معاريف – بقلم الون بن دافيد – من تحت الرادار
معاريف – بقلم الون بن دافيد – 4/10/2019
ان كشف شبكة الجبهة الشعبية التي نفذت العملية في نبع داني (عين بوبين) هو تذكير هام بان الارهاب الفلسطيني المنظم وان كان قمع جدا الا انه لا يزال حيا ويمكنه أن يركل. فضلا عن استيضاح مسألة ما الذي جعل رئيس الخلية سامر العربيد ينهار في اثناء التحقيق، ستكون المخابرات الاسرائيلية – الشاباك مطالبة بان تفحص كيف اختفت عن عيونها الشبكة الخطيرة هذه وكيف نجح العربيد، الذي اعتقل فور العملية في تضليل محققي المخابرات والتحرر.
لسنوات طويلة لم نرَ شبكة مع طاقة فتاكة كهذه للجبهة الشعبية، احدى منظمات الارهاب الفلسطينية الاقدم، التي أسسها جورج حبش في الستينيات من القرن الماضي. في السبعينيات بادرت المنظمة الى سلسلة من العمليات القاسية، مثل المذبحة في مطار بن غوريون (في حينه كان يسمى مطار اللد) واختطاف جريء للطائرات. هذه هي المنظمة التي نشأ فيها ارهابيون مثل كارلوس، ليلى خالد وكوزو اكوموتو. هذه منظمة ارهابية كلاسيكية، صغيرة وسرية جدا، تتبنى ايديولوجيا علمانية – ماركسية. وقد عملت حتى اليوم وفقا لمباديء حرب العصابات التي وضعها ماو سي تونغ – كل نشيط لا يعرف الا مهمته ولا يعرف من هم النشطاء الاخرين وما هو دورهم. رجال الجبهة الشعبية ممن صدف لي ان التقيت بهم كانوا في معظمهم متعلمين جدا، بل ومثقفين. الامر الذي لم ينقص من اجراميتهم. مع سقوط الاتحاد السوفييتي اندثر العنصر الماركسي في طبيعة المنظمة واحتلت محلها نزعة قومية متزمتة ترفض حتى اليوم اتفاقات اوسلو.
في 2001 صفت اسرائيل خليفة حبش، ابو علي مصطفى، باطلاق الصواريخ نحو مكتبه في نابلس. من حل محله، احمد سعادات، سارع الى ان يصفي بعمل ثأري الوزير رحبعام زئيفي “غاندي”. اعتقله في البداية الفلسطينيون. وفي حملة للجيش الاسرائيلي القي القبض عليه ونقل الى السجن في اسرائيل.
ان التصفيات المركزة وصعود نجم الارهاب الاسلامي من انتاج حماس والجهاد الاسلامي دحرت المنظمة الى الهوامش، رغم أنها لم تهجر ابدا طريق الارهاب. في العقد الماضي انكشفت شبكة مقدسية اعتزمت اغتيال الحاخام عوفاديا يوسيف في حينه وشبكة اخرى اعتزمت المس بافيغدور ليبرمان. لقد كانت المنظمة ولا تزال موضع اهتمام الشاباك – المخابرات.
***
ورغم ذلك، نشأت في السنة الاخيرة في رام الله وفي محيطها شبكة ارهاب ذات طاقة فتاكة اختبأت عن عيون الاستخبارات العسكرية. بعد وقت قصير من عملية العبوة في النبع تبين أن الجبهة الشعبية تقف خلفها، وفي الشاباك سارعوا الى اعتقال العربيد، نشيط كبير ومركزي في المنظمة. فهموا في الشاباك في حينه انه شخصية اساسية، ولكنهم لم يعرفوا بانه كان مشاركا شخصيا في العملية. اعتقل اداريا، صمد في التحقيق، وفي ظل انعدام الادلة ضده حررته المحكمة بعد عشرة ايام.
اعتقد العربيد على ما يبدو بان باقي اعضاء الشبكة لن يسلموه وعاد للسكن في بيته. لم يحاول الاختباء. وبعد مرور شهر فقط من التحقيق انكسر اعضاء الخلية وكشفوا عن دور العربيد كمن ليس فقط قاد، بل وايضا شغل العبوة الفتاكة، حين كان يراقب المكان ورأى انه يوشك على قتل فتاة. كما انهم اعترفوا بوجود عبوة ناسفة اخرى لدى الخلية، مما جعل الحالة تحقيقا لقنبلة موقوتة.
سارع مقاتلو وحدة “يمم” الخاصة الى اعتراض العربيد وهو في خارج بيته. لم يكن مسلحا عند الاعتقال، ولكنه أبدى مقاومة، وعلى حد قول زوجته استخدام المقاتلون ضده قوة شديدة. عندما نقل الى منشأة الشاباك مر بفحص طبي، يبدو أنه لم يظهر الكسور التي وقعت له في عظام الصدر. خضع للتحقيق الاولي، عرض على قاض لتمديد اعتقاله، وعندها اعيد للتحقيق وفي اثنائه انهار.
قبل انهياره لم ينفِ العربيد التهم التي وجهت له. صحيح انه لم يقدم اعترافا مفصلا، ولكن في ما تمكن من قوله كان مثابة نصف اعتراف بما هو منسوب اليه. بعد أقل من يوم من الاعتقال نقل على عجل في حالة خطيرة الى مستشفى هداسا، مع كسور في الضلوع وفشل كلوي.
***
منذ 1999 يعمل الشاباك في ضوء قرار محكمة العدل العليا التي منعت استخدام أي وسيلة جسدية ضد الخاضع للتحقيق. ومع ذلك، ترك القرار فسحة تعفي المحقق من المسؤولية الجنائية عن استخدام القوة الجسدية، في حالة عمله بـ “حماية الحاجة”، اي استخدم القوة كي ينقذ الحياة. في ضوء هذا القرار قرروا في الشاباك بان كل استخدام لوسائل جسدية في اثناء التحقيق سيحصل على الاذن من المستوى الاعلى في الجهاز ويترافق والرقابة القضائية.
لم يوقف القرار في محكمة العدل العليا بشأن التعذيب استخدام الوسائل الجسدية في التحقيق، ولكنه جعله خاضعا للرقابة أكثر. ويبقي الشاباك بتشدد الغموض حول هذه الوسائل، ولكن شهادات ثابتة ممن خضعوا للتحقيق تصف ربطا أليما، صفعات، صرخات في الاذنين وايقاف او اجلاس في وضعيات أليمة. استخدام هذه الوسائل ليس عفويا وليس بصلاحية المحققين: كل صفعة وكل ربط أليم يحصل على اذن مسبق.
في السنة الماضي اضيفت للرقابة وسيلة اخرى: كاميرا منصوبة في غرفة التحقيق وتبث في الزمن الحقيقي ما يجري هناك. والمحامي المشرف يمكنه ان يأتي وأن يشاهده في كل وقت، ولكن الكاميرا لا تسجل: اذا لم تكن مشاهدة في الزمن الحقيقي – فلا يمكن استعادة ما حصل في غرفة التحقيق.
منذ قرار المحكمة العليا بشأن التعذيب مر في غرف التحقيق لدى الشاباك عشرات الاف الفلسطينيين. في اثناء العقد الماضي اعتبر المئات منهم “قنبلة موقوتة”، وفي السنوات الاخيرة انخفض هذا العدد الى افراد. نحو 4 – 5 في السنة. مثل هذه الحالة، يخرج فيها الخاضع للتحقيق في حالة خطيرة من غرفة التحقيق لم تحصل منذ اكثر من 15 سنة.
سيتعين على وحدة استيضاح شكاوى الخاضعين للتحقيق ان تفحص اذا كان وباي قدر ضرب العربيد في اثناء الاعتقال، قبل التحقيق، واذا كان المحققون قد خرجوا في اثناء التحقيق عن صلاحياتهم واستخدموا وسائل لم يؤذن بها مسبقا. في ساعة كتابة هذه السطور يبدو ان العربيد تجاوز الخطر ويمكن للشاباك ان يتنفس الصعداء. ضلا عن الضرر الذي لحق بتحقيق الحالة، فان من شأن موت المعتقل في اثناء التحقيق ان يلحق باسرائيل ضررا شديدا، سواء في الساحة الدولة ام في الشارع الفلسطيني.
تختلف الحرب ضد الارهاب جوهريا عن مكافحة الجريمة الجنائية. وظيفة الشرطة الجنائية هي ردع المجرمين ومعاقبة من تعفن. وبالمقابل فان الوظيفة الاولى للشاباك هي منع واحباط العمليات، وفقط – اذا ما فشل – الادانة. وعليه لا يمكن فحص الادوات التي تستخدم في الحرب ضد الارهاب مثلما يتم مع ادوات التحقيق الشرطية. ومع ذلك لا يفترض بمن يخضع للتحقيق أن يتضرر بشدة في اثناء التحقيق. ولكن فضلا عن مصير القاتل العربيد، سيتعين على الشاباك ان يفحص طرق عمله ضد الارهاب.
قبل اربع سنوات فاجأتنا كلنا موجة ارهاب الافراد ولم يكن لدى الشاباك والجيش الادوات التي تحذر من نية منفذ فرد وتسمح باحباطه. ومنذ ذلك الحين طورت اجهزة متطورة تنجح اليوم في احباط الغالبية الساحقة من العمليات. ولكن محظور ان يتوجه كل الاهتمام في اجهزة الاستخبارات ضد اولئك الافراد سيسمح لنمو متجدد لشبكات ارهابية منظمة.



