أقلام وأراء

مروان إميل طوباسي: من وحدة الداخل إلى معركة المشروع الوطني، ضد الوصاية ومع استعادة منهج التحرر

مروان إميل طوباسي 24-1-2026م: من وحدة الداخل إلى معركة المشروع الوطني، ضد الوصاية ومع استعادة منهج التحرر
تعكس الدعوات المتزايدة لتشكيل محاور إقليمية جديدة حجم الأزمة التي يعيشها النظام العربي والإقليمي، وعجزه عن إنتاج استراتيجية فاعلة لمواجهة الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في هشاشة هذه الطروحات فحسب، بل فيما يُراد فرضه عمليا على حالتنا الفلسطينية ، حيث يُسعى إلى استبدال المشروع الوطني بأطر إدارية تكنوقراطية وتفريغ السياسة من مضمونها التحرري .
في هذا السياق ، لا يمكن فصل الطروحات الإقليمية عمّا يُحضر له فلسطينياً ، خصوصا مع المضي في تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة بإرادة ومرجعية انتدابية أمريكية واضحة ، وتحت شعارات “الإنقاذ” و”إدارة ما بعد الحرب”. فالتكنوقراط هنا لا يمثلون حلاً تقنيا لأزمة إنسانية نتجت أصلاً عن حرب إبادة وتهجير مستمرة منذ جريمة النكبة خدمة للمشروع الاحلالي الصهيوني ، بل أداة وصاية سياسية تهدف إلى إزاحة الفعل الوطني وفصل الإدارة عن المقاومة والسياسة ، وتحويل غزة من ساحة صراع تحرري إلى ملف إنساني أمني تحت السيطرة الخارجية .
من المهم أن نفهم أن هذه الخطوات لا تأتي بمعزل عن المنهج الأمريكي الشامل اليوم بل والقديم المتجدد ، وبشكل خاص وفق “الرؤية الترامبية” التي تركز على حماية مصالح رأس المال العالمي والهيمنة الاستراتيجية في المنطقة ، ومن خلال تشكيل ما سُمي بمجلس السلام العالمي الذي أعلن عنه في لقاء دافوس ، كبديل تسعى له مراكز النفوذ بالولايات المتحدة الأمريكية عن هيئة الأمم المتحدة بما يتجاوز أصلا اي تفويض صادر بقرارات مجلس الأمن الدولي . ففرض لجان التكنوقراط وإدارات الوصاية ليس مجرد حل تقني لأزمات غزة أو الضفة، بل أداة لإبقاء فلسطين تحت إدارة محكومة خارجيا بعيدا عن إرادة شعبها ومشروعها التحرري . هذه الرؤية تضمن تحويل السياسة الوطنية إلى إدارة روتينية وتفريغ السلطة الوطنية ومنظمة التحرير من دورها السياسي ، بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين ، ويضعف أي قدرة فلسطينية على المواجهة أو المقاومة السياسية والشعبية الفعلية . والنتيجة العملية لهذا النهج هي إعادة إنتاج الهيمنة الإسرائيلية–الأمريكية بصيغ “أكثر نعومة”، وإدخال الفلسطينيين في دائرة إدارة الأزمة بدل إدارة المشروع الوطني التحرري .
الخطورة لا تتوقف عند غزة ، فالنموذج نفسه جاهز للنسخ في الضفة الغربية ، تحت شعارات “الإصلاح”، و”الاستقرار”، و”منع الانفجار”. أي تحويل السلطة الوطنية إلى جهاز إداري منزوع السياسة ، وظيفته إدارة السكان لا مواجهة الأحتلال وتوسع الأستيطان ، وربط الاقتصاد بالأمن وتعميق التبعية بدل تفكيكها . وفي الحالتين ، تكون النتيجة واحدة تتمثل في تقويض تدريجي لأي أفق تحرري وإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغ أكثر “نعومة”.
الأخطر أن هذا المسار يستهدف بشكل مباشر منظمة التحرير الفلسطينية ومكونات الحركة الوطنية وبالمقدمة منها حركة “فتح”، الحامل المفترض للمشروع الوطني التحرري . فبدل إعادة بنائها وتفعيلها ديمقراطيا على أسس وحدوية كحركة تحرر وكجبهة وطنية عريضة وفق برنامج تحرري يصل بنا الى الإستقلال الوطني ، يجري الالتفاف عليها عبر محاولات تقويض دورها ومكانتها ، وعبر هياكل بديلة تتمثل في لجان وإدارات مؤقتة ، تُمنح الشرعية من الإدارة الامريكية والانتداب الجديد ، وتُفرغ التمثيل الوطني من مضمونه . وهكذا ، لا يُفرغ دور السلطة الوطنية فحسب ، بل تُفرغ القضية نفسها من بعدها السياسي الوطني التحرري لإنهاء الأحتلال الاستيطاني .
من جهة اخرى وفي مواجهة هذا المسار ، تكتسب تجربة أبناء شعبنا الفلسطيني بالداخل أهمية استثنائية ، فهي تقدم نموذجا بديلا لبناء القوة من الأسفل إلى الأعلى . فمحاولات توحيد التمثيل السياسي وإعادة إحياء “القائمة المشتركة” ، وتعزيز التكامل بين مكونات هذه القائمة الوحدوية لانتخابات الكنيست ، مع لجنة المتابعة العليا ، وربط العمل البرلماني بالنضال الشعبي المنظم ، تشكل استراتيجية فلسطينية حقيقية لاستعادة السياسة من قبضة الإدارة بالداخل الفلسطيني .
إن الدعوات إلى تصعيد النضال الشعبي ، بما في ذلك العصيان المدني السلمي الذي أشار له الصديق والقائد الوطني “أيمن عودة ” خلال مظاهرة سخنين أمس ، ليست مجرد شعارات احتجاجية ، بل أداة ضغط جماهيرية مُكلفة على سلطات الأحتلال وتغيير عن منهج مفاحئ متقدم لجماهير يوم الأرض .
فالعصيان المدني المنظم يعيد تعريف العلاقة مع منظومة السيطرة الإستعمارية ، ويضعف سلطة التكنوقراط التي تقوم على إدارة الواقع لا تغييره ، وفهم الاحتلال كأداة تحكم لا كعدو أستعماري يجب مواجهته .
الربط بين ما يجري في الداخل وما يُفرض على غزة والضفة ضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى . فالمعركة واحدة ، وإن اختلفت ساحاتها ، معركة على طبيعة المشروع الوطني التحرري . إما مشروع تحرر تقوده إرادة شعبية ، وتنظيم وطني جامع يفترض ان تكون منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في كافة اماكن تواجده كجبهة وطنية عريضة ، ونضال سياسي ودبلوماسيا وقانوني واقتصادي وجماهيري متكامل ، أو كيان مُدار بلجان ، مضبوط أمنياً ، وممول بشروط ، ومفرغ سياسيا من المضمون .
المطلوب فلسطينياً اليوم ليس تحسين شروط الوصاية ، بل رفضها بشكل كامل ، وليس البحث عن إدارة “أكفأ” للسلطة تحت الأحتلال وفق ما يريده ترامب ، بل استعادة السياسة بوصفها فعل مقاومة حقيقي واجراء الإصلاحات اللازمة بقرار وطني مستقل عبر الإجراءات الديمقراطية الشفافة . وهذا يمر عبر مسارات واضحة تتمثل في إفشال تحويل غزة إلى مختبر للتكنوقراط ، منع تعميم النموذج على الضفة كما هو مخطط ، حماية منظمة التحرير من التفريغ ، وتعزيز وحدة الداخل الفلسطيني ونضاله كجزء لا يتجزأ من البديل الوطني الشامل .
بالنتيجة ، فأن من لا يملك قوة داخلية متماسكة ، وتمثيلاً وطنياً ديمقراطياً فعالاً يقوم على اسس الإرادة الشعبية الواسعة ، وإرادة سياسية مستقلة ، ورؤية سياسية واضحة المعالم ، سيُفرض عليه دائما شكل الحل ومضمونه . أما حين تُبنى هذه القوة من القاعدة إلى القمة ، اعتمادا على الشعب نفسه كمصدر للسلطات والتفافه حول قيادته السياسية ، فإن أي إقليم مهما كانت محاوره ، سيضطر إلى التعامل مع فلسطين كقضية تحرر حقيقية ، لا كملف يحتاج إلى إدارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى