الاستيطان

محمود جودت قبها: الاستيطان والقانون الدولي

محمود جودت قبها ١٣-٦-٢٠٢٢م

جميع دول العالم دون استثناء يعتبر الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعي وغير قانوني وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية جائز على الرغم من عدم مصادقة إسرائيل حتى الآن على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتحفظها على إدراج الاستيطان ضمن جرائم الحرب، أي أنها لا تقبل اختصاص المحكمة عليها فيما يتعلق بجرائم الاستيطان، وبالرجوع إلى نفاذ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإنه لا يمكن تقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين للمحاكمة عن الجرائم السابقة لنفاذ النظام بالنسبة لإسرائيل، وتبقى تلك المحكمة أداة مستقبلية لمحاكمتهم اللاحقة لنفاذ النظام بالرغم من مقومات المحاكمة الكثيرة التي تضمنها مثل إرجاء التحقيق أو المحاكمة لمدة 12 شهرا بناء على طلب من مجلس الأمن بقرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من الميثاق، ويمكن للمجلس تجديد المدة لأكثر من مرة، بالإضافة لعراقيل القبض والتوقيف وإصدار مذكرات الاتهام غير أن هذا لن يحرم المحكمة من النظر فيما يعرف في القانون بـ “الجرائم المستمرة “، أي الوقائع التي تبدأ قبل نفاذ النظام الأساسي وتستمر في الواقع بعد ذلك. وتعتبر جريمة الاستيطان الإسرائيلي في نظر القانون الدولي ، من الجرائم المستمرة والتي تترتب آثارها طالما بقيت المستوطنات قائمة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن الواضح أن السياسة الإسرائيلية تجاه مصادرة الأراضي والاستيطان فيها لم تتوقف منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، بل على العكس فان الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تسرع من وتيرة مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها بشكل ملحوظ، وتتجاهل تصرفات المستوطنين المتواصلة في وضع اليد على الأراضي القريبة من المستوطنات، وتدعو المستوطنين إلى التمادي في الاستيلاء على مزيد من الأراضي في مدينة القدس والضفة الغربية المحتلتين.

وبما أن إسرائيل استولت على الأراضي بالقوة، وحيث أن القانون الدولي ينص على عدم جواز ذلك، ما زالت إسرائيل في وضع احتلال محارب الأراضي التي استولت عليها في حرب حزيران 1967 . وهذا يعني تحديداً أن معاهدة جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب تنطبق على هذه الأراضي، بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة. ما زال هذا الرأي هو الموقف المتناغم للمجتمع الدولي. إضافة إلى ذلك، فإن أنظمة لاهاي المضافة إلى اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقوانين وعادات الحرب تنطبق أيضاً على هذا الوضع.

وتنص المادة 49، الفقرة السادسة من معاهدة جنيف الرابعة على ما يلي: “لا يجوز لدولة الاحتلال أن تُرحّل أو تنقل جزءاً من سكّانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. ويُشكّل هذا البند الأساس للحجّة بأن المستوطنات الإسرائيلية تنتهك المعاهدة، ونتيجة لذلك فهي غير قانونية وفقاً للقانون الدولي.

تحظر المادة 53 من معاهدة جنيف الرابعة قيام القوة المحتلة بأي تدمير للممتلكات العقارية أو الشخصية التي تعود بشكل فردي أو جماعي لأشخاص خاصّين، أو للدولة، أو لسلطات عامّة أخرى، أو منظمات اجتماعية أو تعاونية، باستثناء الحالات التي يكون فيها هذا التدمير ضرورياً جداً للعمليات العسكرية. تحظر المادة 46 من أنظمة لاهاي مصادرة الممتلكات الخاصة (إلا إذا كانت هناك ضرورة عسكرية لذلك). تنص المادة 55 من لوائح لاهاي على ما يلي:

“ستعتبر الدولة المحتلة فقط في وضع إداري وانتفاع من الأبنية العامة، والممتلكات العقارية، والغابات، والمشاريع الزراعية التي تملكها دولة معادية وتوجد في الدولة المحتلة. يجب أن تقوم بحماية موجودات هذه الممتلكات وإدارتها وفقاً لقواعد الانتفاع”.

مبادئ أخرى ذات علاقة بالقانون الدولي

هناك على الأقل ثلاثة مبادئ في القانون الدولي ذات صلة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة :

 (1) عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة؛

(2) مبدأ أن على الدول حل نزاعاتها بالوسائل السلمية والنتيجة بأن على الدول الامتناع عن القيام بأعمال يمكن أن تزيد الوضع سوءاً، وتُصعّب أو تُعيق الحل السلمي للنزاع؛

(3) ومبدأ أن الدول يجب أن لا تتخذ أي إجراء يحرم الشعوب من حقّها في تقرير المصير.

لذلك، فإن السياسة الاستيطانية لإسرائيل لا تنتهك فقط الحظر العام في المادة 49، الفقرة السادسة، من معاهدة جنيف الرابعة بعدم نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة، ولكن أيضاً الأسلوب الذي تنتهك فيه السياسة المتّبعة بنود محددة من المعاهدة و أنظمة لاهاي. وبما أن إقامة المستوطنات يتطلب في معظم الحالات مصادرة أو تدمير الممتلكات الخاصة، تنتهك المستوطنات أيضاً المادة 53 من معاهدة جنيف والمادة 46 من لوائح لاهاي. وينطبق ذات الشيء على تدمير المزارع الخ. وإضافة إلى ذلك، فإن إقامة وتشغيل المستوطنات لا يتوافق مع الحقوق المحدودة التي تملكها القوة المحتلة وفقاً للمادة 55 من لوائح لاهاي بإدارة الممتلكات تحت الاحتلال وفقاً لقواعد الانتفاع وهذا ينطبق تحديداً على حرمان السكان المحليين من موارد طبيعية قيّمة، مثل المياه، لمصلحة المستوطنات. كما لا تسمح قواعد الانتفاع للقوة المحتلة باستخدام الأرض والموارد الطبيعية الواقعة تحت الاحتلال لأهداف بناء مجمّعات صناعية، خصوصاً وأن المجمّعات الصناعية ستستخدم فقط لفائدة المستوطنات وليس لفائدة السكان المحليين. وينطبق نفس الشيء على شبكة الطرق السريعة التي بنتها إسرائيل لربط المستوطنات والمنشآت الأخرى التي أقامتها أو صادرتها إسرائيل لتخدم المستوطنات.

هناك إدانة منتظمة لسياسات وممارسات إسرائيل الاستيطانية من قبل الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الأوروبي باعتبارها عائقاً كبيراً أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، حيث أن هذه المخططات والمشاريع الاستيطانية تتناقض مع القانون الدولي، وخصوصاً معاهدة جنيف الرابعة حول حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، حيث تنتهك السياسات والممارسات الاستيطانية الإسرائيلية المادة 49، الفقرة 6 من معاهدة جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة نقل مجموعات من سكّانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. ولا يقتصر هذا البند، كما تُجادل إسرائيل، على النقل القسري بل يشمل الوضع الذي تعمل فيه القوة المحتلة بنشاط ومن خلال مجموعة من الحوافز السياسية والاقتصادية تشجيع سكانها على الاقامة والسكن في الأراضي المحتلة، وبذلك تغيير صفتها الجغرافية والديمغرافية.

كما تنتهك إسرائيل البنود الأخرى للقانون الإنساني الدولي، وخصوصاً

(1) المادة 53 من معاهدة جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات الخاصّة، إلاّ إذا اعتبرت ضرورية للعمليات العسكرية،

(2) والمادة 46 من أنظمة لاهاي التي تحظر مصادرة الممتلكات الخاصّة،

(3) والمادة 55 من أنظمة لاهاي التي تُجبر القوة المحتلة على إدارة الأراضي المحتلة وفقاً لقواعد حق الانتفاع (هذا البند مهم حينما يتعلق الأمر بفحص الممارسات الإسرائيلية تجاه الموارد الطبيعية للأراضي المحتلة مثل المياه).

وفي حالة القدس، فإن الضم الذي تدعيه إسرائيل للقدس الشرقية يعني حرمان سكّانها من الحماية التي توفرها لهم معاهدة جنيف الرابعة، بصورة مناقضة للمادة 47. وقد ازدادت المشكلة سوءاً عندما أضيف إلى حدود المدينة الموسّعة مناطق كبيرة من ضواحي المدينة، وبذلك تم حرمان سكّان هذه المناطق من مزايا المعاهدة حيث تم فعلياً دمج المناطق والمستوطنات داخلها في إسرائيل. إضافة إلى كون المستوطنات انتهاكا للقانون الإنساني الدولي، فان السياسات والممارسات الاستيطانية الإسرائيلية تخترق أيضاً عدداً من المبادئ المهمّة للقانون الدولي. بإقامة المستوطنات لغرض تعزيز الادّعاء بامتلاك مناطق في الضفة الغربية وغزة، تعمل إسرائيل بصورة مناقضة لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وهذا مبدأ مهم في القانون الدولي حيث أوضحت الأمم المتحدة في قرار مجلس الأمن رقم 242 أنه ينطبق على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967. كما أوضحت الأمم المتحدة بصورة منتظمة أن سياسات وممارسات الاستعمار الإسرائيلي تُشكّل عقبات خطيرة في طريق التوصّل إلى حل شامل، وعادل ودائم في الشرق الأوسط. وعلى إسرائيل واجب دولي بالامتناع عن القيام بأعمال تجعل حل النزاع الدولي أكثر صعوبة.

وتنتهج سياسات وممارسات الاستيطان الإسرائيلي المادة 31 (7) من الاتفاقية الانتقالية التي تطلب من كلا الجانبين عدم بدء أو اتخاذ أية خطوة ستعمل على تغيير وضع الضفة الغربية وقطاع غزة بانتظار نتيجة مفاوضات الوضع الدائم. وهذا يتطلّب وقف كافة النشاطات الاستيطانية، سواء كانت إقامة مستعمرات جديدة، توسيع المستوطنات الموجودة، أو بناء جديد داخل المستوطنات الموجودة.

ووفقاً للقانون الدولي، يجب على إسرائيل تقديم تعويضات عن الانتهاكات للقانون الدولي التي أحدثتها سياساتها وممارساتها الاستيطانية. وهذا يتطلّب من إسرائيل إزالة المستوطنات وسكّانها وتعويض المالكين عن مصادرة وتدمير ممتلكاتهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى