أقلام وأراء

دماء في سيناء ..!

محمد صلاح

محمد صلاح ١٠-٥-٢٠٢٢م

لم يصدر عن أي مسؤول مصري تأكيد لانتهاء الإرهاب في سيناء وتصفية الإرهابيين في شبه الجزيرة، لكن واقع الأمور يشير الى انخفاض كبير في وتيرة العمليات الإرهابية خلال السنتين الماضيتين، لذلك كانت العملية التي استهدفت محطة رفع المياه السبت الماضي مؤشراً الى أن التوقف عن مطاردة بقية الإرهابيين والتكفيريين وعناصر “الإخوان” هناك مسألة تحتاج الى مزيد من الوقت وكثير من الجهد وربما من دماء شهداء الجيش والشرطة، حتى يتم الإعلان عن تنظيف سيناء من إرهاب “الإخوان” والتنظيمات الإرهابية الأخرى.
والحقيقة أن مصر ستظل تواجه الإرهاب طالما بقيت دول تدعمه وتنفق على منفذيه وتبرر جرائمه عبر منصات إعلامية ضخمة، وما دام ذلك التنظيم الإرهابي يملك القدرة على إفراز الإرهابيين، ولو انضووا تحت مسميات لجماعات أخرى. ومع ذلك يبدو الشعب المصري واثقاً بعودة الحياة إلى طبيعتها في سيناء، خصوصاً في ظل تعاون أهلها بشكل كبير مع قوات الجيش والشرطة لإنجاح المهمة الشاقة لتبقى معدلات الإرهاب في شبه الجزيرة طبيعية كغيرها من المناطق في مصر، أو حتى في دول أخرى بينها دول غربية.
كانت سيناء تحولت ملاذاً للإرهابيين بعدما ضربت عواصف الربيع العربي مصر، واستفحلت الظاهرة بوصول “الإخوان المسلمين” إلى سدة الحكم، ثم نزع السلطة عنهم بعد ثورة الشعب المصري على حكم الجماعة، إضافة بالطبع إلى انتقال أعداد من الإرهابيين من دول أخرى إلى هناك، إما فراراً بعد هزيمتهم في مناطق الصراع، أو لإعانة إخوانهم الإرهابيين ودعمهم من أجل مواجهة الجيش والشرطة والأهالي.
كان لزاماً على الحكم بعد مرحلة “الإخوان” وضع الأسس الضرورية الاجتماعية والاقتصادية لعملية الربط الكثيف بين سيناء والوادي، فبدلاً من نفق واحد لمرور السيارات بين ضفتي القناة، وهو نفق الشهيد أحمد حمدي الموجود في السويس، أصبح هناك ستة أنفاق، فضلاً عن جسر ضخم يعمل بالتوازي مع جسر السلام، إضافة إلى تدشين عبارات جديدة بين ضفتي القناة. كان الهدف بالطبع القضاء على أسباب انفصال شبه الجزيرة وابتعادها عن بقية الأراضي المصرية.
صحيح أن الأجهزة المصرية رصدت منذ أكثر من عقد كامل محاولات للتنظيمات الإرهابية لاتخاذ شبه الجزيرة مركزاً لها، إلا أن انضمام تنظيمات “إخوانية” كـ”حسم” و”لواء الثورة” إلى منظومة التنظيمات الإرهابية الأخرى لم يكن ليواجه بنجاح إلا بالدعم الشعبي الذي لاقته جهود الجيش والشرطة والذي أفضى إلى تأييد غير مسبوق بين أهالي سيناء لأسباب التعاطي مع العناصر الإرهابية.
والمؤكد أن مطاردة الإرهاب بهدف تنظيف سيناء من الإرهاب والقضاء على أماكن تجمع الإرهابيين تنزع عن “الإخوان” والجهات التي تدعمهم سلاحاً ظلوا يستخدمونه لمحاولة الثأر من الشعب المصري، والتأثير في الأحوال المعنوية للمصريين بإشاعة الطاقة السلبية والشماتة مع سقوط كل شهيد، واتهام الدولة بالتقصير أحياناً، وبالتسبب في الإرهاب في أحيان أخرى.
لكن بينما كانت محطة رفع المياة تتعرض للهجوم الإرهابي كانت وتيرة الجدل حول قضايا خلافية لها علاقة بشكل أو آخر بالدين، تتصاعد بين أقطاب كتلة واحدة من المجتمع يفترض أنها محسوبة على الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكل طرف يتهم الأطراف الأخرى بأنها الأقرب إلى تنظيم “داعش” وأن أفكارها “داعشية” وأن تصرفاتها تصب في مصلحة ذلك التنظيم الإرهابي، وبالتبعية نشط “الإخوان” لاستغلال الموقف وصب مزيد من الزيت على النار ليبقى المجتمع ملتهباً من دون أن يهدأ.
وقع الهجوم بينما وسائل الإعلام مشغولة بـ”خناقات”… حول “الموقف من البخاري” و”الاعتداء على سيدة غير محجبة في المترو” و”تصالح فتاة قبطية مع شخص اعتدى عليها بالضرب” و”دعوات الى خلع الحجاب” وأخرى لـ”قوننته” وكل طرف يزعم تبنيه موقفه بدعوى محاربة التطرف والإرهاب، ومواجهة “الإخوان” بينما التنظيم تركهم يتصارعون وزاد من صبه للزيت على النار، زاعماً أن السيسي أصبح يحارب الدين!
تخطت مصر مرحلة صعبة وخرجت من معركة الربيع العربي منهكة بفعل فوضى ضربت ربوعها لفترة غير قصيرة، وجريحة بفعل وصول “الإخوان” إلى الحكم ثم فشلهم في إدارة الدولة ومن ثم خلعهم وردود فعلهم على نزع الحكم منهم، مستنزفة بفعل الإرهاب وتحالف دول وقوى وجماعات خارجية مع “الإخوان” ومنظمات إرهابية تعمل على إفشال الدولة بأي شكل حتى تنفي عن “الإخوان” فشلهم وتثبيت نظرية تعرضهم لمؤامرة.
المعركة مع الإرهاب و”الإخوان” طويلة وستستمر لفترة، فالأمر لم يعد كلاسيكياً تقليدياً نمطياً كحال الإرهاب في عقود سابقة وجماعات وتنظيمات محدودة تكفّر الحاكم والمحيطين به، أو حتى المجتمع كله، وتتخذ من مدينة أو محافظة مركزاً لها، ويرتكب عناصرها عمليات إرهابية بغرض التأثير في الحكم أو دفع الناس إلى الثورة عليه، وينتهي الأمر بتصفية الجماعة أو التنظيم والقبض على عناصره، كما حدث في سبعينات القرن الماضي مع تنظيم صالح سرية (الفنية العسكرية) أو مجموعة شكري مصطفى (التكفير والهجرة) أو بتوبة قادة التنظيم بعد تراجعات أو مراجعات كما حدث من “الجماعة الإسلامية” و”تنظيم الجهاد”.
تخطى الإرهاب الواقع المحلي والحدود القطرية ولم يعد يهدد حياً أو مدينة أو الدولة وإنما تسرطن بعد استخدامه أداة ضمن لعبة المصالح لدى الدول الكبرى أو بدعم من أنظمة عقائدية مقتنعة به وتؤمن بأفكاره وتعمل على نشره لتدخل الجنة!! لكن ما يطمئن المصريين أن الإرهابيين يضربون ثم يفرون، يفجرون ثم يختبئون، يفخخون ثم يختفون، ولا يسيطرون على متر واحد من أرض الدولة إلا خفيةً، وأماكن وجودهم سرية حتى على زملائهم، وطبيعة المواجهة في سيناء وبقية المدن المصرية تسهل للإرهابيين تنفيذ العمليات الانتحارية ثم الاختفاء في الكهوف أو بين السكان.
أما انتهازية النخبة ومحاولات الظهور وتحقيق المكاسب على حساب تماسك المجتمع، فكلها أمور قد تبدو سلبية لكنها تعكس مجتمعاً ديناميكياً لا يهدأ، بسلبياته وإيجابياته، بجيشه وشرطته وغالبية مواطنيه المؤيدين للدولة والمستعدين للتضحية من أجل الوطن، وكذلك بإرهابييه المخربين ونخبته المهترئة والمغيبة التي تعادي “الإخوان” و”داعش” وباقي التنظيمات الإرهابية لكنها تدعمها بانتهازيتها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى