معاريف – بقلم  جاكي خوجي -  الحرب  اللاحقة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

 معاريف – بقلم  جاكي خوجي –  الحرب  اللاحقة

0 58

معاريف– بقلم  جاكي خوجي – 11/6/2021

” بعد شهر من اندلاع الحرب في غزة تدير اسرائيل حملة انتقام هادئة ضد حماس. ولماذا يحرص السنوار، تلميذ نصرالله، بخلاف معلمه على الحديث بلغة السوق “.

أمس كان يوم الثلاثين لاندلاع القتال في غزة، ومع انه لا تتطاير صواريخ من فوق رؤوسنا، فان هذه المواجهة لا تزال لم تنتهي بعد. فهي تتواصل بوسائل اخرى، لقد هددت اسرائيل بان تعيد غزة عدة سنوات الى الوراء، وهذا ما تفعله حقا. غزة اليوم توجد بالفعل ثلاث واربع سنوات الى الوراء، عشية اتفاق الدولارات الشهير والايام التي كانت فيها ساعة الكهرباء بضاعة غالية القيمة. 

طابور الناقلات الطويل جدا كل يوم في معبر كرم سالم، ويحمل معه السولار لمحطة توليد الطاقة الوحيدة في القطاع، لم يظهر هناك منذ شهر ونيف. المحطة القديمة جنوب مدينة غزة تنتج اساس التيار لسكان القطاع. عندما تعمل يتمتع السكان بـ 16 – 20 ساعة كهرباء في اليوم. اما الان فهم يكتفون بساعات قليلة فقط. كما أن مجال الصيد تقلص الى ستة ايام، ثلث المدى في الايام العادية. كنتيجة لذلك، قل محصول الصيد ليقترب من الصفر. معبر ايرز مغلق في وجه خروج ودخول التجار والمرضى. 

وضع اتفاق الدولارات الشهري الذي يسمى “النقدي مقابل العمل” يوجد في مداولات حثيثة بين اسرائيل، مصر وقطر ولكن اسرائيل بدأت تمس به ايضا. فهذا الاسبوع كان يفترض بالمال ان يدخل، ولكنه وقف بامر من القدس. يدور الحديث عن مئة الف عامل يعملون في اعمال بسيطة كل واحد منهم يتلقى مئة دولار في الشهر، وعن عشرات الاف الموظفين في الوزارات الحكومية ممن يتلقون راتبا متواضعا. هذان العنصران يخرجان من صندوق حكومة قطر بإذن اسرائيل. القطريون مستعدون لمواصلة دفع المال (30 مليون دولار بالاجمال) ولكن اسرائيل استخدمت الفيتو. 

لو كانت هذه القيود فرضت قبل شهر، لقفزت قيادة حماس عليها كالغنيمة. في حينه، في بداية ايار بحث محمد ضيف ورفاقه في الذراع العسكري عن اي ذريعة كي يراكموا النقاط على ظهر اسرائيل والسلطة، فوجدوها في الشيخ جراح وفي الحرم. اما الان، مع ان اسرائيل تدير ضدهم معركة متصلبة، فانهم يفضلون السعي الى حل هاديء. اذا لم يأتِ الحل، وواصلت اسرائيل منع الدولارات الغالية عنهم، فانهم سيجرون تقويما جديدا للوضع وسيفكرون كيف سيعملون. الاعتراف في انه لا توجد كهرباء مثلما في الماضي وان ضخ الدولارات توقف هو مثابة هزيمة لحماس. فقد قال السنوار انهم خاضوا معركة بطولة وانتصروا. استخدام الصواريخ جميل طالما ينتج ارباحا. فاي ارباح انتجها حتى الان غير الدمار، الشعارات الكبرى عن الاقصى، وساعات الكهرباء التي كانت ولم تعد. 

تنغيصات وخاوة

في الاسبوع الماضي كتبت هنا بان قيادة حماس في غزة، وعلى رأسها يحيى السنوار ورفيقه محمد ضيف، رئيس الذراع العسكري، تعلموا كثيرا من حسن نصرالله. في سياستهم تجاه اسرائيل، يطبقون بعض المباديء التي وضعها لهم زعيم حزب الله، ولا سيما في مجال تصميم وعي العدو. احد هذه المبادىء هو السعي الى وسيلة استراتيجية تعوض عن الدونية العسكرية. هكذا بنى نصرالله الصواريخ بعيدة المدى، القادرة على ان تغطي معظم اراضي اسرائيل، وهكذا واصل العمل على تطوير الصواريخ الدقيقة. بالادارة السليمة، مثل هذا السلاح، كفيل بان يغير سير المعركة، وان يغطي بشكل كبير على انجازات الجيش الاسرائيلي. الباحث في شؤون حزب الله من الجامعة العبربة دانييل سوبرمان،كان اول من عرّف السياسة التي تبناها نصرالله بعد حرب لبنان الثانية وأرفقها بالكلمات. يمكن ببساطة القول ان هذا هو سعي لخلق  صورة توازن حيثما لا يوجد بالضرورة. مثلا الاعلان عن الهجوم على مطار بيروت سرد عليه بهجوم على مطار بن غوريون. 

سار السنوار في طرق نصرالله. صحيح أنه ليس بوسع حماس ان تهاجم في كل زاوية في اراضي اسرائيل، ولكن بالنسبة لها لا تعد تغطية تل أبيب بالصواريخ منذ الان مهمة معقدة. صحيح ان مدى قدرة الاصابة التي حققوها متدنية نسبيا، ولكن لا ينبغي ان تقاس هذه المخاطر وفقا لمحطة واحدة في الزمن ولكن كمسيرة متعاظمة. لحزب الله ايضاى  لم تكن ذات مرة قدرات كهذه. اما اليوم، فهم يمكنهم ان يطلقوا صاروخا نحو معسكر هيئة الاركان في الكريا. 

رافق نصرالله بناء هذه القوة العسكرية بمغلف مناسب من الرسائل. فليس فقط  الاحتفاظ بالقوة بل وايضا الحديث عنها وتعظيم نجاعتها. هكذا هو السنوار ايضا. غطينا تل ابيب بـ 130 صاروخا برشقة واحدة، هكذا تباهى زعيم حماس في غزة. وقال ان هذا بالنسبة لنا أمر سهل كشربة ماء. 

وبمناسبة الماء، في القطاع لا يشربون الماء من الصنبور. فالتيار الذي يأتي من هناك ملوث بالرمل وغيره من الملوثات. ودارج شراء الماء النقي، التي تباع بـ 2 شيكل للقنينة. ولكن هذا ليس كل الاستهلاك. لمعظم البيوت خزان على السطح. وهناك يجمعون المياه التي اشتروها للاستخدام البيتي. والالاف اقاموا لانفسهم معامل بيتية لتنقية مياه الشرب وغيرها. هذا فرع قائم بذاته. 

تعلم السنوار من نصرالله مبدأ آخر في نظرية الوعي ضد اسرائيل. التسلل الى الجوانب الدقيقة من أتون الصهر وشق الطريق  لتفكيكه حيثما حبك بن غوريون ومؤسسو الدولة،  يسعى هذان الاثنان الى فكه. هكذا سمعنا نصرالله يقول مرات عديدة ان اسرائيل هي مجتمع ضعيف واستمتاعي، منقسم ولهذا فهو اضعف من                   بيت العنكبوت. وكرر السنوار هذه الفكرة مؤخرا واضاف من جانبه اليها. فقد قال ان مفهوم التعايش الذي يبنون عليه انهاء، متناولات الاضطرابات في اوساط الاقلية العربية في  اسرائيل. كان في ذلك تشجيعا للاقلية العربية ان تعمل بعنف مثلما عملت. وبالطبع، فان النبرات المتصاعدة في الصوت في اثناء الخطاب كانت مثلما في الانتاج الموسيقي. وهذا النمط الخطابي هو الاخر اخذه السنوار من نصرالله، وخطاباته هي استعراض المضمون ولكن الصراخ ايضا. 

أمر واحد يميز السنوار عن نصرالله في هذا المجال. لغته اقل نقاء. نادر ان يصدر عن نصرالله، المثقف واللاذع بين الاثنين، على لسانه شتيمة او قولا سوقيا. اما السنوار فيختار عمل ذلك بشكل واع. في السبت الماضي ظهر امام محفل ضيق من الاكاديميين الكبار من غزة. وعندما اراد ان يذكر نار الصواريخ نحو تل ابيب قال لهم بصوت صاخب، “نغصنا عيش تل ابيب. الله، سبحانه ساعدنا على تنغيص عيشهم وعيش باقي مدن الاحتلال”. ليست هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها تعابير الشارع. في ذروة ازمة الكورونا قال وزير الدفاع في حينه نفتالي بينيت ان غزة ستتلقى مساعدة انسانية من اسرائيل لمواجهة المرض، اذا ما اتخذت هذه خطوة مشابهة في مسألة الاسرى والمفقودين. اما السنوار فرد بقوله انه اذا ما منعت اسرائيل توفير اجهزة تنفس عن مرضى الكورونا في غزة التي تتعلق حياتهم بها، فان حماس ستفرض عليها عمل ذلك بالخاوة. اي اذا لم يعطينا اليهود ما نستحقه، فسنأخذه بالقوة. 

شيء لا يزل على لسان السنوار بالصدفة. فالجواهر السوقية يختارها بعناية. وهو ليس فقط لا يخجل من ذلك بل انه يرى في هذه اللغة وسيلة لنيل محبة الجمهور. في ذاك الخطاب الذي استخدم فيه فعل التنغيص استبق سامعيه وقال: “رغم اني اتحدث الى جمهور اكاديميين، اسمحوا لي بان استخدم تعابير السوق”. 

 من المغري الادمان على التشبيه بين حماس وحزب الله والقول ان الاول يشبه توأمه الثاني، ولكن الفوارق بينهما كثيرة. قيادة حماس مستعدة لان تتحدث مع اسرائيل بل وان تتوصل معها الى تسوية حدود. اما حزب الله، على افضل التقاليد الايرانية فلا يتحدث مع اسرائيل الا بلغة القوة. من المغري ايضا التعاطي مع ميزة السنوار هذه بتعال. غير أننا نحن ايضا ليس لدينا ما نتباهى به، وبالتأكيد بعد ذاك النقاش الضحل هذا الاسبوع في اللجنة التنظيمية في الكنيست والذي مقارنة به تشحب لغة السنوار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.