#أقلام وأراءشؤون فلسطينية

محمد خروب: هل قرّرت حماس تجاوز منظمة التحرير وإقامة جبهة بديلة؟

محمد خروب ٢١-٦-٢٠٢٢م

(١) 

أثارت الكلمة «الخطيرة/والمَلغومة» التي ألقاها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس/إسماعيل هنية, في المؤتمر الذي نظّمته جامعة الأمة في مدينة غزة, تحت عنوان”السيادة الفلسطينية, المُتغيّرات الإستراتيجية والمسارات المُستقبلية». أثارت كَمّاً من الأسئلة والمخاوف حول ما ذهب إليه هنية وما تروم حماس تحقيقه. خاصة إزاء مضامين وتوقيت وتبرير ما قاله, و”تأكيده» إستعداد حركته لتحقيق الوحدة وتجاوز حال الإنقسام الداخلي, وتلويحه «أنه وحركته مُستعدون للمُضي قُدماً في سبيل تحقيقه, حتى «لو تطلّب ذلك بناء جبهة وطنية فلسطينية».. «تحم? الثوابت وترعى المقاومة وتُشكّل مرجعية على طريق إعادة بناء منظمة التحرير».. «إذا ما..(والقول لـ”هنية”) تعثّرت الوحدة العامة».

ليس ثمَّة غموض في ما ذهب إليه الشيخ/هنية، ما يعيد إلى الأذهان الخطاب المُترافق مع ضجيج وفرض شروط/واشتراطات قبل عام من الآن, وتحديداً منذ انتهاء معركة «سيف القدس» التي منحت أَشرِعة حماس رياحاً جديدة، ذهب مسؤولوها بعيداً في استهداف سلطة رام الله حدود «نعيها» وشطبها من المعادلة. محمولاً ذلك كله على تخوين السلطة وتآمرها مع الاحتلال ضد المقاومة و”التفرّج» على العربدة الصهيونية في القدس, وتدنيس الحرم القدسي من قِبل جنود العدو وقطعان المستوطنين, السّاعين إلى هدم مسجد قبة الصخرة وإقامة الهيكل الثالث المزعوم. في ال?قت ذاته الذي اعتبرت فيه حماس/وحركة الجهاد الإسلامي أنّ نتائج معركة سيف القدس, شكّلت نقلة نوعية وتحولاً استراتيجياً في إدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وهو ما كرّره هنية في كلمته أمام مؤتمر «جامعة الأمة» في القطاع المحاصَر والمُجوّع.

وإذ يصعب بل يستحيل صرف النظر عن «تراث الانقسام» الفلسطيني, الذي كرّسه الصراع الطويل/والمحموم بين حركتي فتح وحماس, ورغبة الأخيرة في الحصول على «حصتها» من منظمة التحرير، خاصة بعد تمكن حماس من إحكام قبضتها على قطاع غزة في مثل هذه الأيام من العام 2007، الأمر الذي رأت فيه حركة فتح القابضة هي الأخرى على منظمة التحرير الفلسطينية. ما يعني أنّ الصراع بين الحركتين مُمتد ومفتوح ومُحتدم، يتصاعد دائما ويخفت مرات، لكن سياسة المحاور الإقليمية/والعربية المتناحرة, التي تُواظِب الحركتان الإنخراط فيها, تجعل من المصعب حدود ال?ستحالة, احتمال حدوث مصالحة أو تجميد الانقسام والالتقاء على توافق الحد الأدنى. خاصة في ظل الظروف الإقليمية المتسارعة/والرامية شطب القضية الفلسطينية وفرض شروط الاستسلام على الشعب الفلسطيني, بعدما أصبحت إسرائيل عنصراً مُقرراً في أمور المنطقة.

ذلك كله لا تلحظه/أو تتجاهله الحركتان بل تمعنان الانخراط فيه بحماسة, ولم يَعد مصدر إحراج لواحدة منها، خاصة بعد أن تمّ إلحاق منظمة التحرير بالسلطة, رغم أنّ المنظمة (التي اعترفت بها إسرائيل مُقابل اعتراف المنظمة بدولة العدو غير المُعَرَّفة حدودها في صكّ اوسلو), هي مرجعية السلطة وليس العكس، لكن مخطط تهميش المنظمة/وتهشيمها مستمر ومتواصل, وهي ذات أبعاد خطيرة وتداعيات سلبية يحلو للحركتين صرف النظر عنهما, في غمرة صراعهما «الثنائي» المفتوح على كعكة السلطة/المنظمة المسمومة. رغم التآمر المعلن وغير الخفي على القضية ال?لسطينية, وتواصل عمليات الإعدام الميداني والاستيطان ومصادرة الأراضي والضمّ الزاحف للضفة الغربية, وخصوصاً تهويد القدس ومحاولات تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً.

الحملات الإعلامية الشرسة التي تتبادلها الحركتان, والمحمولتان على تخوين وعمالة وتبعية للمحاور الإقليمية، غير مفاجئة بعدما وصلت ذروتها إثر تأجيل/إلغاء السلطة للانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 21 أيار 2021، إذ اعتبرته حماس اغتصاباً للسلطة وانفراداً بالقرار وجريمة دستورية, فيما تذرّعت السلطة برفض إسرائيل شمول القدس في الانتخابات, وإن أكد كثيرون رأوا أنّ أسباب التأجيل تكمن في شعور حركة فتح/السلطة بأنّ قائمتها لن تصيب نجاحاً، بعد الانقسامات التي عصفت بفتح وبروز ثلاث قوائم فتحاوية: أولها قائمة البرغوثي/القد?ة، والثانية للمطرود من فتح/محمد دحلان، والثالثة قائمة «العاصفة» وهي قائمة السلطة/فتح..

وجدت «حماس» فرصة أخرى متجددة بعد معركة سيف القدس, سارعت باندفاع لاستثمارها, وراحت تصعّد خطابها وتسعى لفرض شروطها, لكن ما تضمّنته/واستبطنته كلمة هنية أول أمس أثارت المخاوف والهواجس, إزاء ما تنوي حماس اتّخاذه من خطوات لتجاوز «منظمة التحرير» تحت ذرائع وتبريرات غير مُقنعة, أقلها الزعم بأنّ «جبهة بديلة» للمنظمة ستقوم بحماية الثوابت ورعاية المقاومة وتشكّل مرجعية على طريق إعادة بناء منظمة التحرير. في وقت يدرك قادة حماس أنّ خطوة خطيرة/وانقسامية كهذه, ستُعمق الانقسام وتُضعف وحدة الشعب الفلسطيني, وتُسهم من بين أمور ?خرى في منح أشرعة الاحتلال الاصهيوني رياحاً جديدة, تُضاف إلى سلسلة «الإنجازات الاستراتيجية» والاختراقات, التي أحدثها على الصعيدين.. العربي والإقليمي.

(٢)

بعد تلويحه اللجوء الى تشكيل «إطار» بديل يوازي/ويتجاوز منظمة التحرير, إذا تعثّرت مساعي «الوحدة الفلسطينية» بعد استبعاده إصلاح المنظمة, كممر إجباري لإنهاء الإنقسام الذي واظبت حركة حماس ربط إنهائه بهذا الشرط, إضافة الى اشتراطات أخرى بالطبع, ركّز رئيس المكتب السياسي لحركة حماس/إسماعيل هنية, أمام مؤتمر «السيادة الفلسطينية, المتغيرات الإستراتيجية والمسارات المستقبلية”, الذي عقدته جامعة الأمة في غزة على «أربعة مُتغيرات”, دعا فيه الاستراتيجيين وصنّاع القرار دون أن يُسمّيهم.

المتغيرات الأربعة التي طرحها هنية اتّسمت بالعمومية, أكثر مما شكّلت فرصة لإعادة قراءة الأسباب التي أدّت إلى المأزق الفلسطيني الراهن، خصوصاً تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية عربياً/وإقليمياً/ودولياً، رغم جرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني, وتَواصلِ مُخططات الضمّ الزاحف لما تبقى من أراض فلسطينية, مع موجة عاتية من الاستيطان/والتهويد وإصرار اركان الائتلاف الفاشي في إسرائيل, الذي إنهار مؤخراً, وبدء التحضير لانتخابات خامسة, قد تسهم في تغيير «الوجوه» مُتصدرة المشهد الإسرائيلي السياسي/والحزبي. لكن جوهر المشروع الصهيوني/العنصري الإحلالي سيتواصل, بل ستزداد وتيرة الهجمة الاستيطانية/التهويدية ضراوة, مع ارتفاع منسوب التوقعات بعودة نتنياهو/الليكود والأحزاب الحريدية/والصهيونية الدينية, مترافقاً مع غياب الشخصيات ورموز حزبية، سواء باعتزال السياسة (كما لوّح نفتالي بينيت) أم خصوصاً بعدم اجتياز نسبة الحسم 3.25% اللازمة للبقاء في المشهد البرلماني, وإلّا الخروج لصحراء العزلة السياسية.

في دعوته الاستراتيجيين/وصناع القرار لفت هنية, أنظار هؤلاء إلى المتغير «الأول» على الصعيد الفلسطيني, الذي تمثّل في نتائج معركة/سيف القدس, معتبراً إياها نقلة نوعية وتحوّلاً استراتيجياً في إدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وهو إن بدا بالفعل مُبالِغاً في تقييمه لتلك النتائج خاصة في إطار توحيد الأرض والشعب، إلّا أنّه بإصراره على عدم استخلاص دروس هذه المعركة, التي وإن كانت أسهمت في وحدة جبهات المواجهة الفلسطينية مع المحتل الصهيوني على مساحة فلسطين التاريخية, خصوصاً هبة فلسطينيي الداخل/48 التي أذهلت منظومة السلطة الصهيونية السياسية/والحزبية/والعسكرية والاستخبارية، ما أعاد الأمور إلى السنوات التي سبقت قيام الكيان وفرض الحكم العسكري على فلسطينيي الداخل حتى عام/1966.

فضلاً عن إشارة هنية أنّ القضية الفلسطينية استعادت مكانتها الاعتبارية على صعيد الأمة والاهتمام العالمي, وهو أمر بات في حاجة إلى قراءة مُعمقة, بعيداً عن العواصف والخطابات التعبوية, في ظل موجة التطبيع العربي، وتنصّل الإدارة الأميركية مع الوعود «الكلامية» التي بذلتها, تجاه ما يوصَف «حلّ الدولتين» واقتصارها على تقديم المساعدات المالية وتحسين شروط معيشة الفلسطينيين. ثم يخرج السيد هنية سريعاً من المتغير الأول الذي استنتج فيه أنّ القدس والمسجد الأقصى عادا من جديد يُشكلان محور الصراع مع العدو، متحدثاً عن الانكفاء الأميركي (كمُتغير ثانٍ) على المنطقة، معتبراً أنّ الانسحاب الأميركي من أفغانستان أبرز إشارات هذا الانكفاء, ولافتاً إلى أنّ القوة الأميركية المهيمنة على العالم, «لا شك» كما قال مستطرداً «لم تعد بهذه القدرة على بسط نفوذها العسكري/والأمني/والسياسي على مناطق مختلفة من العالم بما فيها منطقتنا العربية والإسلامية. وهي قراءة وإن كانت تلحظ انكفاءً أميركياً «نِسبياً»، إلّا أنّ القول إنّ واشنطن غير قادرة على بسط نفوذها العسكري/والسياسي على المنطقة العربية والإسلامية فيه تسرّع, ومحاولة لتجاوز حقيقة ما يحدث وما قيد الحدوث في المنطقة العربية, وانخراطها المحمول على حماسة في مشروعات صهيوأميركية ستكون صادمة وأكثر خطورة, حال انكشاف تفاصيلها والأطراف اللامتورطة فيها.

ثم لا يلبث هنية الوقوع في حال التناقض عند إشارته إلى المتغير «الرابع”, عندما يقول:”إنّ منطقتنا العربية والإسلامية تموج بالتناقضات, ما بين التطبيع ومحاولات الاختراق الإسرائيلي وبشكل بدا ان الموضوع –كما وصفه- تخطى قضية التطبيع إلى إدماج الكيان في المنطقة وإعادة تشكيلها, (رغم أنّه قال عكس ذلك في المتغير «الثاني”, الذي رأى فيه عجزاً وانعدام قدرة أميركية على بسط نفوذها السياسي/والعسكري/والأمني على المنطقة العربية والإسلامية. مُتجاهلاً مَن الذي يقود عملية إدماج إسرائيل في المنطقة وإعادة تشكيلها؟.

ماذا عن المتغير الثالث؟

ربما تكون إشارة هنية إلى الحرب الأوكرانية, واعتباره أنّ الحرب هذه هي بين روسيا وبين الغرب بقيادة الولايات المتحدة، هي القراءة «المُوفقة» الوحيدة للمتغيرات الأربعة التي عدّدها، خاصة قوله إنّنا سنكون أمام عالم متعدد الأقطاب, وستنتهي حقبة القطب الواحد لأن عالم بعد هذه الحرب لن يكون ذاته قبلها.

ماذا سيكون حال القضية الفلسطينية إذا ما وعندما، تمضي حماس قدماً في إقامة «جبهة وطنية» على أنقاض أو توازياً مع منظمة التحرير الفلسطينية؟.هذا سؤال مطلوب الإجابة عليه قبل الغرق في التنظير والتسرّع في الإستنتاجات.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى