معاريف– بقلم ران أدليست - الفيل الذي في صندوق الاقتراع - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

معاريف– بقلم ران أدليست – الفيل الذي في صندوق الاقتراع

0 105

معاريف– بقلم  ران أدليست – 26/2/2021

الكتاب الاهم للمؤرخ ايلان بابيه في تاريخ النزاع اليهودي الفلسطيني يضع امام المجتمع الاسرائيلي مرآة سوداء. وكالمعتاد يتجاهلها أو يكسرها “.

توجد مشكلتان اساسيتان مع التاريخ الوحشي للنكبة كما يصفها في كتابه البروفيسور ايلان بابيه “التطهير العرقي لفلسطين”. الاولى – كل شيء صحيح، والثانية – ماذا في ذلك،  كل شيء معروف. حتى وان لم يكن بتفاصيل التفاصيل  البشعة وبقوة  كما  توصف وتؤرخ الاحداث في الكتاب.

منذ العام 1937  كتب دافيد بن غوريون، زعيم اقامة الدولة، “علينا أن نطرد العرب ونأخذ مكانهم”. ومنذ ذلك الحين كان هو الرجل الذي أدار سواء المنظومة السياسية ام حملات الهغناة والجيش الاسرائيلي التي قاتلت في سبيل اقامة الدولة في ظل تدمير مئات القرى،  قتل وطرد مئات الالاف.  كل باحث اكاديمي صحافي مشارك ومحبي  تاريخ باد اسرائيل عرفوا وفهموا انه وقع هنا صراع دموي لا هوادة فيه بين الشعبين على كل الصندوق الذي هو ارض وديمغرافية. وقال زعيم مبام مئير يعاري ان “هذه حرب  الحق  ضد الحق”.

يرد بابيه عليهما بادارة تسجيل دراماتيكي، دقيق ومأساوي لكل قرية، بلدة او حي فلسطيني في المدن المختلطة التي شطبت قتل وطرد سكانها.  800 الف لاجيء، 530 قرية، 11 بلدة وعدة مدن مختلطة مثل يافا وحيفا.

حسب التاريخ الذي نتعلمه، عملت قوات الهغناة والجيش الاسرائيلي حيال عدو قام عليها لابادتها. هذا صحيح بالمعنى الذي يفيد بان الفلسطينيين، بعضهم على الاقل، لم يسيروا كالخراف نحو الذبح حتى  رغم أن الجيش الاسرائيلي تفوق عليهم وعلى المساعدة العربية الهزيلة التي تلقوها من الخارج  بكل مقياس عسكري، من القوى البشرية وحتى وسائل القتال. المشكلة هي ان الحديث لا يدور عن  احداث فيظعة جرت في ظل القتال بل بنية مبيتة. مخططات قيادة الدولة. تطهير القرى خطط له مسبقا، ومراحله الاولى نفذت حتى قبل وفي اطار حرب التحرير. وكان الخوف الاولي ان ليس للدولة اليهودية احتمال وجود (حتى بعد الموافقة على التقسيم) اذا كان للطرف الفلسطيني تفوق ديمغرافي ومزايا عسكرية في السيطرة على الارض (مئات القرى). واذهب لتعرف اليوم اذا كان هذا تقديرا صحيحا للوضع. عمليا، حرك هذا بن غوريون، قيادة الجيش و “اللجنة الاستشارية” التي وقفت خلف “ملفات القرى” التي اعدت مسبقا واستخدمت لاحقا للطرد والهدم السريع. وكان في هذه  اللجنة بن غوريون، يغئال الون، اسحق سديه، اسرائيل غليلي، موشيه دايان، يغئال يدين – كل ابطال صبانا. وكانت الالية هي أن كل رد عربي يشكل رافعة لايقاع ضربة، في اعقابه تنفذ  عملية رد تضمنت تطهير لقرية، وشملت غير مرة قتل نساء واطفال. في احدى جلسات الحكومة في اثناء حرب التحرير نهض اهران تسزلينغ، من وزراء اليسار، وادعى بغضب بان “جنود يهود يرتكبون افعالا نازية”.

هذا هو الكتاب الاهم في تاريخ النزاع اليهودي الفلسطيني لانه يجبر القارىء ليس فقط على أن يصدم بل وايضا أن يفكر ويسأل اسئلة مثل: هل كان محقا بن غوريون، وكيف نواجه اليوم هذه المعرفة. هل بدون الطرد، السلب، الهدم والقتل كانت ستكون لنا دولة تؤدي مهامها كدولة يهودية. وهل الثمن الاخلاقي الذي دفع يستحق مجرد اقامة الدولة بالحدود التي كلنا نتمتع (بالتأكيد نتمتع) لمجرد وجودها. هل افعال من هذا القبيل، بعد الحرب العالمية الثانية وعشرات ملايين الضحايا القتلى واللاجئين، هي بالاجمال جزء من الطقوس  الدموية للعالم في حينه؟

من ناحية اخلاقية الجواب كفيل بان يكون وحشيا مثل الحرب نفسها، وهذا هو السبب الذي يجعل المجتمع اليهودي في اسرائيل يتمصل منه. يوجد الكثير من “ربما كان يمكن عمل ذلك” و “كنا عملنا بشكل مختلف”، والحقيقة هي ان ليس لاحد جواب واضح. ولا حتى لبابيه. في صالحه يقال انه على الاقل لا يخفي  ولا يدحر وهو يضع امام المجتمع الاسرائيلي مرآة سوداء.  لقد كان الرد كما كان متوقعا، كسر المرأة وقتل الرسول، زائد هجمة اعلامية واكاديمية. فقد طرد من جامعة حيفا وهو يقيم حياة مهنية دولية مبهرة في بريطانيا “هذا هو الثمن الذي ادفعه”، قال في مقابلة مع “هآرتس”. “هل اقول ان هذا يسرني؟ أنا لا استمتع بذلك. انا شخص احب الناس، واريد أن اكون محبوبا. ليس مريحا لي مع هذا الموقف، موقف الكراهية تجاهي.  انا لا اتعايش جيدا مع هذا”.

الحل الحقيقي

ما هو كفيل بان يريح عقل بابيه هو حقيقة أن كتابه يمثل ا ليوم اليسار واليمين على حد سواء. وكل طرف يستخدمه لتبرير ارائه وافعاله. فاليمين المتصلب سيتبنى الكتاب كي يثبت بان هكذا فقط يمكن أن تقام وتثبت دولة. وان كل ما يحصل اليوم في الضفة هو استمرار مباشر ودقيق لاعمال الاباء المؤسسين. أما اليساريون، المفعمون بمشاعر الذنب، فسيشرحون بانه اذا لم نعترف بـ “النكبة”،  بالظلم الذي لحق بالفلسطينيين،  فلا  امل في انهاء النزاع.

بابيه نفسه يكتب ويقول: “مجرد الاعتراف باعادة كتابة التاريخ هو الخطوة الاولى التي يتعين علينا أن نتخذها اذا كنا نريد أن نعطي فرصة للمصالحة”.  يدور الحديث عن سذاجة يساري وسيطرة اكاديمي. الحل الحقيقي لشدة الاسفل ليس الحل الاخلاقي بل الحياة نفسها، التي هي موازين القوى بين المصلحة الاسرائيلية التي تمثلها حكومة اسرائيل وبين مصالح الاطراف الاخرى، من الفلسطينيين وحتى العالم  كله، والحل الوحيد هو الواقع. لا يوجد طريق في العالم لمنع اسرائيل وفلسطينين من أن تؤدي المهام والاختلاط معا اقتصاديا وعمليا في العجنة الجغرافية الاستراتيجية بين نهر الاردن والبحر. وبالتوازي فاننا ملزمون بان ننتظر الى أن تتبدد القيمة  الوطنية، الدينية والمثيولوجية  لـ “الارض  كمصدر اقتصادي (باستثناء  الجانب العقاري)  امام قيم  مثل  التعليم العالي، العلم، التجارة، التكنولوجيا العليا والصناعة.  الى جانب انخفاض هذه القيمة يفترض ان ينخفض ايضا مستوى الاستعداد، سواء لدى المستوطنين وفتيان التلال اما لدى الطبقة الوسطى المدينية الفلسطينية لسكب الدم عليها. الزراعة ستكون مصلحة تجارية وليس سببا لـ “الصمود”، للحنين ولطقوس عبادة الاصنام على شرف حجارة مقدسة تصبح مواقع للصلاة والسياحة.

هذه السياقات فقط ستطفيء نار النزاع في تلك الوحدة الجغرافية الواحدة بين النهر والبحر (بما في ذلك تسويات فيدرالية ما) الى مستوى محتمل لجيرة مقبولة. من هنا لاحقا ينبغي السماح لالية النكران والكبت ان تفعل فعلها.

يكتب بابيه ان “اسرائيل لن نعترف ابدا بحق العودة للاجئين الفلسطينيين”، وهو محق. المسألة الاشكالية هي كيف يطبق هذا،  والجواب هو: لا يوجد احتمال.  باستثناء اولئك الـ 70 الف “البادرات الانسانية”  التي اطلقت في هواء المفاوضات لباراك واولمرت. ابو مازن سبق ان قال انه لا يفكر بالعودة الى صفد مدينة مولده ولكن يطالب بالعودة الى حدود 67.  وماذا تعرفون؟ العالم كله يؤيد مطلبه. من زاوية نظر ما، فان التاريخ هو موضوع مخادع. فاقامة الدولة وحق العودة لليهود كانا مشروعا فرعونيا. الناس يأتون الى الاهرام ويقولون واو! احد لا يقول كم هم مساكين العبيد الذين بنوها. الفراعنة لم يحاولوا الوصول الى القمر. بل حفظوا بقايا عبيدهم،  تركوا قبة الهرم  وانهوا الامر. حكومات اليمين في اسرائيل تبني اليوم ابراج بابل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.