أقلام وأراء

مصر: حوار سياسي لا مكان فيه لـ’الإخوان’

محمد صلاح

محمد صلاح ٢٦-٤-٢٠٢٢م

مؤكد أن إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نيته إجراء حوار سياسي بين النخب والقوى السياسية، لا يعني مشاركة تنظيم “الإخوان المسلمين” الإرهابي تحت أي لافتة، فموقف السيسي من “الإخوان” معروف، وهو يضعهم في سلة واحدة مع تنظيمات إرهابية كلاسيكية أخرى كـ”داعش” و”القاعدة” و”الجهاد”، كما أن الشعب المصري الذي راح أبناؤه ضحايا عنف “الإخوان” وإرهابهم، لن يرضى بأي صورة بعودة الإرهابيين إلى المشهد السياسي مهما كانت الدوافع… أو الضغوط.

عموماً، الحوار الذي تحدث عنه السيسي مختلف تماماً عمّا يرد في تابوات “الإخوان” وثورجية الفضائيات ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي منذ ضرب الربيع العربي المنطقة، والتي تستخدم لضرب أي استقرار وتعطيل كل إنجاز، وبين تلك “الكلاشيهات” تعبير “الحوار المجتمعي”، والذي يطنطن به الراغبون في إعادة العجلة إلى الوراء والمتشبثون بتلابيب الفوضى ومناخ الثورات، كلما تم الإعلان عن مشروع جديد (في أي مجال) أو قرار مهم، أو نشأت أزمة سياسية أو اقتصادية أو توتر في علاقة الدولة بأخرى.

فعندما تبدأ الأجهزة الرسمية المناط بها اتخاذ مواقف أو إجراءات للتعاطي مع التطور الجديد، تقفز على الفور تلك الوجوه المعروفة والمحفوظة والمكروهة لتطفو إلى واجهة الصورة، ويبدأ أصحابها سن حناجرهم وتلميع وجوههم، ثم يتسابقون لحجز أماكنهم في الاستديوات أمام الكشافات والمصابيح والكاميرات، أو يجهزون صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ويملأونها بشعارات تطالب بحوار مجتمعي حول هذه القضية أو تلك.

عبرت مصر مرحلة صعبة من تاريخها، ونجحت في تحجيم “الإخوان” وتخفيض وتيرة الإرهاب، وصمدت أمام كوارث اقتصادية عالمية ومتاعب داخلية، ويبدو أن الأون قد آن لتوسيع المشاركة السياسية. لم تتضح بعد آليات الحوار الذي دعا له السيسي أو الأطراف المشاركة فيه، لكن الهجوم عليه وانتقاده قبل أن يبدأ صار ضمن أنشطة “الإخوان” وسلوكهم اليومي، وبالطبع رائع أن يتناقش الناس في الأمور التي تخصهم أو تمثل إضافة إلى مجتمعهم ليخرجوا بنتائج تنزع السلبيات وتضيف إيجابيات جديدة إلى كل فكرة أو مشروع أو قرار، وأن يدلي المتخصصون بدلوهم ويطرحوا رؤاهم ويعرضوا على فئات الشعب نظرياتهم تجاه موضوع ما، ويردوا على أسئلة الحائرين، ويفنّدوا شكوك المشككين، ويطمئنوا قلوب الخائفين، كلها معانٍ إيجابية يفترض أن تنتج من الحوار الذي دعا له رئيس الدولة، بما يحقق ارتياحاً شعبياً وتفهماً من دون ضغوط أو إكراه. لكن ذلك الحوار الذي يريده “الإخوان” وحلفاؤهم مقصود به مشاركة أطراف اختُرقت، ونخب تم تدجينها أو شراؤها بواسطة جهات أجنبية، وبينها تنظيم هدفه الوحيد هدم الدولة على من فيها، ولا يمكن أن يخرج بفائدة للمجتمع.

وفقاً لمبادئ العلوم السياسية والاجتماعية التي يدركها الباحث المبتدئ، فإن فكرة الحوار السياسي أو حتى المجتمعي “نشأت في ضوء ما أفرزته التحولات الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، من واقع جديد يتطلب جهوداً لاستيعاب هذه المتغيرات وتجنب آثارها السلبية، وتعظيم فوائدها الإيجابية، واحتواء الخلافات حولها”. ولمن يريد مزيداً من التنظير، فإن الحوار المجتمعي فرضته نتائج الثورة الصناعية منتصف القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، “حيث ظهرت الطبقة العاملة، فكان طبيعياً أن تقيم الطبقة الرأسمالية نظاماً قانونياً يحمي مصالحها، وبالتالي لجأت الطبقة العاملة إلى تكوين تجمعات عمالية وشعبية للدفاع عن حقوق العمال والمجتمع المحلي الشعبي في مواجهة أصحاب الأعمال والحكومات”.

ويفترض أن يكون الحوار المجتمعي “أداة فعالة تساعد على حل المشكلات والأزمات، ويعزز التماسك الاجتماعي عن طريق التفاوض والمشاورات والنقاش والتنازلات وتبادل المعلومات بين مكوّنات المجتمع أو البلد الواحد”، على أن يكون له ثلاثة أطراف: النخب السياسية ورجال الأعمال وممثلو الحكومات للنقاش “حول موضوعات تصب في المصلحة العامة وتعزيز اللُّحمة الوطنية”. لكنّ كتب العلوم السياسية ومراجعها ونظرياتها كلها تؤكد أنه “لا سبيل لإقامة حوار مجتمعي مثمر إلا بوجود مؤسسات مجتمع مدني قوية ونخب وطنية واعية، ومن دون تدخل من أي أطراف مغرضة أو جهات تسعى إلى تحقيق مصالح على حساب أصحاب الحوار المجتمعي أنفسهم”.

 ليس سراً أن “الإخوان” الذين يطالبون بحوار معهم يستخدمون منصاتهم الإعلامية المصوّبة نحو المصريين من الخارج، ولجانهم الإلكترونية الإخوانية لزرع الفتن ونشر ثقافة الفوضى بالأساس، وهم لا يؤمنون أصلاً بأي حوار مع المخالفين لهم في الرأي أو المواقف، وهدفهم إرباك المشهد وتعطيل الإنجاز وهدم المعبد على من فيه.

بالطبع، فإن المصريين يسخرون من هؤلاء الذين طلبوا أن يطرح كل مشروع كبير لحوار مجتمعي قبل الشروع في تنفيذه، وأن يخضع كل قرار استراتيجي لنقاش عام بين فئات المجتمع قبل صدوره، لأن دعواتهم إلى الحوار أتت من جهات تدعم “الإخوان” وتحتضن التنظيم الذي يسعى على مدى سنوات إلى هدم مصر على رؤوس المصريين، الذين يدركون أن تمثيلية الحوار المجتمعي التي يتم عرضها والإلحاح عليها ليست لمصلحة المجتمع أو الناس، بل من أجل أن تبقى الدولة في حال سكون ولا تتحرك قبل أن يقرروا هم ما إذا كان عليها أن تتحرك، وإذا تحركت فأي اتجاه عليها أن تسلك، بينما المجتمع نفسه يدرك أنهم ضد إصلاحه أو تطويره أو تحريكه، بل إفساده وتعطيله وتدميره!

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى