محمد عايش يكتب جيل فلسطيني جديد ومختلف - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

محمد عايش يكتب جيل فلسطيني جديد ومختلف

0 108

 محمد عايش *- 25/5/2021

الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة التي بدأت في المسجد الأقصى والقدس، قبل أن تمتد إلى حرب الصواريخ في غزة، كشفت عن جيل فلسطيني جديد مختلف تماماً عن الأجيال السابقة، والمؤكد أنه جيل خارج عن المألوف، ولم يكن الإسرائيليون يتوقعونه، ولو في أسوأ كوابيسهم.

الجيل الجديد في فلسطين، الذي شارك ويشارك في صناعة الأحداث منذ بدأت الاحتجاجات في «باب العامود» قبل عدة أسابيع، يُشكل ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني، فهو جيل لم يشهد أغلبُ أبنائه انتفاضة الأقصى التي اندلعت في العام ألفين، كما لم يشهد الانتفاضة الكبرى في عام 1987، لكنه يختلف تماماً عن الأجيال التقليدية السابقة.

أبناء فلسطين الجدد أكثر التحاماً مع بعضهم، ومع بلدهم وأكثر انتماء لها، وهذا يؤكد فشل المشروع الصهيوني القائم منذ أكثر من سبعين عاماً على سلخ الفلسطينيين من أصولهم، وصناعة إنسان جديد أكثر ولاء لمصالحه وأهوائه وأكثر تجاهلاً لانتمائه الوطني والديني، وهذا المشروع كان يستهدف بشكل خاص الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 48 الذين كان الاحتلال يحاول طيلة العقود الماضية جعلهم مجرد «أقلية تعيش في دولة ديمقراطية تُسمى إسرائيل» وهو ما تبين أخيراً أنه لم يتحقق، وأن هؤلاء يتعاملون مع أنفسهم على أنهم الفلسطينيون الأصليون أصحاب الأرض.

اللافت أيضاً أن هؤلاء الفلسطينيين الذين كانوا يتعرضون طيلة العقود الماضية لعملية «أسرلة وصهينة» انتفضوا عند الاعتداء على القدس والمسجد الأقصى، وهو ما يعني أن الانتماء الديني لهم ما زال عالياً، والهوية الدينية ما زالت حاضرة، وأن الاحتلال لم ينجح في جعلهم غير مكترثين بالمقدسات، أي أن المشروع الصهيوني فشل في سلخهم من هويتهم وفشل أيضاً في سلخهم من دينهم. ثمة ملامح أخرى كثيرة لجيل فلسطين الجديد، فقد استطاع هؤلاء الشباب تجاوز الانقسام الداخلي بين الفصائل، إذ بمجرد اندلاع المواجهة مع الاحتلال عادت الوحدة إلى الشارع الفلسطيني، خاصة في الضفة الغربية، التي شاهدنا فيها محتجين لا علاقة لهم بأي فصيل من الفصائل، إذ نحنُ أمام جيل استطاع تجاهل الانقسام الذي يعاني منه الفلسطينيون منذ 15 عاماً، بل أن الأهم في هذا المقام هو ذوبان الانقسام بين فلسطينيي المدن المحتلة عام 48 وفلسطينيي الضفة وقطاع غزة، إذ أنها المرة الأولى التي يتوحد فيها الشارع الفلسطيني من البحر إلى النهر بهذه الصورة، أما السبب في ذلك فهو الجيل الجديد من فلسطينيي الداخل الذين ظهر أنهم أكثر تمسكاً بهويتهم وأكثر شعوراً باضطهاد الاحتلال لهم. الجيل الفلسطيني الجديد الذي ظهرت ملامحه في المواجهة الأخيرة، والذي يقود الشارع اليوم متفوقاً على الفصائل والقوى السياسية التقليدية، يشكل تحولاً مهماً في المشهد الفلسطيني، فهو ما يُمكن وصفه بأنه «القنبلة» التي انفجرت في وجه الاحتلال، وبات واضحاً أنه بدأ مشواراً نضالياً جديداً يتجاوز الانقسام الداخلي والخلافات بين الفصائل والقوى السياسية. أما الأهم من هذا كله فهو أن ظهور هذا الجيل الجديد، يؤكد فشل المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة، وعدم قدرته على إنتاج «فلسطيني منزوع الدسم» بل جاء جيل يريد حقوقه ويرفض اضطهاد الاحتلال له، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن تجاهل مطالب الفلسطينيين وحقوقهم لا يُمكن أن يستمر طويلاً، وأن السلام في المنطقة لن يتحقق ما لم تتم الاستجابة لهذا الجيل من طالبي الحقوق والطامحين لبناء دولة مستقلة حُرة كغيرهم من البشر.

 * كاتب فلسطيني 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.