منوعات

محمد قاروط أبو رحمه: وداعًا الاتفاقات الإبراهيمية

محمد قاروط أبو رحمه 12-4-2026: وداعًا الاتفاقات الإبراهيمية

لم يكن صعود ما عُرف بـاتفاقات إبراهيم حدثًا عابرًا في تاريخ الشرق الأوسط، بل بدا حينها وكأنه بداية مرحلة جديدة تُطوى فيها صفحة الصراع الممتد، وتُفتح أخرى عنوانها التعاون الإقليمي والمصالح المشتركة. غير أن التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة مؤخرًا تطرح سؤالًا صريحًا: هل انتهى زمن هذه الاتفاقات فعليًا؟

عندما وقّعت دول عربية عدة اتفاقيات التطبيع برعاية دونالد ترامب، بدا أن هناك منطقًا جديدًا يحكم المنطقة: تجاوز القضية الفلسطينية، والتركيز على التهديدات المشتركة، وفي مقدمتها إيران، إلى جانب فرص الاقتصاد والتكنولوجيا. وقد تبنّى بنيامين نتنياهو هذا التصور بقوة، مروّجًا لفكرة أن السلام يمكن أن يتحقق دون حل سياسي مع الفلسطينيين.

لكن الواقع أثبت هشاشة هذا البناء. فمع اندلاع الحرب وتوسعها إقليميًا، عادت القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد، لا كملف ثانوي يمكن تأجيله، بل كجذر الصراع كله. لم تعد الشعوب العربية قادرة على تجاهل صور الدمار والمعاناة، ولم تعد الحكومات قادرة على المضي في مسار التطبيع بمعزل عن هذا الضغط الشعبي المتصاعد.

الأهم من ذلك أن الرهان على “تحالف إقليمي” في مواجهة إيران لم يحقق أهدافه. فقد أظهرت الحرب أن ميزان القوة لا يُحسم فقط بالتفوق العسكري، بل بقدرة الأطراف على الصمود وإدارة الصراع طويل الأمد. بل إن إيران، التي كان يُفترض أن تكون الهدف المركزي لهذا التحالف، خرجت من المواجهة أكثر حضورًا وتأثيرًا، ما أضعف الأساس الأمني الذي قامت عليه الاتفاقات.

كما أن التحولات الدولية لعبت دورًا حاسمًا. فالنظام العالمي لم يعد أحادي القطبية كما كان، ومع صعود قوى مثل روسيا والصين، تراجعت قدرة الولايات المتحدة على فرض ترتيبات إقليمية مستقرة. وفي ظل هذا التراجع، لم تعد الضمانات التي قامت عليها الاتفاقات الإبراهيمية كافية لإقناع الدول بالاستمرار في مسار محفوف بالمخاطر.

من جهة أخرى، كشفت الحرب عن حدود القوة الإسرائيلية نفسها. فالدولة التي قُدّمت كشريك أمني قادر على توفير الاستقرار، وجدت نفسها في صراع متعدد الجبهات، يهدد تماسكها الداخلي ويستنزف مواردها. وهذا بدوره أثار تساؤلات عميقة لدى حلفائها الجدد حول جدوى الرهان عليها كركيزة للأمن الإقليمي.

لا يعني ذلك أن العلاقات التي نشأت ستختفي بالكامل، فالمصالح الاقتصادية والتكنولوجية لا تزول بسهولة. لكن ما يتلاشى هو “الوهم” الذي رافق هذه الاتفاقات: وهم إمكانية بناء شرق أوسط مستقر دون معالجة جذور الصراع، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

لقد أثبتت الأحداث أن السلام لا يُبنى بالقفز فوق الأزمات، بل بمواجهتها. وأن التطبيع، مهما كان مغريًا على المستوى السياسي أو الاقتصادي، لا يمكن أن يصمد إذا تجاهل العدالة والحقوق. وفي هذا المعنى، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعثر للاتفاقات الإبراهيمية، بل إعادة تذكير قاسية بحقائق ظنّ البعض أنه تجاوزها.

وداعًا الاتفاقات الإبراهيمية، ليس لأن فكرتها كانت مستحيلة، بل لأن الظروف التي أُقيمت عليها لم تكن صلبة بما يكفي. وربما، في يوم ما، تعود فكرة السلام الإقليمي من جديد، ولكن هذه المرة على أسس أكثر واقعية: سلام لا يتجاوز القضية الفلسطينية، بل يبدأ منها.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى