أقلام وأراء

محمد ياغي: هل أخطأت «حماس» التقدير؟

محمد ياغي 2022-08-12

منذ الساعات الأولى للعدوان على غزة بدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن نجاحه في إحداث شرخ داخل المقاومة الفلسطينية وأن الجهاد الإسلامي وحده في المواجهة.

ومن أجل كسر الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، ذهب بعض «الباحثين السياسيين» الإسرائيليين، وأظن بأنهم يعملون في أجهزة الأمن الإسرائيلية وليسوا فعلا «باحثين»، إلى حد الادعاء بأن هنالك قرارا أميركيا – إسرائيليا – إقليميا يحظى بموافقة «حماس» على تصفية الجهاد الإسلامي باعتبارها الأقرب بين حركات المقاومة لإيران.

لكن حديث الإعلام الإسرائيلي بهذه الطريقة الخبيثة والهادفة إلى إرباك الشارع الفلسطيني ودفعه لأن يفقد الثقة بالمقاومة ما كان له أن يشد انتباه أحد من الفلسطينيين لو لم يكن هنالك وفي سلوك المقاومة ما يدعو للانتباه، ومن ذلك:

أولا، خروج بيانات المقاومة خلال المواجهة الأخيرة باسم حركة الجهاد الإسلامي وليس باسم غرفة العمليات المشتركة. ورغم أن هذه الحالة حصلت في السابق حيث كانت تُصدِر حركة «حماس» بياناتها وحدها والجهاد الإسلامي وحده كما في معركة سيف القدس، إلا أن اختفاء بيانات «حماس» هذه المرة كان دليلا على عدم مشاركتها المباشرة في المعركة.

عدم المشاركة ليس بالضرورة قرارا خاطئا، لأن المشاركة أو عدمها يفرضه ما تم الاتفاق عليه بين القيادات العسكرية من الجانبين: الجهاد وحماس.

لكن في هذه الحالة، حالة عدم مشاركة «حماس»، كان من الأفضل أن تخرج البيانات باسم غرفة العمليات المشتركة لإرسال رسالة واضحة للشعب الفلسطيني بأن المقاومة موحدة في قراراتها، وأن مشاركة «حماس» المباشرة في المعركة يحكمها الواقع الميداني وتطور المعركة مع الاحتلال.

كان على «حماس» أن توضح ذلك،ولكنها لم تفعل، ولا نعلم حقيقة لماذا لم تفعل، ولا نريد أيضا أن نتكهن بالأسباب. لكن يكفي أن نقول، إن عدم إصدار البيانات باسم غرفة العمليات المشتركة وعدم قيام «حماس» بإصدار بياناتها التوضيحية للشارع الفلسطيني أعطى الانطباع بأن المقاومة منقسمة على نفسها، سواء أكان ذلك حقيقة أم كذبا.

ثانيا، تصريحات القادة السياسيين لحركة «حماس» خلال المعركة الأخيرة أقل ما يمكن القول عنها إنها دون مستوى الحدث بكثير.

قرأت تصريحاً لرئيس حركة «حماس» الأستاذ إسماعيل هنية يدعو فيه المجتمع الدولي والأشقاء العرب للتدخل لوقف العدوان.

في الظاهر لا يبدو أن ما قاله شيء سيئ، لكنه تصريح مشابه لكل تصريحات الأنظمة العربية الرسمية التي تصف نفسها «بالوسيط».

حركات المقاومة ليست وسيطاً، وهي لا تطالب فقط بوقف العدوان لأن «العدوان» هو شيء مستمر طالما أن الاحتلال مُستمر، ولأن الاحتلال موجود هنالك مقاومة أصلا.

خطاب المقاومة يحمل عادة ثلاثة أبعاد: الأول هو التأكيد على مشروعية المقاومة طالما استمر الاحتلال. الثاني، هو رسالة للشعب الفلسطيني بأن المقاومة موحدة في تصديها للاحتلال بما فيه الاعتداء الأخير الذي استهدف بعض قادتها، والثالث هو المطالبات السياسية المرتبطة بالمواجهة الحالية.

خطاب قادة «حماس» في المعركة الأخيرة لم يحمل أياً من هذه الأبعاد باستثناء المطالبة بوقف «العدوان» وحديث خجول عن حق المقاومة بالرد.. هذا الخطاب لم يحمل مطالبات محددة مثل وقف الاغتيالات السياسة ولم يكن فيه رسائل للشعب الفلسطيني بأن المقاومة على قلب رجل واحد.

ثالثاً، أياً كانت الأسباب والمبررات فإن عدم الرد على سياسة الاغتيالات يشجع العدو على الاستمرار فيها كلما توفرت له الفرصة للقيام بذلك، لذلك كان على «حماس» أن تكون جزءا من مشهد المعركة الأخيرة. ولأنها لم تشارك فيها، يمكن للعدو الآن أن يستنتج أن بإمكانه تكثيف استهدافه لقادة الجهاد الإسلامي مطمئناً إلى أن المواجهة ستكون معها ومع فصائل المقاومة الأقل حجما، وبعد أن ينتهي منها يمكنه بالطبع أن ينقض على «حماس».

ألف – باء السياسة ألا تصل المقاومة لما تعلمناه ونحن تلاميذ في المرحلة الابتدائية: إنما أُكلتُ يومَ أُكِلَ الثور الأبيض.
هذه أخطاء واضحة يجب ألا ترتكبها حركة مقاومة اقترب عمرها من أربعة عقود.

وفي العموم يمكن أن تكون أسباب عدم مشاركة «حماس» في الجولة الأخيرة من القتال مرتبطة بالملاحظات الآتية:

أولا، واقع قطاع غزة مأساوي والشعب الفلسطيني فيها يعيش في ضائقة إنسانية شديدة منذ خمسة عشر عاما، وربما لذلك أرادت «حماس» تجنيب الشعب الفلسطيني في غزة النتائج الكارثية بعد كل مواجهة.

لكن أن يتصور البعض أن هذا الواقع يمكن تغييره دون التخلي عن المقاومة فهذه مجرد أمنيات.

العدو معني باستمرار الضائقة حتى تخسر المقاومة حاضنتها الشعبية وبالتالي فإن خيار المقاومة هو بين الاستمرار في مقاومتها إلى حين فرض شروطها على العدو، أو التخلي عنها من أجل وضع اقتصادي أفضل.

غزة لا يمكنها أن تتحول إلى رام الله إلا بالتخلي عن المقاومة المسلحة، وهذا يطرح السؤال الآتي: هل يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة؟

الجواب هو بالتأكيد ممكن، ولكنها في هذه الحالة هي «سلطة مقاومة» وليس مجرد سلطة تدير القطاع. هي سلطة هدفها إدارة القطاع لخدمة استمرار المقاومة وتقويتها وإذا كان الخيار كذلك، فإن المطلوب هو بناء اقتصاد مقاوم وهو ما يعني عدم السماح بوجود فاسدين ومحتكرين ومحاولات للاكتفاء الذاتي وأن تكون هنالك عدالة حقيقية في مسألة توزيع مصادر الدخل المحدودة جداً.

ثانيا، لا يزال السياسيون هم أصحاب الكلمة الفصل في «حماس» وهؤلاء حساباتهم مُختلفة عن حسابات الجناح العسكري المقاوم.

الحقيقة أن خيار المقاومة يتطلب أن يكون مركز القرار في أي تنظيم مقاوم للعسكريين وليس للسياسيين لأن وظيفة هؤلاء هي إسناد ودعم العمل المقاوم.

«ثوار الفنادق» ليسوا ثواراً وحساباتهم تدخل فيها عادة مصالح الجهة أو الجهات التي تحتضنهم بهدف الحفاظ على الامتيازات التي يتمتعون بها، وهي بالتالي لا تعبر حقيقة عن خيار المقاومة التي لا يهمها إلا مراكمة قوتها بهدف تحقيق الانتصار على العدو.

ثالثا، «حماس» لم تحسم خياراتها بعد.

هنا علينا أن نقول إن خط المقاومة هو خط تصاعدي، متعرج في غالب الأحيان بفعل النكسات التي تحدث خلال مسيرة النضال. لكن التعرج بفعل النكسات شيء مختلف عن «اللعب على الحبال»: اليوم المقاومة تنتمي لهذا المعسكر وغدا تنتمي لغيره.

هذه «الشطارة» مُدمرة لأنها لا توحي بأن «المقاومة» أهل للثقة، والثقة تُبنى على المصداقية ولا تبنى على الفهلوة السياسية.

المقاومة عليها أن تختار «مكانها» فهي إما أن تكون حركة مقاومة وتتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج وإما أن تختصر الطريق وتذهب باتجاه أوسلو مُحسن لقطاع غزة، لكن عندها عليها أن تتوقف عن الحديث عن المقاومة المسلحة، تماما مثلما فعلت السلطة في رام الله.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى