مرزوق الحلبي يكتب - العودة من جديد إلى فلسطين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مرزوق الحلبي يكتب – العودة من جديد إلى فلسطين

0 62

مرزوق الحلبي *- 26/10/2020

سأقترح فيما يلي إطارًا أوسع للتفكير في فلسطين. فمن المراوحة بالمكان مثلًا مناقشتها من باب حلّ الدولة أو الدولتيْن. ومن غير المُجدي مناقشتها من باب الشرعيّة الدولية دون إعادة قراءة المنظومة الدولية في راهنها. ومن غير المُفضي إلى أيّ مكان الارتهان في التفكير بفلسطين إلى نتائج الانتخابات في إسرائيل. ولن يساعدنا في شيء أن نتحدّث عن فلسطين بدون أن نقرأ تحوّلات الإقليم العربي في العمق. بمعنى أن هناك جُملة من المتغيّرات علينا قراءة فلسطين وسطها لا خارجها ويقينًا لا من خلال الأماني والرغبات والحنين وما إلى ذلك. هذه “مواد” صالحة في بناء الهويّة لكنها غير كافية لصناعة الأمل العملي. فما الذي حصل ويستوجب قراءة أخرى لـ”فلسطين”.

المنظومة الدوليّة: تبدو أنها محكومة الآن لمحورين أساسييْن، الأول، أن هذهالمنظومة في أوج صراع متجدّد على الموارد الطبيعية والمناطق الحيوية والاستراتيجية كجزء من صراعات اقتصادية كونية وإقليمية تشكّل فيها الصين ندًّا جديدا لأمريكا بدل “المنظومة الاشتراكية” ويُحاول الاتحاد الأوروبي فيها التموضع من جديد تحرّرا من اتفاقيات فُرضت على دوله غداة الحرب العالمية الثانية. وهي صراعات تُنتج توترات وحروبا مباشرة أو بالوكالة وتنطوي على نزعة كونية لانتهاك القوانين والأعراف والمواثيق والقرارات الأممية التي وُلدت كمنظومات كابحة بعد الحربيْن العالميتيْن لمنع الفظائع والحروب وبعث الاستقرار والسلم والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن بينها المتّصل بفلسطين. الثاني، إن سيرورات العولمة المرفقة بالنموذج النيوليبرالي والسوق الحرّة أضعفت الدولة ككيانات سياسية ورهنت القرارات الوطنية لقوى خارجية أكثر من أي فترة أخرى في المئة سنة الأخيرة. وقد رأينا كيف يتمّ شراء وبيع حكومات وأوطان وكيانات في هذه “السوق” ترجمةً لمبدأ فائض الرأسمال وسرعة حركته وجريانه وفائض قوّته. بمعنى أن ضعف الدولة والسيادة الوطنيّة وارتهان القرار الوطني لجهات خارجية اقتصادية ومالية ودولية هو في صلب اصطفاف المنظومة الدوليّة الراهنة وحساباتها.

الإقليم الشرق ـ أوسطيّ: الثورات العربيّة غير المكتملة التي أتت في إطار الربيع العربي والثورات المضادة والتدخلات الأجنبيّة لقمع هذه الثورات أو الاستفادة من حصولها ابتلعت إلى داخلها فلسطين وما تعنيه. وتكوّنت طبقة أخرى فوق فلسطين جراء التوتّرات بين المحاور الإقليمية لا سيّما بين السعودية وإيران وبين إسرائيل وإيران. تفاقم الأمر مع دخول القوى الدولية إلى “الفراغ” الأمني والسياسيّ الذي نشأ وانقضاضها على ثروات الشعوب ومقدرات الكيانات السياسيّة. كل هذه التحولات مُجتمعة أفضت إلى سيرورة هائلة الدفع نحو ترتيب المنطقة من جديد، خرجًا من “سايكس ـ بيكو” ودخولًا فيما هو ترسيم خارطة المصالح الدولية في الإقليم بمشاركة وكلاء شرق اوسطيين عرب وغير عرب. بمعنى أن “الأقوياء” يلعبون بمصائر المُستضعفين ومواردهم بما في ذلك فلسطين. بل يشعلون الحروب ويُقاتلون بجيوش من الفقراء والمستضعفين ـ أنظر بؤر الحرب والتوتّر. المراكز العربية التي ظهرت دائما على أنها “عُمق استراتيجي” لفلسطين تداعت أو انكفأت إلى معالجة شؤونها منخرطة في المشاريع الدولية في المنطقة وهي مشاريع تستثني فلسطين.

إسرائيل ـ أذكّر أنها قامت في إطار قرار التقسيم من العام 1947 الذي احتضنته الإرادة الدوليّة في حينه. وهي الإرادة المتحوّلة إلى اليمين التي تميل إلى ممالأة إسرائيل لا إلى مساءلتها، إلى تغطيتها لا إلى مطالبتها بإنهاء الاحتلال وجرائمه. نُشير بشكل خاص إلى سعي إسرائيلي ـ صهيونيّ هائل القوة في أوروبا لتجريم كلّ من ينتقد الاحتلال وجرائمه في القانون بوصفه معاديًا للسامية. وقد نجح الأمر جزئيًا في البرلمانيْن الألماني والفرنسي. بمعنى أن إسرائيل تعمل في مناخ مواتٍ من ناحيتها لتكريس الاحتلال والانتقال إلى ضمّ مناطق/المناطق المحتلة في العام 1967. إن ما أنتجته الثورات العربية المضادة في إطار الربيع العربي منح إسرائيل تفوّقًا استراتيجيًا واضحا في العديد من المستويات. الشعور الجماعي العام في إسرائيل أنهم انتصروا في ختام 100 عام من الصراع ليس على فلسطين وحدها، بل على الحركة القومية العربية وعلى الدولة العربية وعلى الثقافة العربية. ومن هنا هذه النزعة اليمينية في المجتمع الإسرائيلي وتلك الأفكار التي تهدّد باستئناف فظائع النكبة وتصعيد جرائمها ـ ترحيل وإقامة معازل للسكان الفلسطينيين وغربي الخط الأخضر، أيضا. هم في اعتقادهم قادرون على تصريف فلسطين لا تسويتها ـ شطبها عن جدول الأعمال ومن الوعي العربيّ. أرجّح أن القوى المتنفّذة في إسرائيل في المعارضة أو في الحكم ستستثمر تفوّقها هذا ولن تُهدره. فائض القوة الإسرائيلي المُشار إليه سيُستثمر في إخضاع الفلسطينيين وفرض الحلول عليهم لا في إنصافهم.

السيولة الشديدة ـ التحوّلات المُشار إليها أدخلت المنظومة التي تعيش فلسطين وسطها في سيولة شديدة لا سيما في مستوى الأفكار و”النماذج”. فما يحصل في ليبيا مثلا لا يمتّ بصلة إلى فكرة الدولة بل إلى حصص القوى الدولية المتنازعة على الموارد الطبيعية في هذا البلد. وهكذا سورية والعراق ولبنان واليمن والعراق. بمعنى أنه تمّ تقديم أفكار تتصل بالمصالح على أفكار تتصل بالدولة. فلا بأس ـ حسب قوة الدفع هذه ـ أن تولد أجيال جديدة من اللاجئين والمهجّرين ولا بأس ألّا تقوم دول. ولا بأس من تحالفات وأحلاف جديدة وترتيبات تضمن المصلحة لا حقّ الآخرين. فلا بأس أن تطبّع كلّ الدول الإسلامية “المُعتدلة” مع إسرائيل كجزء من اصطفاف ضد إيران التي تسيطر في أربع عواصم عربيّة ـ كما يُقال. ولا بأس من تأجيل فلسطين إذا اقتضت الضرورة ذلك ـ حسب هذا المنطق.

للتلخيص:

أنظر إلى دولة قطر فأراها أخذت على عاتقها وظيفة رجل الإطفاء المستنفر دائما لمعالجة “الحرائق” في جيتو غزّة بتكليف علنيّ من إسرائيل الرسمية وجهاز أمنها. وهو وظيفة غاية في الأهميّة بالنسبة لإسرائيل التي ساعدت في إنجاز مشروعها لتفكيك الإرادة الفلسطينية التي كانت متمثّلة في “م.ت.ف” وتجزئة المشروع الفلسطيني إلى أربعة ـ خمسة مشاريع ـ مشروع فلسطيني في الضفة وآخر في غزة وثالث في الداخل ورابع في المخيّمات المنكوبة وخامس في الشتات. هي تجزئة محسوبة تسهّل عملية السيطرة الأمنية الإسرائيلية بين البحر والنهر. بمعنى أن فلسطين اليوم تعدم مشروعًا واحدًا واضحًا استراتيجيًا تشتقّ منه البرامج والأهداف ووسائل النضال والعمل، وتعدم كذلك إرادة جامعة واحدة تُدير المشروع الوطني الجامع.

عندما أرى إلى ما حصل لمخيّم اليرموك وإلى الشحن الدائم ضد المخيّمات في لبنان أوقن أنها مرتبطة بشكل أو بآخر بالجهد الإسرائيلي ـ الأمريكي لتصفية منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين التي تُدير الشقّ الإنساني لهذا الملفّ تمهيدا لشطبه من التداول لأنه أساس الخطاب الفلسطيني المتّصل بحقّ العودة ـ العودة إلى فلسطين. هذا، لأقول إن الإقليم بتحوّلاته الراهنة يذكرني بالإقليم فيما مضى ـ ففيه قوى مستعدّة للتعاون ليس مع فلسطين بل ضدّها. وهي قوّة صاعدة في الإقليم تتحرّك بين القفز فوق فلسطين وبين معاداتها واستهداف مظلوميتها وضحويّتها.

في مثل هذه الظروف والتحوّلات فإن العودة إلى فلسطين تستدعي جهدًا في القراءة وتحديد نقاط الانطلاق وفرضيات العمل من جديد.

*كاتب وشاعر وناقد فلسطيني .

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.