محمد عايش يكتب -  كيف استفادت الحركة الإسلامية من قضية فلسطين؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

محمد عايش يكتب –  كيف استفادت الحركة الإسلامية من قضية فلسطين؟

0 72

محمد عايش *- 5/1/2021 

إذا كان ثمة فضل لفلسطين وقضيتها على أي حركة سياسية في تاريخنا العربي الحديث، فسوف يكون للحركة الإسلامية، التي استطاعت أن تجتمع وتحشد جمهوراً عريضاً في بلادنا العربية كافة، من المحيط إلى الخليج بفضل موقفها من قضية فلسطين، وهذه حقيقة ينبغي للحركة الإسلامية بفروعها كافة في عالمنا العربي أن تُدركها جيداً.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة شهد العالم العربي «صحوة إسلامية» غير مسبوقة وهذه الصحوة انعكست على الحركة الإسلامية ومشاركتها السياسية، فسجلت طفرة غير مسبوقة في العديد من الدول العربية، بما فيها مصر التي كانت وما زالت تعتبر جماعة الإخوان المسلمين «منظمة غير مشروعة» لكن الجماعة كانت في الحقيقة ممثلة داخل البرلمان، وتحظى بانتشار واسع في الشارع وتلعب دوراً مهماً في الحياة العامة.

الصحوة الإسلامية، التي شهدناها خلال العقود الثلاثة الماضية، كان مردها في الحقيقة لعاملين أساسيين، الأول هو انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط المعسكر الشيوعي وتراجع المد اليساري، وهذا أدى بالضرورة إلى الالتفاف حول تيار الإسلام السياسي، كرد فعل تلقائي، بسبب أن أبناء التيارات اليسارية ومؤيديها هم مضادون بالضرورة للامبريالية الأمريكية ولهيمنة الولايات المتحدة، وهذه الهيمنة لم يكن لها أي نقيض في العالم العربي سوى في التيار الإسلامي. لكن ثمة عامل أهم بكثير شكَّل رافعة مهمة للحركة الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية، وهو القضية الفلسطينية، التي شهدت تحولات جذرية أهمها ظهور حركة حماس في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وهي الذراع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين التي تنتشر في العالم العربي من محيطه إلى خليجه، ما أدى إلى صعود صاروخي في شعبية الإخوان على المستوى العربي، إذ رأى قطاعٌ واسعٌ من العرب أن تأييدهم للإخوان إنما هو دعم لقضية فلسطين، وأن الحركة الإسلامية استطاعت أن تقدم عبر «حماس» تضحيات كبيرة جعلتها تخرج من نطاق ترديد الشعارات إلى العمل الحقيقي والجاد. وخلال عقد التسعينيات كان الرصيد الشعبي لحركة حماس يرتفع سريعاً، فقد جاءت جملة ظروف لصالح الحركة؛ أولها أن منظمة التحرير ومعها حركة فتح (وهي المقاومة الفلسطينية التقليدية والتاريخية) بدأت مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، من أجل التوصل إلى تسوية، وصولاً إلى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، وفي الوقت ذاته كانت العمليات العسكرية التي تقوم بها الحركة تتصدر نشرات الأخبار في العالم، وتستحوذ على اهتمام الشارع العربي، وبينما كانت حماس تحصد تأييد الجمهور الفلسطيني الرافض لمسار أوسلو، كانت جماعة الإخوان المسلمين في مختلف الأقطار العربية، تحصد مزيداً من التأييد ويلتفُ حولها جمهورٌ أكبر.

في بداية التسعينيات كان الإخوان المسلمون يهيمنون على ثلث البرلمان في الأردن، واستطاعوا حشد أكبر تجمع بشري في تاريخ البلاد، في تلك الفترة كانت حركة حماس جزءاً من «إخوان الأردن» وكان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل يُقيم في عمَّان، وهناك تعرض لمحاولة الاغتيال الإسرائيلية الفاشلة. في تلك «العشرية» كانت بعض المساجد في الأردن لا تتسع للمصلين، وكان بعضُ الإسلاميين يفوز بالانتخابات من دون الحاجة لأي دعاية انتخابية.. كانت الدعاية ببساطة أنهم – أي الإخوان- هم ظهير المقاومة الفلسطينية والداعم لها. في التسعينيات تولى الإسلاميون الحُكم في السودان، وفي عام 1997 وصلوا إلى البرلمان في المغرب لأول مرة، وفي مصر حصد الإخوان المسلمون 17 مقعداً في مجلس الشعب في انتخابات عام 2000، وفي انتخابات عام 2005 تضخمت كتلة الإخوان في برلمان مصر لتصبح 88 نائباً، وأصبحوا يهيمنون على 20% من مقاعد مجلس الشعب. أما في اليمن فاستطاع التجمع اليمني للإصلاح (إخوان) أن يحصل على 62 مقعداً في البرلمان بانتخابات عام 1993، وشارك في الحكومة حتى عام 1997، وفي انتخابات عام 2001 حصد 22% من مقاعد البرلمان، وظل يلعبُ دوراً مهماً في السياسة اليمنية حتى الان.

هذه الطفرة التي شهدتها الحركة الإسلامية خلال السنوات والعقود الماضية كان من بين أسبابها الموقف من القضية الفلسطينية، والتضحيات التي قدمتها حركة حماس، خاصة في ظل تراجع النظام الرسمي العربي أمام إسرائيل، بل انهياره أمام العدوان المتكرر للاحتلال، وهذه حقيقة ينبغي على الإسلاميين أن يدركوها ويعترفوا بها في كل العالم العربي، ولذلك فإن التراجع عن الموقف من قضية فلسطين والقبول بالتطبيع مع إسرائيل – إن حدث- يعني أن شريحة كبيرة من الجمهور سوف ينفضُّون عن الحركة الاسلامية ويلفظونها ويبحثون عن بدائل. لا يمكن أن يقبل الشارع العربي بسياسي يدعي انتماءه للتيار الإسلامي، أو محسوب على الحركة الاسلامية لكنه يقبل بالتطبيع مع إسرائيل، ولا يمكن أن يرحم الناخبون الحركة الإسلامية إذا انقلبت على أفكارها ومبادئها، ووافقت على التطبيع مع الاحتلال، لأنَّ أحد الأسس التي قامت عليها هو رفض مسار التسوية الذي بدأه العرب في مؤتمر مدريد سنة 1990، ورفض التطبيع مع الاحتلال، ورفع شعار «فلسطين عربية».. ضمير الأمة لا يتغير ولا ينحرف، وما تفرضه السياسة على أحزاب وحركات لا يفهمه الناس ولا يريدون أصلاً فهمه.

 * كاتب فلسطيني .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.