الأسرى

محمود جودت قبها: الذكرى الأولى لأبطال نفق الحرية

محمود جودت قبها 2022-09-11

لا تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي مذهولة مما جرى في سجن “جلبوع” كما لم تستوعب ما حدث، ولم تستفق بعد من الصدمة التي كانت أكثر من مجرد هزيمة مُذلة وما زالت تعيش واقع الصدمة التي أصابتها وتعاني اضطرابات ما بعد صدمة “المعجزة” في يوم السادس من أيلول/سبتمبر 2021، كان يوماً له ما بعده، وترتبت عليه تداعيات كثيرة ولا أبالغ إن قلت: إن معظم ما تشهده السجون اليوم من تصعيد هو نتاج ذاك اليوم، وأكاد أجزم بأن إدارة السجون الإسرائيلية ماضية في إجراءاتها العقابية والانتقامية، ليس بحق مَن نجحوا في انتزاع حريتهم وانتصروا فحسب، أو بحق أسرى حركة الجهاد الإسلامي فقط، وإنما بحق الأسرى عموماً والذين مازالوا يدفعون ثمن ذاك الانتصار، مما أدى إلى تغير طبيعة الإجراءات اليومية ونمط الحياة المعتادة داخل السجون، سعياً من إدارة السجون الإسرائيلية لاستعادة هيبتها المفقودة التي مرّغها الأسرى بالتراب، وترميم صورتها التي أغرقها هؤلاء الأبطال في الصرف الصحي، وسعياً كذلك لتشويه صورة المنتصر التي رسمها أولئك الأقمار الستة ومحو تأثيرها في الوعي الجمعي الفلسطيني ولدى العديد من الأحرار في العالم.

إن ما فعله هؤلاء الأسرى يعكس قوة الإرادة والعزيمة التي يتمتع بها الشعب الفلسطيني، ويعبّر عن مدى إصراره على المضي قدماً في مسيرته الكفاحية، حتى في أحلك الظروف وأكثرها صعوبة، من أجل انتزاع حقه الطبيعي في العيش بحُرية، وقدرته على تحقيق الانتصار على المحتل على الرغم من اختلال موازين القوى. وعملية الهروب من سجن “جلبوع” لم تكن الأولى في تاريخ الحركة الأسيرة، إذ سبقتها العشرات، ولن تكون الأخيرة في سياق البحث عن الحرية، لكن ربما تكون هذه أهم تلك المحاولات، من حيث التوقيت والدلالات وحجم النجاحات، وتصلح لأن تكون سيناريو لفيلم عالمي.

للأسرى الأبطال الستة، زكريا الزبيدي ، ومحمد ومحمود العارضة وأيهم كممجي ويعقوب قادري ومناضل نفيعات، حيث تحققت الفكرة التي تخطت حدود المكان والعقل وكانت إرادة الحرية العنوان لتحقيق المعجزة ، وذلك ضمن عملية الهروب العظيم لستة من الأسرى الأبطال من سجن “جلبوع”، عبر نفق تم حفره بملعقة صغيرة صدئة ، استغرق الحفر من الوقت شهوراً من الصبر والإرادة والانتظار.

نفق الحرية الذي حفره الأسرى الأبطال بقلوب عاشقة للحرية ،وسواعد مؤمنا بحتمية الانتصار ،ومعنى الانتماء لعدالة القضية ، ومعنى الوفاء للوطن والهوية ، كلها ركائز وعناوين للنصر الوطني الفلسطيني القادم على الاستعمار مهما طال المشوار وليل الانتظار ، لأن التمسك بالحرية قرار ، تستمد روحها من عزيمة وارادة الأسرى المناضلين الأحرار المؤمنين مع كل فجر جديد ، أنهم على موعد قريب وليس بالبعيد مع الحرية.

تعتبر عملية ” نفق الحرية” البطولية ذات التخطيط الفذ والتنفيذ الصعب ، محطة نضالية من محطات الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، التي كسرت هيبة المحتل وانتصرت على المنظومة الأمنية العسكرية الهشة للاحتلال لا يزال شعبنا المناضل العظيم يجسد في كل يوم عظيم التضحيات وأروع الانتصارات فائقة القدرات ،ايمانًا منه بضرورة ديمومة العطاء والوفاء والانتماء القضية والهوية والأرض والإنسان في ملحمة بطولية أسطورية عنوانها القائم والدائم أن ليل الاحتلال ومهما طال فإنه إلى زوال.

ونجح ستة أسرى فلسطينيين بتاريخ السادس من أيلول/ سبتمبر 2021، من تحرير أنفسهم من سجن جلبوع عبر نفق الحرية، وهم محمود العارضة ومحمد العارضة وأيهم كممجي ويعقوب قادري و زكريا الزبيدي ومناضل نفيعات .وشرعت قوات الاحتلال في حملة تمشيط واسعة بعد انتزاع الأسرى الستة حريتهم، بحثاً عنهم وسعياً لإعادة اعتقالهم، وخلال فشلٍ استخباراتي امتد لأسبوعين كاملين تمكن جنود الاحتلال من العثور على أبطال الحرية والأسرى الستة الذين تمكنوا من انتزاع حريتهم عبر النفق هم محمود العارضة ومحمد العارضة وأيهم كممجي ويعقوب قادري و زكريا الزبيدي ومناضل انفيعات، وجميعهم من محافظة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة.

واحتفى الفلسطينيون بشكل كبير بالعملية التي عرفت إعلاميا بـ”نفق الحرية” أو “الهروب الكبير” وعمت احتفالات في عدة مناطق ابتهاجا بالإنجاز الذي حققه الأسرى لكن قوات الاحتلال أعادت اعتقال الأسرى الستة على فترات متلاحقة في غضون أسبوعين من العملية

لقد حاول الأسرى الفلسطينيون “الهروب” من سجون الاحتلال الإسرائيلي عشرات المرات، فرادى وجماعات، بهدف انتزاع حريتهم المسلوبة، في ظل الأحكام الخيالية التي تفرضها محاكم الاحتلال بحقهم وعدم تحديد حكم “المؤبد”، ومع استمرار احتجازهم عشرات الأعوام وتهرُّبها من استحقاقات العملية السياسية وتضاؤل الفرص الأُخرى للإفراج عنهم، وهذا حق لهم يُسمَح به، وفقاً للقانون الدولي الذي أجاز للأسرى والمعتقلين انتهاج وسيلة للهروب من سجون الاحتلال، وعالجت اتفاقية جنيف الثالثة (1949) هذا الموضوع، والتي انضمت إليها، أو صادقت عليها، كل الدول تقريباً، بما فيها (إسرائيل)، في موادها (91–94). وكذلك جاءت اتفاقية جنيف الرابعة (1949) في المادة (120) على ذلك. والخلاصة القانونية أن عمليات الهروب، وفي كل الأحوال، لا تستوجب عقاباً جنائياً. لكن يمكن فرض عقوبات تأديبية بحق مَن حاولوا الهرب وفشلت محاولاتهم. أما الهروب الناجح لأسير الحرب، وفي حال أُعيد اعتقاله، فإنه لا يخضع لعقوبات جنائية أو تأديبية بسبب هذا الهروب.

إن دولة الاحتلال لا تعاملهم وفقاً لاتفاقية جنيف الثالثة، باعتبارهم أسرى حرب، ولا تعترف بهم كمدنيين اعتُقلوا في زمن الحرب وتنطبق عليهم اتفاقية جنيف الرابعة، فهي تصرّ على روايتها الظالمة، وتقدمهم على أنهم (مجرمون وقتلة وإرهابيين) وقد ارتكبوا مخالفات وجرائم سابقة، اعتُقلوا وحكموا بسببها، واليوم ارتكبوا جريمة جديدة تتمثل في الهروب، وترى أنهم يجب أن يُحاكَموا عليها وتُفرَض عليهم عقوبات جنائية، كما تفعل الدول المستقرة مع (الهاربين) ضمن قانون العقوبات المتبع لديها. لذا أصدرت سلطات الاحتلال عقوبات جنائية تمثلت بفرض أحكام إضافية بالسجن الفعلي بحق الأسرى الستة وهم من نجحوا بالهروب، وبحق من ساعدهم على الهروب أيضاً، وما زالت تُخضعهم للعزل الانفرادي لعقوبات قاسية، بالرغم من مرور عام كامل على تلك العملية، الأمر الذي يشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

تفاصيل العملية

استغرق الأسرى الستة مدة 9 أشهر في عملية الحفر تحت الأرض بما توفر من أدوات حادة ليصلوا حتى بُعد 25 مترا تحت الأرض من الجانب الآخر لجدار السجن وصرّف الأسرى التراب المحفور في دورة المياه والمواسير والتي سُدّت أحيانا وهو الأمر الذي كاد أن يعطّل مواصلة العمل على حفر النفق لئلا ا يُكشف أمرهم وحفر الأسرى النفق في ظروف ليست طبيعية في عمق الأرض، بحيث ينخفض مستوى الأكسجين ولا تتوفر الإضاءة والمعدات اللازمة لذلك.

ونجحوا بالخروج من تحت بلاطة مساحتها 60 سم في مرحاض غرفة رقم 2 من القسم 5 في سجن “جلبوع” الذي بني عام 2004 وهو يُصنّف “الأكثر حصانة”.

وتمكّن الأسرى الستة من فجر يوم الإثنين (01:50 فجرًا) 6 أيلول/ سبتمبر 2021، من تنفس الحرية والخروج من الحفرة بعد أسوار السجن الذي لُقّب “بالخزنة” لشدة أحكامه ونجحوا بهذا الأمر رغم أن برج المراقبة يتمترس تماما فوق فوّهة الحفرة، إلا أن أحدًا لم يلحظهم، ولم يرصد مراقب الشاشات تحرك الأسرى بمحيط أسوار السجن، والكلاب الشرطية لم تنبح كذلك وعقب اكتشاف أمرهم، شرعت قوات الاحتلال في حملة تمشيط واسعة ، بحثاً عنهم وسعياً لإعادة اعتقالهم، وخلال فشلٍ استخباراتي امتد لأسبوعين كاملين تمكن جنود الاحتلال من العثور على أبطال نفق الحرية.

من هم أسرى نفق الحرية؟

– محمود العارضة (47 عاما) من بلدة عرابة جنوب جنين والمحكوم بالسجن مؤبد و15 عاما، أمضى في سجون الاحتلال (29 عامًا ونصف) فقد سبق أن اعتقل لـ3 أعوام ونصف عام 1992.

-1 يعقوب قادري (50 عاما) من بير الباشا جنوب جنين، والمحكوم بمؤيدين و35 عاما، وأمضى في سجون الاحتلال 20 عامًا.

-2 أيهم كمامجي (36 عاما) من كفردان غرب جنين والمحكوم بمؤبدين، أمضى في سجون الاحتلال 17 عامًا.

-3 مناضل نفيعات (27 عاما) من يعبد (موقوف منذ 3 سنوات).

-4 محمد العارضة (40 عاما) من عرابة جنوب جنين، والمحكوم ثلاثة مؤبدات و20 عاما، وأمضى في سجون الاحتلال 20 عاما ونصف.

-5 زكريا الزبيدي (46 عاما) من مخيم جنين موقوف منذ 3 سنوات، وأمضى في سجون الاحتلال 8 سنوات.

وعقب إعادة اعتقالهم، أضاف الاحتلال وبعد عدة جلسات قضائية، لكل أسير من الأسرى الستة، حكمًا بالسجن مدة 5 سنوات، وغرامة مالية 2000 شيكل كما فرض الاحتلال على الأسرى الـ5 الذين ساعدوا أسرى نفق الحرية حكمًا بالسجن 4 سنوات إضافية، وغرامة مالية 2000 شيكل، وهم: محمود شريم، وقصي مرعي، وعلي أبو بكر، ومحمد أبو بكر وإياد جرادات.

لا صفقة تبادل بدونهم

وعقب حالة الإحباط التي صاحبت إعادة اعتقال الأسرى الستة، كان لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة “حماس”، كلمة أعادت رفع الروح المعنوية في صفوف الفلسطينيين، عندما تعهدت بعدم إتمام أي صفقة تبادل جديدة مع الاحتلال دون الأسرى الستة.

وقال أبو عبيدة، الناطق باسم الكتائب في كلمة متلفزة حينها: إن “أبطال نفق الحرية سيخرجون مرفوعي الرأس وقرار قيادة القسام بأن صفقة تبادل قادمة لن تتم إلا بتحرير هؤلاء الأبطال”.

وأضاف أبو عبيدة “إذا كان أبطال نفق الحرية حرروا أنفسهم هذه المرة من تحت الأرض، فإننا نعدهم ونعد أسرانا الأحرار بأنهم سيتحررون قريباً بإذن الله من فوق الأرض”.

سلام الأسرى الستة الأبطال الذين استطاعوا تنفس عطر الحرية بنكهة فلسطينية لأيام ، رغم استطاعت الاحتلال اعتقالهم مرة أخرى وارجاعهم لذات المكان ، ولكن تبقى رسالة الأسرى الستة الأبطال، ورغم اعادة الاعتقال، رسالة الأحرار المتمسكين بالإرادة القوية ،والواثقين بقدوم فجر الحرية.

الأسرى الستة، أبطال “نفق الحرية” تحية وسلام، ولكافة الأسرى والمعتقلين البواسل في سجون الاحتلال كل التقدير الوطني المعتق بالمحبة والاحترام.

واليوم وبعد مرور عام على تمكن الأسرى الستة “محمود العارضة، محمد العارضة، أيهم كممجي، يعقوب قادري، مناضل انفيعات، زكريا الزبيدي” من تحرير أنفسهم من سجن “جلبوع” الإسرائيلي،عبر ما يُطلق عليه الفلسطينيون: نفق الحرية، نشعر ببالغ القلق من بقائهم في زنازين العزل الانفرادي واستمرار الإجراءات الإسرائيلية، اللا إنسانية وغير القانونية، بحقهم وبحق من ساعدهم في عملية “الهروب”، وبتنا نخاف عليهم ونخشى مما قد يلحق بهم من ضرر وأذى جرّاء الغضب والحقد الإسرائيلي كما ونشعر بالقلق على الأسرى الآخرين جراء استمرار الإجراءات الانتقامية وتصاعُدها والتي ترقى إلى مستوى “العقاب الجماعي” مما يستوجب من الكل الفلسطيني الوقوف إلى جانب الأسرى، وتكثيف الجهود المبذولة عبر الوسائل والآليات الممكنة والمتاحة لنصرتهم وتعزيز مكانتهم القانونية والانتصار لعدالة قضيتهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى