أقلام وأراء

محمد حسين أبو الحسن – ‘الدواء المرّ’ .. أوكرانيا تدفع مصر إلى أحضان ‘الصندوق’!

محمد حسين أبو الحسن ٣-٤-٢٠٢٢م

صدقت توقعات مؤسسات مالية دولية وخبراء اقتصاد، وقامت مصر بتخفيض قيمة عملتها (الجنيه) أمام الدولار الأميركي بنسبة 15 في المئة، في ظل ضغوط الحرب في أوكرانيا، وانخفاض أعداد السياح، والارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة.

خرج إلى العلن ما كان مخفياً، أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن القاهرة تجري مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن تمويل محتمل للوقاية من آثار الأزمة الأوكرانية، ونقلت وكالة “بلومبيرغ” عن مديرة الصندوق كريستينا جورجيفا، قولها: “أخشى على مصر من تأثيرات الأوضاع في أوكرانيا، ونتباحث معها للحد من الضرر”. في إشارة الى إطلاق برنامج جديد مع الصندوق، وهو ما يعتبره خبراء لجوءاً إلى “الدواء المرّ”، في ظل عجز الميزان التجاري وارتفاع أعباء الديون، بالتزامن مع قيام “الفدرالي الأميركي” برفع سعر الفائدة ما جعل تخفيض الجنيه حتمياً… يطرح ذلك أسئلة حول معاناة المواطن مع دورات ما يسمى “الإصلاح الاقتصادي”، في سبيل الخروج من “عنق الزجاجة” طوال أربعين عاماً. 

أزمات متلاحقة  

خلال العقد الماضي تعرضت مصر لأزمات متلاحقة، منذ ثورتي 25 كانون الثاني (يناير) و30 حزيران (يونيو)، والموجات الإرهابية التي ترافقت معهما، وفي نهاية عام 2016؛ قررت مصر  وهي إحدى الأسواق الناشئة، تعويم الجنيه تلبية لمطالب صندوق النقد، من أجل الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار؛ فانخفضت قيمة الجنيه، من نحو تسعة جنيهات للدولار إلى نحو 16 جنيهاً للدولار، حينها، أوضح مسؤول بعثة الصندوق في القاهرة كريس غارفيس أن هذا التعويم يساهم في تحقيق معدلات نمو أعلى، وخلق وظائف أكثر، ويحسن موقف البلاد المالي مع الخارج.

بالفعل حقق الاقتصاد معدلات نمو مرتفعة نسبيّاً من عام 2016 وحتى عام 2019، فلم تسجل أقل من 4 في المئة في أي عام؛ باستثناء عام 2020، الذي شهد بداية جائحة كورونا، كانت مصر إحدى الدول القليلة التي حققت معدلات نمو إيجابية ذاك العام، وما زال بإمكانها تحقيق معدلات نمو قوية في الفترة القادمة.  

غير أن الرياح تأتي أحياناً بما لا تشتهي السفن، فبالنظر الى أنها صاحبة أعلى معدلات للفائدة الحقيقية على أدوات الدين من أذون وسندات وغيرها في العالم، كانت مصر المكان المفضل لكبار المستثمرين الأجانب الذين ضخوا مليارات الدولارات في سوق دينها المحلي، في أثناء الجائحة، وهي (أموال ساخنة) لا تستقر بحثاً عن الربح الأسرع والأعلى، كما أبرمت اتفاقية تمويل مع الصندوق بقيمة  5.2 مليارات دولار، الصيف الماضي، للتعامل مع تداعيات الجائحة وتراجع الموارد، لا سيما من قطاع السياحة، ثم جاءت الحرب الروسية-الأوكرانية لتصب الزيت على نيران معاناة الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر.

رفعت الأزمة أسعار القمح والحبوب والنفط والمعادن، أعباء ثقيلة؛ فمصر أكبر مستوردي القمح عالمياً، وزادت الحرب الأوكرانية تعرضها لهجرة الاستثمارات غير المقيمة (الأموال الساخنة) من السوق، ما جعل الجنيه بحاجة إلى مساعدة “الصندوق”، وفقاً لمؤسسة “فيتش للتصنيف الائتماني”. 

خطوط الصورة 

لا تكتمل خطوط الصورة من دون الإشارة إلى أن ارتفاع معدلات التضخم- 8.8 في المئة نهاية شباط (فبراير) 2022، بحسب “المركزي” المصري، بالتزامن مع إعلان “الفدرالي” الأميركي رفع الفائدة مرات عدة هذا العام؛ ما فاقم من عمليات “الدولرة” وقلة المعروض من العملة الخضراء في السوق المصرية؛ أمام هذه الارتدادات العنيفة قام البنك المركزي بتعويم الجنيه الأسبوع الماضي، ورفع سعر الفائدة بمقدار 1 في المئة، للمرة الأولى منذ خمس سنوات، للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المصرية، قياساً إلى غيرها من الأسواق الصاعدة وتمويل عجز الميزان التجاري، كما استحدثت البنوك الرئيسية أوعية إدخارية جديدة لمحاولة كبح التضخم العاتي، لكن ذلك ترك آثاراً جانبية مرهقة لقطاعات الاقتصاد والاستثمار بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض وأعبائه على المواطن والدولة. 

 أظهرت الأزمة الأوكرانية ومن قبلها جائحة كورونا عوامل خلل بنيوية في الاقتصاد المصري تخفض توقعات مشجعة للنمو في 2022، الأخطر أنها ترفع معدلات التضخم وغلاء الأسعار، وتؤثر بقسوة في حياة عشرات ملايين من المصريين الذين يقبع 30 في المئة منهم تحت خط الفقر، وتقلّص الطبقة الوسطى .

يكمن جذر الأزمة في تشوه هيكل الاقتصاد الحقيقي، لضعف الاستثمارات العامة في (الأنشطة الإنتاجية الصناعية والزراعية)، بينما تعطي الدولة الأولوية لقطاعات البنية التحتية ذات العائد غير المنظور أو على المدى البعيد، تستهلك مصر أكثر مما تنتج؛ تعاني عجزاً دائماً في الميزان التجاري، اذ تصدر بنحو 30 مليار دولار وتستورد بنحو 65 ملياراً، ويجري سد الفجوة بالاستدانة ما يضغط على العملة الوطنية، ناهيك بأن السياسات المالية والاقتصادية الممتثلة لتعليمات “الصندوق” تحابي الأغنياء على حساب الفقراء، وما لم تستطع مصر سد هذه الفجوة التمويلية بأدوات تمويل محلية/إنتاجية ستظل عالقة في البئر؛ ذلك أن “درهم وقاية خير من قنطار علاج”.

بغض النظر عن مدى إفادة تعويم الجنيه أخيراً لقطاعات الاقتصاد، أو إلى أي مدى يفيد المواطن من ثماره أو يدفع فاتورة أكلافه، فإن الحقيقة الساطعة أن تعويم الجنيه عام 2016 لم يكن كافياً؛ ما استدعى تعويماً آخر الأسبوع الماضي ستكون له ارتداداته، وربما لن يكون الأخير ما لم يتحول الاقتصاد إلى الطابع الإنتاجي.  

موازنة تقشفية 

كعادة المصريين في السخرية، فاضت وسائل التواصل بالنكات وانتقاد السياسات المالية، “بعد التعويم”، تداول أحدهم‏‏: ‏”شمموا الجنيه بصل يا جماعة” -في العرف المصري، يُستخدم البصل في حالات الإفاقة من الإغماء، ظناً أن رائحته النفاذْة تنبه الدورة الدموية والجهاز التنفسي ما يعجل باستعادة الوعي- وهو تعبير مجازي عن غيبوبة الجنيه أمام الدولار.

كشفت تصريحات رئيس الوزراء بأن تعويم الجنيه خطوة ضمن متطلبات برنامج جديد مع صندوق النقد، ما يعني حصول مصر على قرض من الصندوق بقيمة تربو على ثلاثة مليارات دولار، يرفع ثقة المقرضين الآخرين، ويعوض جانباً من تدفق رؤوس الأموال الى الخارج، نتيجة الظروف العالمية، لكن هذا يزيد أعباء “خدمة الدين العام”، ويرفع أسعار السلع والخدمات ويقلص برامج الدعم الموجهة للفقراء. 

تدرك الحكومة المصرية البيئة الخانقة التي يحياها المواطنون بسبب السياسات المالية، تحاول تخفيف حدة الضغوط عليهم، أعدت موازنة تقشفية، وخصصت 130 مليار جنيه للتعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية، ووفرت حزمة مالية جديدة للحماية الاجتماعية وتحسين الرواتب والمعاشات بنحو 15 في المئة، مع زيادة حد الإعفاء الضريبي تخفيفاً عن المواطنين، كما أقرت إجراءات لتحفيز البورصة لجذب الاستثمارات الأجنبية والعربية، لا سيما الخليجية، بطرح شرائح من شركات وكيانات رابحة للتداول، وطرحت سندات في الأسواق الدولية آخرها “سندات ساموراي” بقيمة نصف مليار دولار، في السوق اليابانية. كما أبرزت تصريحات كبار المسؤولين عن التوسع الزراعي وتنويع الواردات، رغبة في التحرك لضمان الأمن الغذائي، وغير خافية عن القاهرة إشارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى خطورة الأزمة الأوكرانية على واردات الغذاء المصرية.  

لكن ذلك يدخل تحت لافتة “الحلول الموقتة”، وهي بطبيعتها غير كافية؛ يرى خبراء الاقتصاد أن مصر بحاجة ماسة إلى أن تبذل جهوداً جبارة كي تتحول منصة عالمية للصناعات المختلفة، وأحد عمالقة إنتاج الطاقة النظيفة، وقبلة للسياحة والاستثمارات في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع بذل أقصى الجهود لتقليل معدلات الفقر والبطالة، وخلق الوظائف، وتحسين معيشة المواطنين، لا سيما الفقراء، وإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى.

إن تدهور مستويات المعيشة بسبب البطالة وانفجار الأسعار؛ بتأثير “التوجهات النيوليبرالية” للصندوق وكورونا وأوكرانيا، ربما يدفع قوى الإسلام السياسي المتربصة للسعي الى إشعال الموقف، لإدخال البلاد في دوامة الخطر، فالأسماك الميتة تسير دائماً مع التيار. تعلم الحكومة المصرية أن توفير الحد الأدني من الرضا العام وسد منافذ السخط الاجتماعي هما أحد شروط استقرار النظام في أي مجتمع، وأن غيابهما يجعل الهدوء الأمني والسياسي موضع تهديد، وهذا ما تحاول تلافيه بشتى السبل. 

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى