أقلام وأراء

محمد حسين أبو الحسن: بعد هجوم بايدن السعودية والطريق إلى القوة الكبرى

محمد حسين أبو الحسن: بعد هجوم بايدن السعودية والطريق إلى القوة الكبرى 27-10-2022

يقترب الأمير محمد بن سلمان من متوسط أعمار السعوديين… حاكم يقارب أعمار المحكومين في بلاده، مفعم بالنشاط والعزم والتحدي. تحت قيادته، وبرضا والده الملك سلمان، تبدو السعودية اليوم أكثر استعداداً للمضي بأجندتها الخاصة، وصولاً إلى أهدافها الاستراتيجية، حتى لو جازفت بإغضاب شركائها. تحوز كل الوسائل لدفع الآثار الجانبية لأي خطوة، من دون تقديم تنازلات حقيقية للمتضررين. تُصنف المملكة على أنها قوة “متوسطة” جيوسياسياً، “عظمى” طاقوياً، وهي تسعى لتكون “قوة عالمية” من العيار الثقيل، خصوصاً أنها تملك كل المقومات، لكن المياه التي تُبحر فيها خطرة مزدحمة بالقروش والحيتان القاتلة، فماذا ستفعل الرياض؟
أدوار متعددة
تتمتع السعودية بأهمية ليست نابعة مما تفعل بالدرجة الأولى، وإنما مما تكون؛ تؤدي أدواراً متعددة، ليس أقلها أنها منتج ومصدر النفط الأهم في العالم، بطاقة تلامس 13 مليون برميل يومياً، وهي أحد الاقتصادات العشرين الأكبر، ما يجعلها عملاقاً اقتصادياً وسياسياً مهماً للعالم وأمنه واستقراره، وهي حليفة الغرب الأساسية في الخليج والشرق الأوسط، كما أن المملكة هي المؤتمنة على أكثر الأماكن قدسيةً في الإسلام، ما يمنحها قوة ناعمة ونفوذاً هائلاً، إنها قوة عظمى عبر هذا البعد “الجيوديني”.
تشعر القيادة السعودية بالحاجة لاكتساب وضعية تليق بإمكاناتها وقدراتها، من خلال تبيان قوة المملكة وثقلها الإقليمي والدولي؛ لذلك تحرص على إظهار الاستقلالية وحرية القرار والخيار. تتخلى سياساتها عن حذرها المعهود وتنحو صوب البراغماتية. يسعى حكام الرياض وراء هدفين: الأمن الداخلي والأمن الخارجي، بتوسيع هوامش المناورة وتنويع علاقاتها بتوازن مع كل القوى الكبرى، وتطوير الاقتصاد وزيادة قدرتها العسكرية والتكنولوجية، اعتماداً على الذات، في ظل تحديات جمة وتهديدات محدقة في محيطيها الإقليمي والعالمي، ولعل أوضح مثال على ذلك قيام الرئيس الأميركي جو بايدن وأركان إدارته بمهاجمة السعودية بحدة زائدة وغير مألوفة، مؤخراً، على خلفية قرار “أوبك +” تخفيض إنتاج النفط، برغم الشراكة الاستراتيجية الوطيدة بين الدولتين.
يمكن القول إن العلاقات بين الرياض وواشنطن لطالما تأثرت سلباً في عصور الديموقراطيين، لا سيما في عهد بايدن، الذي وعد خلال حملته الانتخابية بـ”إعادة تقييم العلاقة مع السعودية” و”تهميش دور ولي العهد وزيادة الضغط على العائلة المالكة لإيجاد بديل أكثر رصانة” و”جعل السعوديين يدفعون الثمن ودولتهم منبوذة”، ما طرح تساؤلات عميقة عما يمكن أن تتطور إليه تلك العلاقات مستقبلاً، وإلى أي مدى يذهب بايدن في “مراجعة” العلاقات مع الرياض؟ مهما يكن الجواب، فإن أي قرار سلبي هو نوع من إطلاق أميركا الرصاص على قدميها، فهي تحتاج إلى السعودية أكثر من حاجة الأخيرة إليها، لكن من دون احترام متبادل تنتهي العلاقة إلى الفشل، ولا معنى للتحالف الاستراتيجي إذا كان يخدم مصالح طرف على حساب الآخر.
فاجأت السعودية العالم؛ مارست حقها السيادي كدولة مستقلة في صنع قرارها على مقاس مصالحها، وردت على الأميركيين بكل قوة على كل المستويات وكسبت الرأي العام العالمي؛ وضعت واشنطن نفسها موضع سخرية الكوكب، وبدت عاجزة عن تغيير القرار الصادم، في ظل أزمة الطاقة العالمية على مشارف “شتاء خطر”. وبينما يقفز البيت الأبيض في دوائر مثل راعي بقر ضعيف البصر، يطلق النار من دون تحديد الأهداف، وقد أفصحت الأزمة السعودية – الأميركية الأخيرة عن جانب غير منظور… أي التحول الحقيقي في “الثقل الاستراتيجي” للرياض؛ بوصفها أحد أهم اللاعبين على رقعة الشطرنج الدولية.
حليف صعب!
تصب الظروف في مصلحة السعودية. يوماً ما قال تشرشل: “في كل محنة منحة”، ويبدو أن هذا أوان المنحة بالنسبة إلى المملكة، وهي تعمل على اغتنامها. البراهين تلوح في الآفاق… في كتابه “رؤية أم ميراج: العربية السعودية على مفترق طرق” يقول المؤلف ديفيد رندل: “السعودية حليف صعب، لكنه مهم جداً لكي تضعه جانباً”. وإذا كان لأميركا أن تضمن الفوز في سباقها المحتدم مع الصين وروسيا فإنها بحاجة لعدد من الحلفاء على رأسهم الحليف السعودي، لذلك تعمل الصين وروسيا على جذب الرياض إلى معسكرها. تعي القيادة السعودية ذلك؛ “لا تضع البيض في سلة واحدة” وتمد يدها للجميع، وفقاً للاعتبارات السياسية والحسابات الجيوسياسية، لضمان تنمية القوى الذاتية للمملكة ومتانتها مع التحول من الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، إلى اقتصاد متنوع يقوم على “المعرفة” والتصنيع والتكنولوجيا.
في هذا السياق يمكن فهم إعلان الأمير محمد بن سلمان رغبته في انضمام السعودية إلى مجموعة دول “بريكس”؛ رحبت بكين وموسكو ونيودلهي بالأمر، واعتبرت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية أن اهتمام الرياض بالانضمام إلى “بريكس” يؤكد الاستقلال المتزايد لدبلوماسيتها تجاه واشنطن، في حين تصاعدت أسئلة الدهشة في عواصم الغرب، وسط أجواء الأزمة بين الرياض وواشنطن. كدولة ذات سيادة تبحث السعودية عن مصالحها، ولها الحق، وسط صراعات دولية عنيفة، كالكباش بين روسيا والغرب في أوكرانيا وعلاقته بأسعار النفط والغاز، معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل، ومن ثمّ فإن انضمام الرياض إلى “بريكس” وفي ظل وجود روسيا يجعل “بريكس” أكبر مصدر للنفط في العالم بلا منافس، ومن دونها لا أمن للطاقة في العالم، ولا يمكِّن لأميركا التلاعب بورقة النفط السعودي لمصلحتها الخاصة، كما أن الصين أكبر شريك تجاري للرياض، وهي والهند من أكبر مستوردي نفطها.
قوة صناعية
تبذل السعودية جهوداً حثيثة من أجل امتلاك أسباب القوة، وأهمها على الإطلاق اقتصاد متطور متنوع، خصوصاً أن الاقتصاد السعودي دخل مرحلة نمو سريع، وسيحقق هذا العام أحد أعلى معدلات النمو في العالم (7.6 في المئة)، والمحافظة على قوة الدفع هذه تستلزم الانغماس في سلاسل الإمدادات العالمية، الصناعية واللوجستية، ضمن الاستراتيجية الوطنية للصناعة السعودية التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان هذا الشهر، لتحويل بلاده إلى “قوة صناعية” عام 2035.
تهدف الاستراتيجية لمضاعفة قيمة الصادرات الصناعية إلى 148 مليار دولار، بحيث تتضمن إنتاج السيارات والطائرات والأدوية والتقنيات الرقمية والأسلحة… ذكرت وكالة الأنباء السعودية، أن من أهداف الاستراتيجية الوصول بإجمالي الاستثمارات في القطاع الصناعي إلى 346.21 مليار دولار، مشيرة إلى إنشاء مصانع لإنتاج السيارات الكهربائية والطائرات العمودية، والأدوية واللقاحات، والأغذية، والكيماويات والمعادن، وتقنيات الإنترنت والأجهزة الدقيقة، بحلول 2030. وأوضح الأمير محمد بن سلمان أن السعودية تملك كل الإمكانات للوصول إلى اقتصاد صناعي تنافسي ومستدام: مواهب شابة طموحة، موقع جغرافي متميز، موارد طبيعية غنية، شركات صناعية وطنية رائدة. وكان لافتاً للأنظار تصريح وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان: “أضعنا 40 سنة كان باستطاعتنا أن نكون خلالها مثل الهند والصين في مجال الصناعة. لكننا قررنا ألا نضيع وقتاً آخرَ بهذه الاستراتيجية الوطنية للصناعة”.
يقود الأمير محمد بن سلمان مخططاً تنفيذياً لإصلاح الأطر القانونية لتشجيع الاستثمارات الأجنبية والتحول إلى الاقتصاد الرقمي والقفز بعدد المصانع إلى 36 عام 2035، لذلك بدأت شركات عالمية عملاقة في اتخاذ الرياض ونيوم مقراً إقليمياً لها. إن تطوير الصناعة هو محور الارتكاز ونقطة الاختراق، بحيث لو نجحت السعودية في إنجازها، فإنها ستتحول من قوة نفطية ومالية إلى قوة صناعية وتكنولوجية ولوجستية، صعوداً إلى أن تكون قوة إقليمية مهيمنة وقطباً عالمياً مؤثراً، لا أحد يجرؤ على محاولة تقليم أظفارها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى