محمد رجا: الحرب الإيرانية الأميركية وفق مفاهيم المسيري
محمد رجا 8-3-2026: الحرب الإيرانية الأميركية وفق مفاهيم المسيري
في الحروب الكبرى والتحولات العظمى والثورات، يكون المفكرون بمثابة رادارات تستبق المآلات؛ إذ يمتلكون عقلاً نقدياً وقراءة تاريخية عميقة تتجاوز السطح واليوميات السياسية العابرة، لذلك يصبح فهم مسار الحروب أقرب إلى اختصاص المفكر الذي يدرك النماذج المعرفية، لا القنوات التلفزيونية ولا حتى كثير من مراكز الدراسات التي تنشغل بالتفاصيل التقنية وتهمل السياقات التاريخية والفلسفية والبنيوية.
وفي فوضى الحرب الدائرة، تعد أعمال المفكر العربي عبد الوهاب المسيري مرجعاً مهماً لفهم ما يجري أو لاستشراف مآلاته، بالنظر إلى أنه درس الصهيونية والمفاهيم الغربية دراسة فكرية وميدانية خلال سنوات دراسته في الولايات المتحدة التي قاربت عقداً من الزمن، وهو ما خلّف إرثاً فكرياً كبيراً في هذا المجال.
وقبل الخوض في أي قراءة أو استنتاج، من المهم توضيح الفرضية المركزية التي ينطلق منها المسيري، ومفادها أن إسرائيل كيان وظيفي استعماري أنشأه الغرب كقاعدة عسكرية متقدمة، استُخدمت فيها الجماعات اليهودية بوصفها مادة بشرية لحماية المصالح الغربية في قلب العالم العربي.
وانطلاقاً من هذه الفرضية، أو من فرضيات أخرى صاغها عبد الوهاب المسيري، يسعى هذا المقال إلى توظيف بعض أدواته المنهجية في قراءة الواقع الراهن، وهي قراءة لا تدعي الإحاطة الكاملة بالأحداث ولا تنشغل بإثبات دلالاتها في ظل تسارع التطورات، بقدر ما تسعى إلى تقديم مقاربة فكرية بنيوية والدعوة إلى فهم ما يجري عبر أدوات تحليلية رصينة، خاصة أن أطراف الصراع لا تخلو سياساتها من أبعاد فلسفية وأيديولوجية تؤثر في كثير من خياراتها، بعيداً عن التحليلات السريعة والشعبوية التي تملأ الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي.
مقدمة في فكر الميسري
- بحسب تعريف المسيري لإسرائيل، يلاحظ انها تحولت من ذخر استراتيجي يحمي المصالح الغربية إلى عبء استراتيجي يحتاج إلى الحماية، لذلك فإن اضطرار الولايات المتحدة لتحريك أساطيلها والتدخل المباشر، يمثل انذار ومخاوف من فشل وظيفة الكيان، وبرهاناً على أن المادة البشرية المستوطنة لم تعد قادرة على الحسم بمفردها، ما يجعل الحرب الحالية أزمة وجودية للأداة الوظيفية قبل أي تفسيرات أخرى.
- كما تمثل هذه الحرب في مجملها دليل ولحظة انكشاف إضافية، يتضح فيها أن الفاعل الحقيقي ليس إسرائيل بحد ذاتها، بل ما يسميه عبد الوهاب المسيري المركز الإمبريالي، وعلى رأسها المجمع الصناعي العسكري والنخب الغربية التي تدير منظومة العلمانية الشاملة، وليس كما تصوّر السردية التقليدية التي تفترض أن الفعل الإسرائيلي يحكم الفعل الغربي، والتي أخذت تتنافى بتبني ترامب محاولات التطبيع بصفقة القرن، وتتهاوى أكثر بانطلاق طوفان الأقصى، واستمراراً بإعلان ترامب مجلس السلام في غزة أو بدخولها هذه الحرب، التي برر اهميتها عضو مجلس الشيوخ تشاك شومر قبيل الحرب بالقول:” الوضع خطير، لقد خرجنا للتو من الإحاطة. ما سمعناه هناك خطير للغاية. الرئيس ترامب يعتقد أن ما يفعله يخدم مصالح أمريكا”.
- ووفق أدبيات عبد الوهاب المسيري، فإن من نتائج الحروب الاستنزافية الممتدة ما يمكن تسميته بسقوط الهيبة الوظيفية، فعندما يعجز الكيان عن تحقيق انتصار سريع وحاسم، يبدأ المستأجر الغربي بالتدخل العاجل ومحاولة إعادة حساب الكلفة والعائد، وهذا في محطة ما، هو ما حاولت حماس تحقيقه من خلال طوفان الأقصى بالدفع بان تتجاوز كلفة حماية إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً وحتى أخلاقياً العائد المتوقع منها للعالم الغربي، من اجل تحقيق الفشل الوظيفي للكيان الإسرائيلي الذي يقصده الميسريوبموجبه يبدأ الغرب بالبحث عن بدائل إقليمية أو ترتيبات أمنية مختلفة.
- أما في هذه المقاربة، فتُفهم إيران بوصفها قوة إقليمية صاعدة تسعى إلى بناء مشروعها الخاص في المنطقة. فهي تمثل ندّاً يحاول مزاحمة الغرب على النفوذ الإقليمي، وهو ما يجعلها تُعدّ مصدر تهديد في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل.
- وبهذا المعنى، فإن وجود قوة قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي يضعف وظيفة إسرائيل بوصفها الشرطي الوحيد في المنطقة، فإذا تمكنت إيران من فرض قدر من توازن الرعب، فإن القيمة الوظيفية لإسرائيل لدى الغرب تتآكل تدريجياً؛ إذ إن الشرطي الذي يعجز عن حماية نفسه يصعب أن يُعهد إليه بحماية مصالح الآخرين.
- الا ان هذا لا يعني أن إيران خارج النظام العالمي تماماً، فرغم عدائها للغرب، تضطر أحياناً للتعامل مع قواعد اللعبة الدولية المادية. ومع ذلك، تظل إيران في ضوء هذا الفهم عقبة أمام المشروع الصهيوني، لأنها تطرح خياراً من مركزية بديلة يقايض المركزية الغربية في المنطقة ويحد من قبضتها الكاملة على النفوذ الإقليمي.
- من هذا المنظور، لا يُفسَّر دعم إيران للقضية الفلسطينية باعتبارات دينية أو إنسانية بقدر ما يُفهم في إطار حسابات الصراع على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم لضمان الأمن القومي الإيراني، ولا يمكن إغفال أن التسارع والتصعيد الحاليين نتجا عن مشروع “طوفان الأقصى” الذي أطلقته حماس، والذي يكاد بوجه ما يكون حاملاً رسالة مفادها أن الفاعل الأساسي في المنطقة هم العرب، وبخاصة الداخل الفلسطيني، الذي إن لم يمتلك القدرة على الحسم في المعركة، يكون قادرا على تصديرها إقليمياً أو إحداث إرباك إقليمي بالغ على الأقل، وهو ما تنبأ به يحيى السنوار.
نقاط قوة وضعف الاطراف
وفي محاولة قراءة نقاط قوة وضعف أطراف الحرب، يتضح وجود تباين وحساسية في كل منها، وهو ما يفسر التصاعد السريع للحرب بين هذه الأطراف، إذ تمس هذه النقاط أعماق وجودها الاستراتيجية ومنها:
- أمريكا: تكمن قوتها في التفوق التقني والمادي الكاسح وسيطرتها على الموارد الإمبراطورية، لكنها سوف تعاني من تكلفة اقتصادية واستراتيجية باهظة بسبب الاهتزاز العالمي وارتفاع أسعار الطاقة ان استمرت الحرب أكثر من الحدود المعقولة، مما يهدد استقرار مركزها النفعي.
- إيران: تكمن قوتها في كتلتها البشرية الصلبة وسيطرتها على الداخل الإيراني، وفي فهمها الاستراتيجي لتأثير ضرب الموارد البشرية في العمق الإسرائيلي وفتح جبهات في مناطق حلفائها. وأحد آخر عوامل قوتها هو اللجوء إلى سياسة “الابتزاز الاستراتيجي للمركز الغربي “عبر استهداف مصادر الطاقة في الخليج، لمحاولةً جر الولايات المتحدة إلى معادلة، إما التراجع عن دعم إسرائيل وتهدئة الحرب، أو التضحية بمصالحها الكبرى في الطاقة، ومع ذلك، فإن قدرة إيران لا تتحمل طويلاً الأثمان المادية على بنيتها التحتية واقتصادها، فضلاً عن الأثمان السياسية في علاقاتها مع دول الخليج العربي.
- إسرائيل: تكمن قوتها في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والقدرات الاستخباراتية، لكنها تعاني من نقطة ضعف جوهرية في الدولة الوظيفية؛ فهي لا تتحمل الخسائر البشرية الطويلة لأنها تؤدي اهتزاز الرفاهية والأمان مما يدفع المستوطنين للهجرة العكسية، وهذا ما يحوّل الحرب إلى معركة بقاء يتأثر فيها مستقبل الكيان بمجرد شعوره بأن كلفة وجوده أكبر من قدرة الغرب على حمايته.
اعتبارات مآلات الحرب
يقابل هذا التفاوت في عوامل القوة والضعف مجموعة من الاعتبارات والمحددات التي تساعد في قراءة مآلات الحرب:
- عقلانية المادة: النخب الغربية، بصفتها المستفيد الأول، تتصرف وفق حسابات مادية وبراغماتية، فهي ترى أن استمرار الحرب طويلاً أو اندلاع حرب عالمية يؤدي إلى تدمير السوق العالمي وخطوط الإمداد وانهيار الرفاهية الغربية، وهو ثمن لا ترغب هذه النخب في دفعه من أجل أداة وظيفية مثل إسرائيل.
- استمرارية الأقطاب الصامتة: القوى الكبرى مثل روسيا والصين تستفيد من استنزاف أمريكا في الشرق الأوسط، لكنها لن تدخل حرباً عالمية لقضايا إقليمية، مكتفية بالمناورة والدعم غير المباشر، فيما يحرص الغرب على عدم استمرار الحرب طويلاً لحماية مصالحه، وخاصة الأمريكية، وتجنب رفع كلفتها واستنزاف مركزها الاستراتيجي. استمرار الصراع يترك المجال للأقطاب الصامتة لتعزيز نفوذها النسبي، ما يشكل خطراً أكبر على المصالح الغربية مقارنة بالمخاطر الإقليمية المباشرة مثل إيران.
- عواقب الانهيار والفراغ الاستراتيجي: تخشى النخب الغربية الانهيار الفوضوي أكثر من بقاء النظام، إذ يمكن أن يؤدي انهيار إيران إلى ثقوب سوداء من ميليشيات، فوضى، تدفق لاجئين وانقطاع النفط، مما يضرب استقرار السوق العالمي لذلك يركز الغرب على تغيير سلوك النظام أو إضعافه دون إسقاطه كلياً.
- وظيفة الحروب الإقليمية: يفضّل الغرب الحروب المحدودة والمضبوطة، إذ تتيح بيع السلاح، واستنزاف الخصوم مثل إيران، والحفاظ على أنماط التبعية، من دون الانزلاق إلى صراع نووي أو عالمي. وبناءً على ذلك، غالباً ما تنتهي الحروب الوظيفية بتسويات مؤقتة تعيد رسم حدود النفوذ. وعليه، فإن النهاية المرجّحة لهذه الحرب قد تتمثل في ترتيبات إقليمية دقيقة تُقايض فيها الولايات المتحدة أمن إسرائيل بتحجيم نفوذ إيران، بوصفه شرطاً مناسباً لاستمرار الهيمنة الغربية وتسوية قابلة للاستمرار. غير أن ذلك لا يعني نهاية القصة، بل قد يكون مدعاة لقلق أكبر من ضجيج الحرب نفسه.



