منوعات

محمد قاروط أبو رحمه: لماذا ما يُكتب يُهزم؟ فن انتزاع سيطرة المشكلات عن دماغنا

محمد قاروط أبو رحمه 23-1-2026: لماذا ما يُكتب يُهزم؟ فن انتزاع سيطرة المشكلات عن دماغنا

(الملخص: كتابة المشكلات هي “عملية تحرير” تنتزع بها المقود من يد القلق لتضعه في يد المنطق؛ فهي تحول الوحوش الذهنية الضبابية إلى أهداف ملموسة قابلة للترويض، معيدةً إليك سيادتك الكاملة على انتباهك المفقود.)

تعتبر المشكلات غير المكتوبة “طفيليات ذهنية” تتغذى على انتباهنا، وتدفعنا إلى دوامة من التفكير المجتر. الكتابة ليست مجرد تدوين، بل هي عملية تحرير للوعي. إليك لماذا وكيف:

تفريغ الذاكرة العاملة:

الدماغ البشري يمتلك سعة محدودة لمعالجة المعلومات في وقت واحد. عندما تكتب المشكلة، أنت تنقل الحمولات الزائدة من “الذاكرة العاملة” المجهدة إلى “الورقة”، مما يحرر مساحة فورية للتفكير في الحلول بدلاً من الانشغال بوزن المشكلة.

كسر حلقة الاجترار الذهني:

تميل عقولنا لإعادة تدوير القلق (الاجترار). الكتابة تضع حداً لهذه الدائرة؛ فالمشكلة المثبتة على الورق تصبح “جسماً خارجياً” يمكن التعامل معه، بدلاً من كونها “صوتاً داخلياً” لا يتوقف.

تحويل “الهلامي” إلى “مادي”:

المشكلات داخل رؤوسنا تبدو ضخمة، ضبابية، ولا نهائية. بمجرد صياغتها في كلمات، تكتسب حدوداً وشكلاً. هذا التجسيد يسلب المشكلة قوتها الأسطورية ويحولها إلى “تحدٍ إجرائي” محدد.

المسافة التحررية (الإزاحة الذهنية):

عندما تكتب، أنت تتحول من “صاحب المشكلة” إلى “مراقب لها”. هذه المسافة تسمح لك برؤية الثغرات في تفكيرك والتعامل مع الموقف بموضوعية أكبر، وكأنك تقدم نصيحة لشخص آخر.

كشف المبالغات العاطفية:

الدماغ يميل لتضخيم المخاطر (آلية دفاعية). عند الكتابة، تضطر لاستخدام لغة منطقية، مما يكشف زيف المخاوف المبالغ فيها ويقلص حجم المشكلة إلى حجمها الطبيعي.

استعادة “التركيز” (السيادة الذهنية المفقودة):

المشكلة العالقة في الذهن تعمل كـ “ثقب أسود” يمتص طاقتك الذهنية خفية؛ وكتابتها هي عملية إغلاق للثغرات التي يتسرب منها انتباهك. من خلال التدوين، أنت تقوم بـ استعادة “التركيز” وتحريره من قيود القلق ليعود إلى “الحاضر” بكامل قوته، وهو ما يمثل جوهر السيادة على الذات التي يحتاجها الإنسان.

تجزئة الوحش (تفكيك المعضلات):

الكتابة تتيح لك ممارسة “فن التجزئة”؛ فبدلاً من مواجهة “مشكلة كبيرة”، يمكنك تقسيمها إلى عشر مشكلات صغيرة يسهل حلها واحدة تلو الأخرى.

توثيق المسار والحلول:

الدماغ ينسى الحلول التي فكر فيها تحت الضغط. الكتابة تحفظ “خريطة الطريق” وتجعلك تشعر بالسيطرة لأنك ترى التقدم أمام عينيك، مما يمنحك شعوراً فورياً بالإنجاز (نور الإتقان).

تقليل الضجيج الكيميائي:

التفكير المستمر في المشكلات يرفع مستويات الكورتيزول. أثبتت الدراسات أن “الكتابة التعبيرية” تخفض الإجهاد الفسيولوجي، مما يعيد الدماغ إلى حالة الهدوء اللازمة للإبداع.

الانتقال من “لماذا” إلى “كيف”:

التفكير الذهني غالباً ما يغرق في “لماذا حدث هذا؟” (الندم). أما الكتابة فتدفعك فطرياً نحو “كيف أحل هذا؟” (المنهج)، وهي الخطوة الأولى للارتقاء من شعلة السؤال إلى نور الإتقان.

خلاصة: من الفوضى الذهنية إلى هندسة الحلول

تتلخص قيمة “كتابة المشكلات” في كونها عملية تحويل بنيوي؛ فهي تنقل المشكلة من حالة “الضجيج الداخلي” المشتت للانتباه إلى حالة “النص الخارجي” القابل للتحليل والتفكيك. لم يعد الذكاء في التفكير في المشكلة، بل في القدرة على إخراجها من الدماغ لـ استعادة التركيز المسلوب. إن كل كلمة تكتبها هي خطوة تقطع بها صلة المشكلة بمركز القلق في دماغك، لتصل في النهاية إلى نور الإتقان في معالجة التحديات. الحقيقة بسيطة: المشكلة المكتوبة هي مشكلة نُزع سُمّها، وأصبحت مجرد مشروع ينتظر التنفيذ.

الخاتمة: قلمك هو عصاك السحرية

إن انتزاع سيطرة المشكلة من الدماغ يبدأ بلحظة شجاعة، لحظة تقرر فيها أن تخرج ما في رأسك وتضعه أمام عينيك. الكتابة هي الجسر الذي يربط بين “شعلة السؤال” الحائرة و”نور الإتقان” المشرق؛ فبمجرد أن تُكتب المشكلة، تفقد سحرها الأسود وقدرتها على تشتيتك. اجعل من تدوين مشكلاتك طقساً يومياً لاستعادة “التركيز”، وتذكر دائماً: أن ما يُكتب يُهزم، وما يُترك في العقل ينمو ليمتلكك. ابدأ بالكتابة الآن، واستعد سيادتك على مملكتك الذهنية.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى