Take a fresh look at your lifestyle.

محمد ياغي يكتب في الصراع على “النفوذ” في العالم العربي، إسرائيل عبء على من يُحالفها

0 110

محمد ياغي ١٨-٦-٢٠٢١م

أحد الأسباب التي سيقت في إطار سعي بعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل هو رغبتها في موازنة النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، لكن الحقائق على الأرض تظهر بأن هذا التوجه يعزز النفوذ الإيراني فيه، وأن الحل للصراع على «النفوذ» هو بالتفاهم مع إيران وبتمتين العلاقات مع تركيا وبعدم إعطاء إسرائيل موطئ قدم قبل انسحابها من جميع الأراضي العربية التي تحتلها.
منذ الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003 تعزز النفوذ الإيراني في العالم العربي. بداية بالتنسيق بين سورية وإيران لإخراج القوات الأميركية من العراق، ولاحقاً بظهور حكومة عراقية أكثر استعداداً للتنسيق مع إيران في سياساتها الداخلية والخارجية.
بعد الهبات الشعبية في العالم العربي ودخول «داعش» و»القاعدة» على خط سورية، لم تعد توجد دولة في سورية واعتمد استمرار بقاء النظام على دعم حلفائه له وهو ما عزز النفوذ الإيراني في سورية. ولأن سقوط النظام السوري في أيدي الجماعات المتطرفة كان يعني انتقالهم إلى لبنان للقضاء على حزب الله، تعزز أيضا التحالف بين إيران وحزب الله والنظام السوري.
كذلك كان الحال في العراق. سيطرة «داعش» على الموصل العام 2014 وتهديدها لبغداد في ظل الفشل الحكومي بالتصدي للجماعات الإرهابية، مكن إيران من التدخل المباشر في شؤون العراق الداخلية بتجهيز وتدريب الحشد الشعبي الذي يُعزى اليه بشكل كبير تحرير الموصل وطرد «داعش» منها.
أي حكومة مجاورة للعراق، ما كان بإمكانها أن تسمح بسيطرة «داعش» عليه لأن ذلك يشكل مشكلة أمنية كبيرة لها.
كما نلاحظ  أن التدخل الإيراني في العراق وسورية ولبنان كان بسبب عوامل خارجية أساساً. التدخل في لبنان سببه الاحتلال الإسرائيلي لذلك البلد وهو ما وفر فرصة لإيران لدعم حزب الله وتمكنيه لطرد المحتل، ولاحقا أصبح حزب الله يعتمد على إيران في تسليحه وتدريبه وتمويله.
التدخل في سورية والعراق سببه الأساسي الاحتلال الأميركي للعراق والذي بدوره ساعد مع الوقت على نمو الحركات الإرهابية في كلا البلدين.
هذا لا يعني بأن إيران لم تكن راغبة في توسيع نفوذها في العالم العربي. على العكس تماماً، كل الدول الوطنية ترغب وتسعى الى توسيع نفوذها وتحديداً في دول الجوار لحماية أمنها، لكن الظروف الموضوعية (الاحتلال الإسرائيلي للبنان، الاحتلال الأميركي للعراق، ظهور الحركات الإرهابية) ساعدت جميعها إيران على تحقيق أهدافها بسهولة نسبياً.
النفوذ الإيراني امتد أيضاً ليصل اليمن. غالبية الباحثين في الشأن اليمني يقولون بأن علاقات الحوثيين بإيران كانت ضعيفة قبل بداية الحرب العام 2015، لكنها تعززت كثيراً خلالها. هذا وضع طبيعي: الحوثيون يريدون من يقف معهم في الحرب، وإيران تريد توسيع نفوذها.
كل ذلك بالطبع تَسبب بقلق كبير في دوائر صنع القرار في دول الخليج العربي وتحديدا العربية السعودية، فهي خسرت نفوذها التقليدي أو ضعف بشكل واضح في لبنان وسورية والعراق واليمن، وبالتالي أصبحت مكشوفة أكثر في أي صراع مباشر أو غير مباشر مع إيران. للتوضيح، يمكن لجهة ما موجودة في العراق ولها ارتباط بإيران أن تخلق مشكلة أمنية للعربية السعودية.
مخاوف دول الخليج العربي حقيقية وليست مصطنعة ولا علاقة لها بتحالفاتها مع واشنطن، والحقيقة أن الأخيرة قد أدركت أن مصادرها قد تم استنزافها في منطقة لم تعد لها فيها مصالح حيوية وهي راغبة وعازمة على مغادرة المنطقة وعلى عدم التدخل العسكري فيها وهو ما يفسر رغبتها بالعودة للاتفاق النووي مع إيران.
للبعض العربي، خروج واشنطن من المنطقة يمكن تعويضه بالتحالف مع إسرائيل. كانت هذه رغبة الرئيس الأميركي السابق ترامب الذي لم يسع لتأمين أمن دول الخليج العربي ولكنه سعى لتأمين إسرائيل.
لكن إسرائيل تشكل مشكلة كبيرة لأمن واستقرار دول الخليج العربي. هي بمعنى آخر حِمل ثقيل على هذه الدول وليست مكسبا لها لأسباب تكاد تكون واضحة لكل من لديه بصيره:
أولاً: طالما استمر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، فإن العرب في كل مكان سينظرون لهذه الدولة على أنها دولة احتلال يجب محاربتها لا التعامل معها. العلاقات الرسمية بين الأردن ومصر من جانب وإسرائيل من جانب آخر، لم تغير من حقيقة أن إسرائيل مكروهة في البلدين الى حد يستحيل معه على أي سائح إسرائيلي أن يتجول فيهما بحرية.
هذا يعني خسارة للشرعية السياسية في كلا البلدين. في الأردن ومصر تتم الموازنة بين قبول هذه «الخسارة» وبين «الدعم المالي» المقدم من أميركا وأوروبا مقابل استمرار العلاقة مع إسرائيل ويتم ترجيح أهمية استمرار الدعم المالي بسبب محدودية المصادر المالية لكلا البلدين. لكن دول الخليج العربي لا تحتاج للقيام بحسبة مشابهة لأنها والحمد لله من الدول التي تُقدم الأموال للآخرين ولا تنتظرها من دولة أخرى.
ثانياً: العلاقة مع إسرائيل تعزز النفوذ الإيراني في المنطقة العربية. كل من يرغب في انهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وهم الغالبية العظمى من الشعوب العربية، ستجد أن العلاقة مع إيران وتركيا ضرورة للحصول على الدعم الذي يُمكنها من مواجهة إسرائيل في ظل غياب الدعم من المؤسسات العربية الرسمية. هذا يعني تعزيز النفوذ الإيراني والتركي في العالم العربي.
على النقيض، مقاطعة إسرائيل والتعامل معها كعدو، يضعف النفوذ الإيراني والتركي في العالم العربي لأن كليهما سيخسر ما يميزه وهو معاداة إسرائيل وتقديم الدعم لمن يقاومها.
ثالثاً: إسرائيل ليست إضافة أمنية نوعية للدول التي تقيم علاقة معها لأنها بالكاد قادرة على الدفاع عن نفسها كما شاهدنا في حربها مع الفلسطينيين في غزة مؤخراً وفي لبنان العام 2006. كل من يقرأ تاريخ الصراع جيداً يُدرك بأن إسرائيل بنت اسطورة القوة الخاصة بها على أكاذيب وعندما وجدت من لديه الاستعداد لحربها انكشفت أكاذيبها. التوضيح هنا يطول لكن دعونا نتخيل حرباً مع إسرائيل على ثلاث جبهات: سورية ولبنان وغزة، كيف يمكن لهذه الدولة أن تنتصر؟!!
العلاقة مع إسرائيل عبء أمني ثقيل على الدول التي تقيم علاقات معها، ولأن إسرائيل لا تحترم الأعراف الدبلوماسية فنشاطها في الدول التي تقيم علاقات معها، خصوصاً إذا كانت ضد إيران أو حلفائها، قد يجعل هذه الدول مستهدفة من قبلهم.
رابعاً: إسرائيل ليست حتى إضافة سياسة نوعية لهذه الدول لأن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وأوروبا بدأ يفقد قوته وتأثيره بشكل واضح كما شاهدنا خلال حرب دولة الاحتلال على غزة مؤخراً. الصحف الأميركية لم تقف مع إسرائيل كعادتها، عدد مهم من المشرعين الأميركيين لم يؤيد إسرائيل ايضا والتظاهرات ضد إسرائيل كانت كبيرة. انتقاد إسرائيل وتوبيخها والقول بأنها دولة عنصرية لم تعد من المحظورات كما كان.
أخيراً، يجب الانتباه الى أن الانقسام الطائفي في العالم العربي مصطنع ومؤقت ولا يمكن بناء استراتيجيات بعيدة المدى عليه. في النهاية لا توجد طائفة يمكنها أن تُفني الأخرى وهي جميعها في النهاية مضطرة بحكم الواقع للتعايش مع بعضها البعض وللوصول الى تفاهمات بعيدة المدى كما هو الحال في لبنان وكما هو الحال اليوم في العراق.
هذا يعني أن من يعتقد أن بإمكانه استبدال الصراع مع إسرائيل بالصراع مع إيران مخطئ. الصراع مع الأخيرة طارئ ويمكن حله ويجب حله بالحوار، اما الصراع مع إسرائيل فهو جوهري ولا يمكن حله قبل إنهاء الأخيرة لاحتلالها.
خلاصة القول إن من يفكر في تعزيز نفوذ إسرائيل في العالم العربي لمجابهة النفوذ الإيراني فيه مخطئ تماما. إسرائيل لا مكان لها في هذا الصراع لأنها عبء كبير على الدول التي تقيم علاقات معها في العالم العربي، وهي بالتالي يجب أن تكون خارج معادلات الصراع على النفوذ فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.