسرائيل، ولكن ليس في حقها في الوجود؛ التفاوض معها بين الحين والآخر، ولكن عدم التوصل الى اتفاقات ابدا. ومثلما يقول دنيس روس، الذي على مدى السنين كان مسؤولا عن الولايات المتحدة على مسيرة السلام، ودافيد مكوبسكي في مقالهما المشترك، لم يتكبد الفلسطينيون ابدا عناء الموافقة او حتى الرد على عروض التسوية التي طرحتها إسرائيل او الولايات المتحدة.

وكما شرحت البروفيسورة روت غبيزون الراحلة، فان رفض الحق الأخلاقي والعملي للشعب اليهودي في دولة، وليس الأراضي ولا المستوطنين، هو سبب غياب حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. وبالتالي فان صيغة “ارض مقابل السلام” هي رؤيا عابثة إذ وفقا للمفهوم الفلسطيني، فان ليس فقط القسم الذي  على شرقي الخط الأخضر هو لهم، بل وأيضا ذاك الذي على غربه، أي دولة إسرائيل.

اتفاقات أوسلو في  1993، الاحتفال في ساحة البيت الأبيض والصورة المشتركة للرئيس كلينتون، رئيس الوزراء رابين ورئيس م.ت.ف عرفات، كانت علامة طريق من ناحية مدرسة “السلام الان”: “ها هي دولة إسرائيل قبلت بشكل رسمي مفهومنا، وبدعم من الولايات المتحدة وقسم كبير من الاسرة الدولية”. الحجر الأساس الاخر كان أن السلام مع الفلسطينيين هو المفتاح لاقامة السلام مع العالم العربي أيضا، المفهوم الذي تلقى ظاهرا تعزيزا في خطة السلام العربية في 2002 التي وإن كانت تحدثت عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل الا انها اشترطت هذا بتنازلات إسرائيلية بعيدة المدى في كل المجالات، بما في ذلك الأراضي والحدود، القدس بل واللاجئين العرب – اشتراطات حاول مؤيدو التسوية الإقليمية في اسرائيل وفي الوزارات الخارجية المختلفة في العالم التقليل من أهميتها.

في المواضيع السياسية أيضا يوجد أحيانا نهج “لا تشوشوا عقولنا بالحقائق”، بحيث أن كل المجريات الصاخبة والعميقة التي ألمت بالشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، بما فيها الربيع العربي الشتوي، إرهاب القاعدة وداعش، الحروب في العراق وفي سوريا، الفوضى العامة في العالم العربي والإسلامي، فما بالك السعي الى النووي من جانب ايران وتطلعاتها للهيمنة، لم تحرك قيد أنملة المنومين بصيغة “الأرض مقابل السلام” عن مواقفهم، ربما كي يضمنوا استمرار وجودهم في الساحة السياسية.

أما الاستراتيجية السياسية – الأمنية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالمقابل، فقد خلطت الأوراق السياسية لإسرائيل، بهدف التنسيق بين المصالح الأساسية لإسرائيل والمصالح الأساسية للقسم البراغماتي من العالم العربي، سواء في موضوع التهديد من ايران ام بالنسبة لمكان الطرفين في الخريطة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية. هذه الدول العربية، مثل مصر في حينه، وان كانت لا تدير الظهر لاماني الفلسطينيين، ولكنها تضع مصالحها على الرأس وذلك باسناد من الولايات المتحدة وبدعم، بالصمت على الأقل، من أجزاء هامة أخرى في العالم. لهذه الاستراتيجية السياسية – الأمنية توجد أيضا عناصر أخرى، مثل العلاقات مع محافل أخرى نشطة في المنطقة – روسيا مثلا، وهي كفيلة بان تحدث تغييرات معينة في نظرية الامن الإسرائيلية أيضا.

قد لا يكون هذا “سلاما حقيقيا” بروح بن غوريون وبالتأكيد ليس رؤيا الآخرة الإقليمية لجابوتنسكي، ولكن لن يكون واقعيا توقع أكثر من هذا على أي حال، او حتى الامل فيه. وهذا إذن هو الشرق الأوسط الجديد الحقيقي كنتيجة لـسياسة حكيمة، تطبع قمة السلام في واشنطن اليوم ختمها الرسمي عليها.

******

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.