أقلام وأراء

جبهة قيس سعيد وجبهة الآخرين: الدولة أم المحاصصة

مختار الدبابي

مختار الدبابي 22-04-2022 

بات الحديث الآن في تونس عن معادلة من يقف مع قيس سعيد ومن يقف ضده بعد إعلان المعارض التاريخي أحمد نجيب الشابي عن تشكيل جبهة لـ”الخلاص الوطني” ضمّ إليها خصومه القدامى، وخاصة حركة النهضة الإسلامية، وكذلك الحزب الجمهوري، حزب شقيقه عصام الشابي بعد أن تباعدا بسبب خلافات حول تحالفات الحزب ليذهب الشقيق الأكبر ويؤسس حزبا بالتحالف مع ليبراليين عملوا صلب حزب نداء تونس الذي تشظى إلى أحزاب ومجموعات صغيرة.

خلال الأيام الماضية، وفي الوقت الذي كان فيه الشابي يحيي تحالفاته القديمة، كان قيس سعيد يعقد لقاءات مع ممثلي منظمات اجتماعية منها الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد أرباب العمل، وممثلين عن اتحاد المزارعين، وعن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وعن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ورابطة حقوق الإنسان، فضلا عن لقاءات شبه يومية مع ممثلي المؤسستين الأمنية والعسكرية، ورئيس الحكومة.

وفي الوقت الذي يطالب فيه الكثيرون من الرئيس سعيد أن يشكل جبهة تحميه، وتقف في وجه الجبهة المقابلة التي تتمترس وراءها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي للضغط على قيس سعيد وإظهار أن الأوضاع ليست مستقرة، والترويج لسردية الانقلاب وعزلته الخارجية، لكن مؤشرات كثيرة تتجمع لتظهر أن قيس سعيد لا يريد تشكيل جبهة، ولا أن يتكئ على أحد أيّا كان دوره ووزنه، وأنه ينظر إلى الأمر من زاوية مغايرة تماما.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن سعيد يريد أساسا أن تستعيد الدولة تماسكها وأن تتخلص من الأورام التي خلّفتها تجربة ديمقراطية هجينة عملت بوعي أو دونه على إضعاف الدولة ورهنها للأجندات الحزبية والشخصية. طبعا قيس سعيد ليس مثاليا ليقول إن هدفه فقط إعادة القوة إلى الدولة، ولكن هدفه توظيف هذه القوة من أجل السير نحو تنفيذ تغييرات راديكالية داخل النظام السياسي تخدمه كفرد وتُمكّن لمشروعه القائم على النظام المجالسي، ولكن أيضا تعطي للدولة عناصر القوة اللازمة للدفاع عن بقائها ومنع سقوطها تحت أقدام اللوبيات المختلفة.

ومنذ أيام وبمناسبة عيد قوات الأمن أكد سعيد “إننا ماضون في تمكين الشعب صاحب السيادة من التعبير عن إرادته غير عابئين بأي بؤس سياسي”، وفهم هذا الكلام على نطاق واسع بأنه تأكيد على أن الرئيس سعيد مستمر بالتغيير على الطريقة التي يريدها غير عابئ بالضغوط المحلية والخارجية وخطاب التيئيس.

وهناك مؤاخذات حقيقية على قيس سعيد من بينها أنه يضع الأولوية لمسائل التغيير السياسي، وأحلامه الخاصة، بدلا من التركيز على الإصلاحات الاقتصادية العاجلة. وإن كان في الأمر بعض وجاهة، فهناك جهات أخرى تعرقل هذه الإصلاحات مستفيدة من فوضى النظام السياسي الحالي، الذي يفتح الباب أمام من هبّ ودبّ لوضع الشروط والعراقيل. وهي إلى ذلك تحتاج إلى مناخ سياسي واجتماعي وقانوني لتمريرها، وهو لا يتحقق الآن بفعل كثرة الإضرابات والاعتصامات وتمسك الاتحاد العام التونسي للشعل ببرنامج لزيادات دورية في الرواتب في وقت لا تمتلك فيه الدولة القدرة على أيّ التزامات مالية جديدة.

مقياس الرئيس سعيد واحد في التعامل مع مختلف المكونات سواء خصومه أو من يسعون لأن يكونوا أصدقاءه. المبدأ واضح وهو أن الدولة هي التي تخطط وتنفذ وفق آلياتها الدستورية والقانونية

لا يؤمن قيس سعيد بأيّ التقاء جبهوي تحت مظلة أيّ قوة تشعره لاحقا بأن لها أفضالا عليه. كما لا يحتاج أيّ حزب أو مجموعة ضعيفة تدعمه من أجل أن تستظل به للتغطية على محدودية تأثيرها السياسي والشعبي. وهذا ما يفسر تماديه في الصمت تجاه دعوات لوضع النفس تحت الطلب من أحزاب مثل حركة الشعب القومية الناصرية، والتيار الشعبي المنشق عنها، وكذلك حزب “تونس إلى الأمام” لصاحبه عبيد البريكي.

واختار اتحاد الشغل استراتيجية الجدار العازل بوجهين ظاهره من قبله يمد اليد لقيس سعيد وظاهره يلوّح باللحاق بالجبهة المقابلة، لكن لا مؤشر على أنه سيكون في صف هذا أو ذلك. وهذه الاستراتيجية يمكن أن تضمن له لعب دور رمانة الميزان كما حصل في 2013 وما تلاها، كما تجلب له اعترافا متجددا بأنه “سيد البلد” و”أكبر قوة في البلاد”، وهذه نقطة الخلاف الرئيسية مع قيس سعيد الذي يريد أن تتحرك كل جهة أو منظمة في مجالها ولا تخرج عليه قيد أنملة فيما الاتحاد يجاهر برغبته في لعب دور سياسي يمكن وصفه بأنه “مرشد الثورة” أو الوصيّ عليها.

وتعتقد الأوساط السابقة أن الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي قد ضيع فرصته في أن يساهم حقا في حل مشاكل البلاد عندما دعاه الرئيس سعيد إلى قصر قرطاج في يناير الماضي. وقد قال الطبوبي حينها إنه “تم التأكيد خلال اللقاء على أن بناء المرحلة الصعبة لا يكون بالفعل وردّ الفعل بل بتضامن وطني حقيقي”.

صحيح أن قيس سعيد قبل مؤخرا أن يجلس إلى مختلف المنظمات ويستمع إلى قياداتها، لكن لا أحد يمكن أن ينتظر أكثر من ذلك، فالهدف هو طمأنة هذه المنظمات بأن نشاطها مأمون، وأن تمسك النظام الجديد بالمحاسبة وفتح ملفات الفساد لا يعني استهداف الأنشطة أو فرض الولاء للسلطة، لكنه أيضا لا يقدم صكا على بياض لأيّ جهة لتبرئتها من المحاسبة ومن فتح الملفات.

أن تكون هذه المنظمة أو تلك في صف سعيد نكاية في حركة النهضة أو ضمن خطة تغيير سريع، براغماتي ومتلوّن لأجل التموقع، فهذا لا يفرض على سعيد أيّ التزام للتحالف معها أو منحها جزءا من الوظائف والحقائب ضمن رؤية المنظومة السابقة القائمة على المحاصصة وشراء الولاءات والمواقف.

إن مقياس الرئيس سعيد واحد في التعامل مع مختلف المكونات سواء خصومه أو من يسعون لأن يكونوا أصدقاءه. المبدأ واضح وهو أن الدولة هي التي تخطط وتنفذ وفق آلياتها الدستورية والقانونية، والمعبّر عنها هو قيادتها الشرعية، أما البقية فيمكن أن يدعموا بالعمل الفعال في مجال تخصصهم الذي منحه لهم القانون. كما يمكن أن يدعموا بالنصيحة أو الصمت، عدا ذلك لا يمكن قبوله.

وهذه هي الأرضية الفعلية للحوار الوطني كما يراها قيس سعيد. حوار تستمع فيه الدولة وقيادتها الشرعية إلى مختلف الآراء والأفكار ثم تقرر لاحقا ماذا تأخذ وطريقة التنفيذ وتوقيته. وهو أمر يكرره الرئيس سعيد باستمرار، فهو ليس ضد الحوار، ولكن حوار تكون فيه الدولة المظلة الفاعلة ولا تترك أمرها للاعبين الصغار كي يفرضوا أجنداتهم على حسابها.

وقد شدّد الرئيس سعيد على هذه القيمة خلال لقائه الأربعاء بعبدالرحمان الهذيلي رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتأكيده على أنه “لا بدّ من حوار اقتصادي واجتماعي لا كغيره من الحوارات السابقة، وعلى أنه لا مجال لأن يشارك فيه من يدعون إنقاذ الوطن بعد أن أفرغوا خزائنه أو ارتهنوا أنفسهم للخارج”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى