أقلام وأراء

مختار الدبابي – لماذا يفشل الغنوشي في كسب ود التونسيين

مختار الدبابي ١٣-٤-٢٠٢٢م

حيثما حل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تبعه الناس بالاحتجاج والمطالبة بمحاسبته. وآخر فصول هذه المحاسبة كان في المساجد، حيث ظهر الناس في أكثر من مسجد من مساجد العاصمة تونس ليحتجوا عليه قبل أو بعد أدائه صلاة التراويح.

والقصة هنا ليست عادية، إذ يمكننا أن نتوقع أن يتظاهر الناس ضده حين يحضر مناسبة سياسية استعراضية، أو حين يكون مارا في الطريق، لكن هذا لا يحصل لأنه دائما مرافق بحماية خاصة. الفرصة الوحيدة التي يقابل فيها الناس وجها لوجه هي المسجد الذي يستطيع فيه الناس أن ينسوا خلافاتهم ويسموا عليها، وحين لا يفعلون ذلك مع شخص بعينه وفي أكثر من مكان، فهذا يعني أن الخلاف معه كبير وأن درجة الكراهية له عميقة.

قد يكون الغنوشي مكرما مبجلا بين أنصاره، وهو بمثابة المرشد الذي يأمر فيطاع، لكن هذه القداسة تتلاشى بمجرد أن يغادر مقر حركة النهضة. ولا شك أن على الغنوشي أن يفهم رسائل الناس وألا يتكئ هو ومن معه على نظرية المؤامرة لتفسير التظاهرات ضده حيثما حل، خاصة في المساجد، وهي تحمل رسالة ذات دلالة بليغة مفادها أن زعيم الحركة ذات الهوية الإسلامية لا يجد قبولا بين المصلين مع أنه يفترض أن تكون المساجد هي ملعب الإسلاميين، وخاصة الحركات الإسلامية ذات الهوية الإخوانية.

والرسالة هنا واضحة، وهي أن حركة النهضة الإسلامية باتت معلقة في الهواء، لا هي حافظت على هويتها الأولى كـ”جماعة” تستقطب الناس للدين، ولو بأفكار وافدة تميل إلى التشدد وتتعارض في أغلبها مع فقه مالكي يتسم بالاعتدال ويميل إلى الاجتهاد، ولا هي تحولت إلى حزب سياسي ذي مصداقية بين الناس. لقد فشلت ازدواجية الرهان على الدين لتدعيم الوجه السياسي للحركة، وهذا رئيسها وزعيمها التاريخي بات مثار الاحتجاج والاستهجان في المساجد ولو من “فئة محدودة” تقابله حيثما ذهب.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن الغنوشي، ومنذ تأسيس الجماعة الأم، ورغم أنه مفكرها وواضع خططها، فإنه لم يكن يجد قبولا في الشارع التونسي منذ سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وأن الأمر ليس “مؤامرة” من أنصار الرئيس قيس سعيد، كما تحاول صفحات أنصار النهضة على مواقع التواصل أن تروج كمخرج للاستهداف المتكرر لرمز الحركة.

وللتغطية على غياب المقبولية في الشارع التونسي، كان الغنوشي في البدايات يرسل عبدالفتاح مورو وحسن الغضباني وآخرين ليتحدثوا في المساجد ويستقطبوا الشباب، أما الغنوشي فدوره الرئيسي كان في استقبال هؤلاء المستقطبين في جلسات سرية ودمجهم ضمن التنظيم الناشئ الذي كان ينظر إلى القضايا السياسية المحلية بالكثير من السذاجة قبل أن يفرض عليه احتكاكه باليسار في الجامعة أن يتغير بسرعة ويعطي الأولوية للخطاب السياسي “الثوري” على حساب الخطاب الإصلاحي الدعوي في الانطلاق وذلك تحت تأثير شيوخ الزيتونة.

لم يفلح الغنوشي في أن يغادر الصورة الأولى التي رسمها له التونسيون منذ عودته من الشرق. رجل لا يشبههم، قد تكون للأمر علاقة بمزاجه الشخصي وبطريقة كلامه، أو لأنه ومنذ عودته حاملا لأفكار غريبة، اختار أن يتمترس وراء التنظيم بعيدا عن مشاغل الناس وطبائعهم، لا يظهر إلا في المحاكمات وما يتلوها من حديث عن عنف الجماعة ومعارضتها لهوية الدولة الوطنية الجديدة من خلال التشكيك في مجلة الأحوال الشخصية واستعداء بورقيبة الذي كان يحظى بشعبية كاسحة في البلاد.

لقد تشكلت صورة الغنوشي، كرجل سياسة لا يشبه التونسيين، خاصة مع المواجهة بين النهضة ونظام الرئيس بورقيبة بين سنتي 1986 – 1987، حين مر بعض أنصارها والمتعاطفين معها إلى العنف ضد الأئمة الذين خالفوها الرأي وانحازوا إلى السلطة من خلال حملة استهداف عرفت بحملة “ماء الفرق” التي قادت إلى تشويه وجوه بعض الأئمة.

ثم جاءت لاحقا موجة التفجيرات في مواقع سياحية بالبلاد في محاولة لإجبار النظام على التراجع عن تنفيذ اعتقالات واسعة وإصدار أحكام ضد قياديين بالحركة بعضها بلغ حد الإعدام. وتعمقت كراهية صورة الغنوشي/ النهضة بعد عملية الحرق التي أفضت إلى مقتل حارس أحد مقار الحزب الحاكم في 1991 وتورط فيها أعضاء بالحركة وفق ما قادت إلى ذلك التحقيقات وأحكام القضاء.

ضمن هذه الأرضية تشكلت صورة الغنوشي التي لا تجد القبول في الشارع التونسي، وهذا ما يفسر حصوله في استفتاءات متواصلة خلال السنوات الأخيرة على مرتبة “أكثر شخصية مكروهة في تونس”.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن الغنوشي كان عليه أن يفهم الرسالة مبكرا بأن ينسحب من المشهد السياسي ويتفرغ لمسائل أخرى، وزاد تمسكه بالترشح لرئاسة البرلمان وصراعه حول الصلاحيات مع سعيد من تعميق هذه الصورة السلبية تجاهه.

الناس لا يهتمون كثيرا للتأويلات السياسية والقانونية التي يعمل عليها الغنوشي وحركته لإظهار أنهم على حق في صراعهم مع سيعد.. فالناس يحكمون بقلوبهم وحدسهم، وهم يرون أن سعيد هو البديل الذي سيخرج البلاد من الفوضى ويقطع أيدي لوبيات الفساد السياسي والمالي. وحين وقف الغنوشي في وجه هذا الخيار الشعبي بدا وكأنه يعمل ضد الاستقرار الذي يبحث عنه التونسيون منذ 2011، وجعل نفسه في مواجهة الناس الذين مسحوا فيه وفي حركته غضبهم من تجربة عشر سنوات من الفوضى الشاملة.

منذ 2011 ارتكب الغنوشي الكثير من الأخطاء التي وسعت الهوة بينه وبين الناس. الصدمة الأولى كانت في لحظة وصوله إلى مطار قرطاج حين غنى بعض الأنصار احتفاء بعودته أنشودة “طلع البدر علينا”، والتي لم يكن لها من تفسير سوى التعامل معه وكأنه “مرشد أعلى” على الطريقة الإيرانية بالرغم مما يتحدث به الرجل عن قناعته بالديمقراطية.

قد يكون الرجل مؤمنا بالديمقراطية التي رآها في بريطانيا خلال وجوده هناك، لكن تطبيقها لم يُر له أثر، فهو منذ عودته يتربع على عرش القيادة في حركة النهضة ويتمنع في المغادرة بالرغم من أن القانون يعتبر أن دوره قد انتهى بعد أن قضى دورتين متتاليتين في الرئاسة (المقصود دورتان بعد الثورة وليس قبلها، فهو قد ظل رئيسا للحركة سواء بشكل معلن أو مبطن). ودفع هذا الإصرار الكثير من القيادات إلى الاستقالة المعلنة أو السرية بعد أن اقتنعت تلك القيادات بأن التغيير بوجود الغنوشي غير ممكن.

إن أزمة الغنوشي الآن تكمن في أن العداء له بدأ يخرج عن دائرة الطبقة السياسية لينزل إلى الشارع، وأيا كانت خبايا الاحتجاج ضده، إن كان تلقائيا أم موجها، فإنه يرسل إشارات واضحة على أن وضعه غير مريح، وأن عليه أن يراجع استراتيجية الصدام مع سعيد ومن ورائه الشارع.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى