مصير أراضي الغمر والباقورة قد يحدّد كثيرا من طبيعة مستقبل العلاقات الأردنية - الإسرائيلية! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مصير أراضي الغمر والباقورة قد يحدّد كثيرا من طبيعة مستقبل العلاقات الأردنية – الإسرائيلية!

0 86

مركز مدار* – بقلم هشام نفاع    – 29/10/2019

لا يخفى حتى على أشدّ الراغبين في تسريع وتعميق التطبيع أن هناك غمامة قاتمة تسيطر على العلاقات الثنائية بين الأردن وإسرائيل. والسبب كما يتفق مراقبون كُثُر هو مجمل السياسة الإسرائيلية العدوانية التي تقودها وتطبقها حكومات اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو في العقد الأخير، وخصوصاً ما يتعلّق بالقدس ومكانتها وهويتها، التي يحظى الأردن بمكانة خاصة في إدارة أوقافها.

ومهما رغبت قوى معيّنة في التجاهل والمرور مرّ الكرام على الكثير، يبدو أن الصلف الإسرائيلي لم يترك لهؤلاء ممرّا آمناً لذلك. صحيح أن الغمامة اللزجة لشدة كثافتها لم تؤدّ الى إلغاء المعاهدة المشتركة بين الطرفين، وهو ما تطالب به أصوات أردنية كثيرة عند كل أزمة وعدوان وهجمة إسرائيلية، وما أكثرها، ولكن قد يسري هذا الإلغاء على ملحقين مهمين في المعاهدة، هما ملحقا الباقورة والغمر من اتفاقية السلام مع اسرائيل، الموقعة في 26 تشرين الأول 1994.

خلفيّة

جاء في الملحق 1 (ب) “يتفق الطرفان على تطبيق نظام خاص على منطقة الباقورة / نهرايم وذلك على أساس مؤقت حسبما هو منصوص عليه في هذا الملحق”. و”اعترافا بأن هذه المنطقة تقع تحت السيادة الأردنية وفيها حقوق ملكية أراض خاصة ومصالح مملوكة إسرائيلية (المتصرفون بالأرض) في الأرض التي تتكون منها المنطقة (الأرض)، يتعهد الأردن: أن يمنح، دون استيفاء رسوم، حرية غير مقيدة للمتصرفين بالأرض وضيوفهم أو مستخدميهم، بالدخول إليها والخروج منها واستعمالها والحركة ضمن حدودها وأن يسمح للمتصرفين بالأرض بالتخلي بحرية عن حقوقهم بالتصرف بالأرض وفق القانون الأردني المعمول به”. كذلك سمح الملحق “بدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي، بالحد الأدنى من الشكليات، إلى المنطقة لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرا بالمتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم”. وجاء في بند آخر “دون المساس بالحقوق الخاصة بالتصرف بالأرض في المنطقة يستمر هذا الملحق نافذ المفعول لمدة خمس وعشرين سنة، ويجدد تلقائيا لفترات مماثلة ما لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر بنيته إنهاء العمل بهذا الملحق قبل سنة من انتهائه وفي هذه الحالة يدخل الطرفان في مشاورات حيالها بناء على طلب أي منهما”.

على نحو مماثل، ورد في الملحق رقم 1 (ج) أنه: “يتفق الطرفان على تطبيق نظام خاص على منطقة الغمر / تسوفار وذلك على أساس مؤقت حسبما هو منصوص عليه في هذا الملحق”. وفي ختام الملحقين أعلن عن “تشكيل لجنة ارتباط أردنية – إسرائيلية بهدف معالجة كافة الأمور التي تترتب على هذا الملحق”.

الاستفزازات الإسرائيلية ورسائل الملك السريعة

لكن المستقبل القريب لهذه الأراضي (الباقورة الواقعة شرقي نقطة التقاء نهري الأردن واليرموك في محافظة إربد الشمالية، والغمر الواقعة في منطقة وادي عربة في محافظة العقبة الجنوبية)، هو ما يشغل مركز العلاقات بين الأردن وإسرائيل هذهالفترة. لقد سبق أن وافق الأردن على تأجيرها لإسرائيل قبل 25 عاماً، تنتهي مدتها هذه الأيام، ويبدو أنه كان لدى المستأجرين فهم خاطئ وكأنّ مواصلة حيازتها واستخدامها مؤكد ومفهوم ضمناً، وأن عمّان ستمدّد مدة التأجير بشكل روتيني وبجرّة قلم، حرفياً. لكن الصورة في الواقع وعلى أرضه، معقدة أكثر.

فقد أعلنت وكالة “بترا” الأردنية الرسمية في الحادي والعشرين من تشرين الأول الجاري أن الملك عبد الله أطلق الرسائل السريعة التالية: تم إعلام إسرائيل بالقرار الأردني بإنهاء العمل بالملحقين؛ الباقورة والغمر أراض أردنية وستبقى أردنية ونحن نمارس سيادتنا بالكامل على أراضينا؛ موضوع الباقورة والغمر على رأس أولوياتنا منذ فترة طويلة؛ أولوياتنا في مثل هذه الظروف الإقليمية الصعبة هي حماية مصالحنا وعمل كل ما يلزم من أجل الأردن والأردنيين. وكرر الملك الأردني هذه البلاغات في لقاءات مع وفود وشخصيات محلية.

النقطة الأخيرة في الرسائل هي الأكثر أهمية ووزناً: لا يمكن للملك والقيادة الأردنية عموماً ضمن المعادلات الإقليمية الراهنة وشديدة الهشاشة، أن تضع نفسها في خانة “كل شيء بخير وعلى ما يُرام” مع حكومة إسرائيل وسياساتها. وبكون مطلب عدم تجديد مدة التأجير قد علا وتكرّر كثيرا في مجلس النوّاب، فقد اهتمت الوكالة الرسمية بنشر بيان أشاد فيه رئيس مجلس النواب المهندس عاطف الطراونة بقرار الملك. وقدم الطراونة خلال جلسة عقدها مجلس النواب في اليوم نفسه “الشكر باسمه وباسم أعضاء مجلس النواب والشعب الأردني لجلالة الملك على هذا الموقف الذي عبر عنه جلالته خلال تغريدة على تويتر. ولاقى قرار جلالة الملك الترحيب والشكر من أعضاء مجلس النواب”.

“رغم اتفاق السلام، إسرائيل تتعامل باستخفاف وعدم احترام”

بالتزامن، رأى محلل في وكالة الصحافة الفرنسية، أن “25 سنة مرّت على توقيع الأردن وإسرائيل معاهدة سلام بينهما، لكنها معاهدة لم تكتسب شرعية شعبية في الأردن حتى اليوم، في وقت تواجه العلاقة بين عمّان وتل أبيب تحديات متواصلة”. واقتبس مسؤولا أردنيا يقول “رغم اتفاق السلام، إسرائيل تتعامل باستخفاف وعدم احترام. مثلا الوصاية الهاشمية على المقدسات تنتهك يوميا تقريبا، ومحاولات تهويد القدس على قدم وساق”. في المقابل، قال له السفير الإسرائيلي في عمان عمير فيسبرود إن بلاده والأردن تنسقان جيدا على صعيد المياه والأمن، وأن زيارات الإسرائيليين الى الأماكن السياحية في جنوب الأردن في ازدياد. وأضاف “نسعى إلى إيجاد طرق لتحسين العلاقات. يمكن للبلدين أن يبذلا المزيد”، مضيفا “الأردن شريك يمكن الوثوق به، والبلدان يتمتعان بالمصداقية”.

كلام السفير المتفائل، شديد الدبلوماسيّة وقليل الوضوح، نقضته صحف ووسائل إعلامية إسرائيلية عدة، تناولت بشكل مستفيض ما يوصف مراراً بـ”السلام البارد” وعواقبه. فقد نقلت الكاتبة نوعا شبيغل (هآرتس) عن مصادر سياسيّة “عليمة جداً” عن وجود طلبٍ إسرائيلي رسمي للقاء الملك عبد الله الثاني، بشأن الأزمة الخاصّة بمنطقتي الباقورة والغمر.

ورئيس المجلس الإقليميّ لمستوطنات غور الأردن قال للصحافية إنّه قبل بضعة أشهر، ظهرت إمكانية لاتفاق حول الغمر، لذلك بدا أمل في أنْ يتم التوصل إلى اتفاقات مشابهة مع الأردن على جيب الباقورة، ولكن الأمل خاب ولم يحدث ذلك مُضيفاً: “نحن نقترب من اليوم المحدد، وأنا خائب الأمل في أنْ أكشف أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وَمَنْ أداروا المفاوضات من قبله على جيب الباقورة، قد فشلوا فشلا ذريعاً ومُدّوياً”. هذا المسؤول يقلّل من شأن ما أسماه “أدوات الضغط التي كانت لدى صُنّاع القرار في تل أبيب، وتحديداً نتنياهو” التي لم تقُد إلى النتيجة المتمثلة في استمرار الاتفاق القائم أوْ عقد اتفاق جديد يُمّكِّنْ المزارعين الاسرائيليين من فلاحة تلك الأراضي.

رئيس الموساد الأسبق يتهم نتنياهو

خلفيّة الموقف الأردني الذي لم يزدد سوى ثباتاً حتى الآن، كشفت الصحيفة طيفاً واسعاً منها بالقول إنّ الحكومة الإسرائيلية لم تنفذ وعودها للأردن بإقامة قناة البحرين، جسر على نهر الأردن ومنطقة صناعية، ولم تُسيِّر الأمور بحسب ما وعدت الملك الأردني، ومع ذلك فقد سكب نتنياهو الزيت على النار، مع قصة ضمّ غور الأردن.

وليس الأردنيون فقط من يتهمون نتنياهو وحكومته بتفاقم الأزمة. بل ها هو رئيس الموساد الأسبق، إفرايم هليفي، يقول بمُناسبة مرور 25 عاماً على توقيع الاتفاقية بين إسرائيل والأردن، إنه يرى “خطراً كبيراً على اتفاق السلام مع الأردن، ولا أتهِّم المملكة بذلك، بل أُوجِّه أصابع الاتهام لإسرائيل”. وأضاف المسؤول الاسرائيلي السابق الذي قاد المفاوضات السريّة التي أفضت لتوقيع الاتفاق عام 1994، أنّه في السنوات الأخيرة ابتعدت الحكومات الإسرائيليّة عن المملكة، بالإضافة إلى احتقار الأردن والتقليل من وزنه والاستخفاف به، وذلك في نفس الوقت الذي تحوّل وضع المملكة الجيو- سياسيّ إلى سيءٍ للغاية، وذلك بسبب الأحداث التي عاشتها المنطقة في السنوات الأخيرة، وبشكلٍ خاصٍّ الحرب الأهلية التي شهدتها سوريّة منذ العام 2011، والتي أدّت لنزوح أكثر من مليون سوريّ إلى المملكة، كما قال. هذا التفسير هو صدى واضح لبلاغ الملك الأردني المذكور أعلاه عن “الظروف الإقليمية الصعبة”.

عندما تلتقي “هآرتس” و”يسرائيل هيوم” في الموقف

قلّما تجد قضايا في إسرائيل تتفق عليها أقطاب المشهد السياسي والإعلامي. لذلك كان لافتاً أن تكتب “هآرتس” المحسوبة على الليبراليين وحتى “اليسار الصهيوني” موقفاً من قضية العلاقات الأردنية-الإسرائيلية، شاركتها إياه بشكل متماثل تقريباً صحيفة اليمين وحكومته “يسرائيل هيوم”.

تكتب “هآرتس”: “من أجل الحفاظ على حدود إسرائيل الأطول وفي سبيل إبقائها ليست آمنة فقط بل ومزدهرة ونامية على مدى الزمن، وللحفاظ على الإنجاز التاريخي الهائل لموقّعي الاتفاق (الأردني-الإسرائيلي)، لا يكفي إقامة علاقات سرية، مهما كانت جيدة، بين محافل الأمن. فحكومة إسرائيل ملزمة بتحسين مشاعر جيرانها من الشرق، ولا سيما مكانة الأردن الخاصة في الأماكن الإسلامية المقدسة، والامتناع عن تصريحات عديمة الأساس والمسؤولية تلمح بأن مكان الشعب الفلسطيني في الأردن”.

أما “يسرائيل هيوم” فنشرت مقالا جاء فيه، رغم الانتقادات التي وجهها للأردن أيضاً، أنه: “تعترف الدولتان أن اتفاق السلام يخدم المصلحة المتبادلة وهو ذو أهمية استراتيجية في ضوء الهزات في الشرق الأوسط، ولكن كلتاهما لا تفعلان ما يكفي لتعزيزه ومنع التدهور في العلاقات. على إسرائيل أن تبدي حساسية تجاه ضعف المملكة، مشاكل الملك والحساسيات المختلفة: المسألة الفلسطينية، الحرم، اللاجئون السوريون ومكافحة الإرهاب. والأمر يستوجب تلطيف حدة المواقف والامتناع عن الاستفزازات والتصريحات الزائدة”.

تحت السطح، وحقيقة ما يفكّر فيه إسرائيليون اعتادوا على لغة الإملاءات ويُصدمون الآن بسماع (لا) عربيّة، عبّر عنها عضو حزب الليكود جلعاد شارون (ابن شارون إياه) الذي هدّد وتوعّد في مقال منفلت: “يجب أن نقول لملك الأردن بوداعة تامة: إذا أخرجت المزارعين الإسرائيليين من الباقورة والغمر، ستبقون عطشى. ليس عبد الله بشكل شخصي، ففي القصر سيواصلون بالطبع تقديم المياه المعدنية الباردة في قناني زجاجية يعلوها الندى… ولكن سكان المملكة سيشعرون بالعطش جيدا”. ويختتم بجلافة: “هذا موضوع سياسي. لا تتشاطروا علينا في موضوع مهم بالنسبة لنا وهامشي بالنسبة لكم، وما كان لأحد أن ينشغل به لو لم تتسلقوا هذه الشجرة. وإذا ما تشاطرتم فهذا سيؤلمكم جدا. ونقطة أخيرة – كان يمكن أن نتوقع نكراناً أقلّ للجميل، ممن نحمي حياته وحمينا حياة أبيه منذ عشرات السنين”. ويصعب العثور على لغة استعماريّة أكثر صلفاً وكلاسيكية من هذه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.