ترجمات عبرية

معاريف: استمرار النزاع الفلسطيني الإسرائيلي يعني القضاء على حلم الدولة اليهودية والديمقراطية

معاريف 22-06-25، بقلم: المحامي يورام رابيد*

النزاع بيننا وبين الفلسطينيين هو نزاع قومي بين الحركة الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية. وتجاهل مكانه والامتناع عن محاولة إيجاد حل له (لاعتبارات سياسية داخلية فقط)، يتسبب بمس خطير بطبيعة وبأخلاقية الدولة. يخلق هذا المس شرخاً يأخذ في الاتساع، سواء داخل المجتمع اليهودي أم بينه وبين المجتمع العربي، ونهايته لا تحمد عقباها.

إن دفن الرأس في الرمال وإبقاء الحيز العام للأقلية المتطرفة – المسيحانية سيؤدي إلى نهاية حلم الدولة اليهودية والديمقراطية. ثمة علم أسود لذلك؛ هو جعل تلاميذ الحاخام كهانا شرعيين لدرجة الولاية في الكنيست، بل ربما في المستقبل في مناصب وزراء، بما في ذلك الشرعية التي أعطيت لأقوال عنصرية تجاه العرب ولأفعال “فتيان التلال”.

تشدد كتلة اليمين (تمييزاً لها عن اليسار الصاخب والذي لا يفعل أي شيء حيث يتبنى بحكم الأمر الواقع موقف اليمين) على معارضتها لدولة فلسطينية غرب نهر الأردن بحجج قومية (بلاد الآباء) وأمنية زائفة (عمق إستراتيجي)، لكنها تمتنع عن طرح بديل باستثناء “إلى الأبد ستأكلنا الحراب”.

بقدر ما لا يتغير وضع الأمور هذا، فإننا نندفع نحو اجتياز نقطة اللاعودة لوجود دولة واحدة بين النهر والبحر. دولة كهذه يمكن أن تكون دولة كل مواطنيها (وعندها بالطبع لن تعود هناك دولة يهودية، إلا اذا طبقنا فكرة الأبرتهايد)، أو دولة أبرتهايد، أي يكون السكان الفلسطينيون في مكانة دون.

رغم أننا نجد في الحيز العام – السياسي القائم أن الضحالة والشعبوية هما عنوان اللعبة، ولا يسمحان للحقائق وأحياناً للاستنتاجات الواجبة أن تزعج ادعاءاتهما، فإنني سأستغل هذه المنصة وأجلب بعضاً من الحقائق التاريخية، إذ إنني أؤمن بأنه بقدر ما يطرح على الجمهور معنى استمرار المعارضة للدولة الفلسطينية، الى جانب معرفة التاريخ ذي الصلة، هكذا يكون من الأسهل على الزعامة (التي تسير أمام المعسكر وليس خلفه) البحث عن الحلول وتلقى إجماعاً واسعاً. إذ لا يوجد إسرائيلي واحد ولا عربي إسرائيلي واحد يريد دولة كل مواطنيها أو دولة أبرتهايد.

لقد قضى مشروع التقسيم، الذي أقرته الأمم المتحدة في 1947، بأن يسلم نحو 45 في المئة من أراضي “بلاد إسرائيل” إلى الفلسطينيين، ويسلم نحو 55 في المئة لليهود. تبقى القدس خارج المشروع، تحت سيطرة دولية. وافقت قيادة الحاضرة العبرية في البلاد برئاسة بن غوريون على المشروع، بينما عارضه الفلسطينيون والدول العربية معارضة قاطعة، ما أدى الى “حرب التحرير”.

لاستياء الفلسطينيين ولفرحنا، انتهت المعركة بتقسيم البلاد غرب نهر الأردن بنسبة 22 في المئة للفلسطينيين و78 في المئة لإسرائيل، فيما قسمت القدس.

خلقت “حرب التحرير” مشكلة جوهرية وهي مشكلة اللاجئين. من أصل 1.3 مليون فلسطيني كانوا يسكنون بين نهر الأردن والبحر عشية الحرب، أصبح 640 ألفاً لاجئين. المتبقون، نحو 160 ألفاً، بقوا في أراضي إسرائيل، بمن في ذلك أولئك الذين تمكنوا من العودة قبل قرار إغلاق الحدود، ونحو 500 ألف كانوا يسكنون منذ البداية في المناطق التي تبقت في ايدي الفلسطينيين. بعض هؤلاء اللاجئين فروا بإرادتهم، وبعضهم فر بعد أن تم تخويفهم (في أعقاب قضية دير ياسين) وبعضهم طردوا عملياً (الترحيل).

لم ينشأ اللجوء بالطبع من مجرد الهروب أو الطرد، بل نتيجة لقرار تاريخي لبن غوريون – قرار هو في نظري الثاني في أهميته بعد قرار اعلان الاستقلال – في عدم السماح بعودتهم الى أراضي إسرائيل، كما تقرر في اتفاقات الهدنة، وعدم منحهم أي تعويض عن أملاكهم.

منطق القرار واضح: في إسرائيل في ذاك الوقت كان نحو 600 ألف يهودي ونحو 160 ألف عربي. ولهذا فإذا ما أتيحت عودة اللاجئين سيصبح اليهود أقل.

منذ حرب التحرير كان موقف م.ت.ف و”فتح” هو “إلقاء اليهود في البحر”. في تشرين الثاني 1988، طرأ تغيير دراماتيكي في فكرهم. فقد قرر المجلس الوطني الفلسطيني بأنهم أخطؤوا في ردهم على مشروع التقسيم، ولهذا عوقبوا، وأنهم من الآن فصاعداً يوافقون على دولتين لشعبين. كانت هذه مبادرة أبو مازن، ورحّب عرفات بها.

وافق الفلسطينيون على دولتين على أساس حدود 1967 (22 في المئة مقابل 78 في المئة)، وفقا لصيغة السلام مع مصر – الانسحاب حتى آخر متر مربع. وكرر المجلس الوطني الفلسطيني هذا الموقف في 1993 حين أقر اتفاقات أوسلو. وكانت الصعوبة في أنهم تحدثوا في الوقت ذاته عن حق العودة لأربعة ملايين لاجئ.

في العام 2002 نشرت مبادرة الجامعة العربية التي تضم 22 دولة عربية و م.ت.ف، وبموجبها ستوقع الدول العربية كلها مع إسرائيل على اتفاق سلام إذا وافقت إسرائيل على دولتين على أساس حدود 1967. وبالنسبة لحق العودة قيل لأول مرة إن حله سيتم بالتوافق.

نذكر أيضا اتفاقات السلام مع مصر والأردن واتفاقات إبراهيم، التي خلقت من جهة وهماً بأنه يمكن احتواء النزاع مع الفلسطينيين الى الأبد، ما يسمح لزعامتنا ألا تنشغل به، في ظل القول “بعدنا الطوفان”. من جهة أخرى فإن الدول العربية التي وقعت معنا على اتفاقات السلام يمكنها أن تساعد في إيجاد حل.

توراة، شعب، بلاد
وإذا بتنا نتحدث عن النزاع، فلا بد أنه لا يمكن ذلك دون كلمة عن الوضع الراهن في الحرم الذي يعنى به الكثيرون. لا يدور الحديث عن قانون أو أنظمة، بل عن منظومة سلوكيات غير مكتوبة نشأت وحوفظ عليها بحكمة من القيادة السياسية منذ العام 1967.
من المهم أن نتذكر بأن المكان يُستخدم مسجداً على مدى نحو 1500 سنة ومركزاً دينياً للمسلمين عامة. إعطاء الإذن لصلاة اليهود في الحرم، مثله مثل إعطاء الإذن لصلاة المسلمين في “المبكى” أو صلاة اليهود في كنيسة القيامة.
وإذا ما نسي أحد ما، فعلى مدى نحو 25 سنة بدأت في نهاية السبعينيات، كانت في البلاد زعامة براغماتية في مسألة العرب والفلسطينيين. بيغن (اتفاق السلام مع مصر وخطة الحكم الذاتي)؛ رابين (اتفاق السلام مع الأردن واتفاقات أوسلو)؛ نتنياهو (اتفاقات واي في موضوع استمرار تنفيذ اتفاقات أوسلو واتفاق الخليل على تقسيم المدينة)؛ باراك (الانسحاب من لبنان والمفاوضات مع عرفات)؛ شارون (خطة فك الارتباط)؛ أولمرت (المفاوضات مع أبو مازن)؛ وبالتأكيد التأييد المعلن من رابين، نتنياهو، باراك، وشارون، لدولة فلسطينية.
الخطر المتزايد هو أنه منذ العام 1974 مع قيادة حركة “غوش ايمونيم” وبدء مشروع الاستيطان، يتحول النزاع من قومي الى ديني. “غوش ايمونيم”، بخلاف الصهيونية، وضعت الايمان – وبقوة اكبر المسيحانية – قبل القومية. في السنوات الأخيرة جرتها الأقلية المتطرفة التي في الصهيونية الدينية، بل وقسم من الجمهور العلماني، الى تغيير في الفكر: من الآن فصاعداً لا تقل “توراة، شعب، بلاد”، بل “بلاد، شعب، توراة”، الذي يعني كما أسلفنا دولة واحدة بين النهر والبحر، والكل باسم الرب، وهؤلاء يستغلون الفراغ الناشئ عن تجاهل الزعامة، ويسيطرون على الخطاب العام.
بقدر ما يسيطر الدين على النزاع (ونتيجة لذلك على طابع دولتنا)، لا يعود ممكناً إيجاد حل له، إذ من سيخالف قول الرب، والرب ليس إلا واحد؟!
أنا واثق من أننا إذا ما عرضنا كل ما سلف على الأغلبية المعتدلة والصامتة (علمانيين ومتدينين، يميناً ويساراً) ستنهض وتقول كلمتها من أجل الأجيال القادمة، إذ نحن نحب الحياة، ونشدد على أنه ليس للنزاع حل سحري، وبالطبع هناك حاجة الى اثنين لرقصة التانغو، ولكن من المحظور علينا أن نستخدم هذه المعاذير كي نمتنع عن البحث عن الحل. والدليل اتفاقات السلام التي بين إسرائيل وبين بعض الدول العربية، التي بدت في الماضي أضغاث أحلام.

*شغل منصب مستشار رئيس الوزراء الراحل، أريئيل شارون، وكان مشاركاً في حوار سري مع الفلسطينيين في الأعوام 2006 – 2009.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى