أقلام وأراء

محمد صلاح – مصر: قبل هبوط الطبقة المتوسطة الى القاع ..!

محمد صلاح ٥-٤-٢٠٢٢م

الى أي مدى تستطيع الطبقة المتوسطة في مصر تحمل المزيد من تداعيات الحرب في أوكرانيا؟ الفئة التي تدخل ضمن هذا النطاق تحملت على مدى سنوات وطأة السياسات الخاطئة للحكومات وتعرضت لضربة شديدة بفعل الربيع العربي والتدهور الحاد الذي أصاب الاقتصاد المصري. وقبل أن تلملم جراحها وجدت تنظيم “الإخوان” الإرهابي يقفز الى سدة الحكم بدعم غربي وربما إقليمي وكنتيجة لزخم ناله التيار المتأسلم بعد احداث كانون الثاني (يناير) 2011، وحين تخلصت من “الإخوان” بعدما شاركت في ثورة أطاحت بحكم ذلك التنظيم الذي أفسد الاقتصاد وعصف بالسياسة وأهدر الأمن وجدت الطبقة المتوسطة أن عليها تحمل نتائج كل أخطاء الماضي وأن تسدد الثمن الذي يتطلبه النهوض بمصر من عثرتها وإعادة هيكلة الاقتصاد والمساهمة في تدبير تمويل للمشاريع الكبرى من دون فئات أخرى في المجتمع ظلت على مدى عقود لديها الطرق والقدرات والحيل التي تمكنها من الهروب من سداد مستحقات الدولة وتحقيق أرباح من خلال اقتصاد موازٍ لم يكن لابناء الطبقة المتوسطة الفرصة للاستفادة منه بل تحمل وطأة وجوده.

معروف أن الطبقة المتوسطة فئة تقع في وسط الهرم الاجتماعي. وبحسب اصطلاح عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر فإنها الطبقة التي تأتي اقتصادياً واجتماعياً بين الطبقة العاملة أو قل البسطاء والطبقة الغنية أو الأثرياء. وتختلف معايير تحديد الطبقة المتوسطة باختلاف الثقافات وظروف المجتمعات، ويعتبر اتساع حجم هذه الطبقة ورخاؤها في المجتمع أمراً ايجابياً في بنية المجتمعات.

في مصر يعتبر موظفو الدولة عماد تلك الفئة التي تضم نحو سبعة ملايين موظف يُضاف اليهم أبناؤهم وأسرهم وبضعة ملايين أخرى من العاملين في القطاع الخاص ممن يحظون بالتأمينات الاجتماعية والصحية أي نحو 18 مليوناً أخرين، وهؤلاء الناس في مرحلة ما من تاريخ مصر كانوا يحظون بحياة مستقرة، تكفيهم رواتبهم للعيش الكريم وتربية أبنائهم من دون بزخ أو شطط الصرف المبالغ فيه وكذلك تمكنهم من تدبير أمورهم الحياتية اذا ما طرأت مستجدات او مناسبات توجب عليهم إنفاقاً إضافياً.

أتت الحرب الروسية على أوكرانيا وافرزت تداعيات خطيرة ضربت الاقتصاد العالمي فكان لا بد من أن تتخذ الدول الإجراءات والسياسات التي تخفف من وطأة نتائج الحرب. حتى الآن لا يبدو أن هناك ندرة في السلع الأساسية بل مع دخول شهر رمضان المبارك خاطب الرئيس عبدالفتاح السيسي شعبه، مؤكداً توافر السلع وتأمين الاحتياطات كلها لمدة طويلة، لكنه في الوقت نفسه دعاهم الى ترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة التزامات الأسر والعائلات. على جانب آخر اتخذ المصرف المركزي قرارات بشأن تحرير سعر صرف الجنيه المصري ورفع أسعار الفوائد على الإيداعات والقروض وما حدث بعدها من زيادة أسعار السلع الأساسية، وغير الأساسية أيضاً، لتوجه ضربة جديدة شديدة يخشى من أن تكون الضربة القاضية التي تفتك بالطبقة المتوسطة وتهبط بها وباصحابها الى الطبقة الدنيا.

بعض المعارضين للقرارات يعتقدون أنها لن تساهم في استقرار سوق النقد وتوقعوا عودة السوق السوداء للعملات الحرة لتزدهر مرة أخرى في ظل النمط الاقتصادي السائد الذي يعتمد بالأساس على الىستيراد بديلاً عن الانتاج والتنمية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وأن عجز الموازنة سيستفحل لأن خدمة الدين الأجنبي سيتم إدراجها بالموازنة العامة بمتوسط أسعار التحويل الجديدة بما سيزيد من العجز بخلاف تفاقم حجم الدين بالعملات الأجنبية، إضافة إلى أثر زيادة أسعار الفائدة على الدين العام بالجنيه المصري ما سيزيد من عجز الموازنة.

وينبه هؤلاء الى أن الفجوة الإستيرادية كبيرة، وأن خفض قيمة الجنيه مقابل الدولار سيؤدي الي تضاعف العجز في ميزان المدفوعات من ناحية وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات من ناحية أخرى، بشكل لا تقابله زيادات حقيقية ملموسة في دخول الطبقة المتوسطة التي يرزح ابناؤها تحت أعباء الضرائب المتزايدة وارتفاع الأسعار بما يهدد أوضاع أبنائها، خصوصاً موظفي الحكومة والقطاع العام وبعض موظفي القطاع الخاص والعمالة المنتظمة وغير المنتظمة وقطاعات من الفلاحين.

أخيراً يدرك المصريون أنهم يسددون ثمن بقاء بلدهم موحداً ومن دون تقسيم، وأن الخلاص من حكم “الإخوان” ومواجهة الإرهاب إضافة الى معالجة الأوضاع التي ترتبت على الربيع العربي تتطلب تضحيات من فئات الشعب، وهم يصدقون أن علاج الأزمات وإعادة هيكلة الاقتصاد يحتاج الى وقت، لكنهم أيضاً يخشون على الطبقة المتوسطة من التآكل ويرون أن وضع حلول للأزمة الاقتصادية وقطع الطريق على المزيد من التهرب الضريبي، ومنع استيراد بعض السلع ذات البديل المحلي، والبعض الآخر الذي يمكن الاستغناء عنه حتى يتعافى الاحتياطي من النقد الأجنبي، ووضع علاج جذري لانخفاض رواتب موظفي الدولة وأصحاب المعاشات… كلها أمور لم يعد التأخر فيها ممكناً، فالطبقة المتوسطة تهبط بسرعة وتتجه نحو الطبقة البسيطة، أو قل الفقراء، ولا بد من وقف زحفها نحو القاع.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى