أقلام وأراء

محمد ابو الفضل – تركيا تخترق حلفاء مصر في شرق ليبيا

محمد ابو الفضل  2021/12/25

تلقيت دعوة من مجموعة تنتمي لعدد من الأحزاب المصرية السبت الماضي للحديث معهم عن التطورات في ليبيا، وكانت الدعوة مفتوحة للحديث في كل شيء بحرية مع نخبة من الشباب بدت حريصة على معرفة المزيد من تفاصيل ما يجري على الساحة الليبية، وكان اهتمامهم بالغا، ما جعل الحوار يأخذ طابعا شيقا في الأخذ والرد.

ميزة هذه الحوارات أن الحديث فيها يكون صريحا ولا تحكمه ضوابط ضيقة أو حساسيات يمكن أن تقيد حرية التحليل والنقاش، وما شجع على ذلك وجود دراية واضحة لديهم بأن ليبيا تمثل ضلعا مهما في الأمن القومي المصري ومن الضروري أن تكون الأدوات الدبلوماسية مؤثرة بصورة كبيرة.

دار الحديث وسط تطورات متسارعة تشهدها ليبيا، لا أحد يستطيع القطع بالوجهة التي يمكن أن تستقر عليها في المستقبل القريب، والشيء المهم الذي حرصت على توصيله للشباب، ومنهم أعضاء في البرلمان المصري، أن تعزيز دور القاهرة في ليبيا يحتاج إلى رؤية سياسية شاملة والتفاصيل التي تعلمها أجهزة الدولة المختلفة والنشطة والخيوط التي تملكها من الواجب أن تساعد في بلورة الرؤية المطلوبة.

تشعّب الحوار وتطرق إلى قضايا متباينة تتعلق بما يدور في ليبيا والقوى المتصارعة، لكن ظل الهاجس المصري وآليات التعامل مع الأزمة والفاعلين فيها هو المحور الرئيسي في المناقشة، ولتعميم الفائدة للقارئ العربي يمكن تناول جملة من النقاط التي دار حولها الحوار وتطوير بعضها وفقا للمستجدات.

نجحت مصر في التعامل مع الأزمة الليبية أمنيا وحققت الأهداف التي رسمتها بشأن تأمين الحدود وتقويض التهديدات التي أرادت العبث بالأمن القومي. وكان على المعنيين بالملف السياسي البناء على هذه النتيجة والقيام بانفتاح كبير على جميع القوى الليبية واستثمار العلاقات الجيدة مع قوى إقليمية ودولية معنية بالأزمة.

ومع أن الشق السياسي أكثر بروزا في الأزمة الليبية حاليا، لكن المتابع للتطورات الأخيرة يجد أن التفاعل المصري أقل من التوقعات التي راهنت على قدرة القاهرة في المساهمة بدرجة كبيرة في تسوية بدأت ملامحها تلوح في الأفق مؤخرا.

اشتبكت تركيا مع التطورات السياسية وقامت بعملية استدارة تتواءم مع المعطيات الدولية التي أولت منحى التسوية أهمية كبيرة، وانتهزت الفرصة لتطوير علاقاتها مع الشرق، والذي تملك فيه القاهرة حلفاء سياسيين وعسكريين كبارا، واستقبلت شخصيات قريبة من القيادات المؤثرة فيه تمهيدا لاستقبالهم لاحقا.

في الوقت الذي تتقدم فيه أنقرة على المستوى السياسي في الشرق لوحظ أن القاهرة تتراجع في هذا الإقليم، والحلفاء الذين تعاونت ونسقت معهم لم تعد علاقاتهم قاصرة عليها وقبلوا بالتجاوب مع الإشارات التي وصلت إليهم من تركيا.

لم يحقق تعيين قائم بالأعمال المصري في طرابلس الغرض منه في توثيق العلاقات مع العديد من القوى السياسية في منطقة الغرب أو غيره من مناطق ليبيا، وتأكيد فكرة أن القاهرة تقف على مسافة واحدة من الجميع وتدعم أمن الدولة الليبية واستقرارها ووحدتها، وهو التوجه الذي يحرص الرئيس عبدالفتاح السيسي على دعمه في تصريحاته بشأن ليبيا والمفترض أن تعكسه بجلاء التصرفات الدبلوماسية على الأرض وتكون له مردودات لدى الليبيين الذين يتطلعون إلى دور كبير لمصر في الفترة المقبلة.

وتولى منصب القائم بالأعمال المصري السفير محمد ثروت ثم تامر مصطفى، وهما لا تتوافر لهما خبرة كافية بليبيا تمكنهما من فك ألغاز التعقيدات الراهنة، ولم توفر وزارة الخارجية مقرا مناسبا لممارسة المهام الدبلوماسية هناك.

لا يزال السفير تامر مصطفى يدير عمله من أحد الفنادق في طرابلس بما لا يتسق مع مكانة بلاده ودورها وأهدافها وطموحاتها، ولم يجتهد الرجل في استثمار ما راكمه زملاء سابقون له ويسهم في توسيع الحضور السياسي لمصر في ليبيا، قبل أن تقطف تركيا الكثير من الثمار السياسية وتجذب إليها قوى كانت على النقيض منها.

تحتاج المرحلة المقبلة المزيد من جهود القاهرة التي تتناسب مع حجم التطورات المتسارعة في الأزمة التي دخلت نفقا جديدا مع صعوبة إجراء الانتخابات في موعدها، فالموقف يتطلب ترتيبات مغايرة للتفاهم حول موعد جديد في أقرب وقت.

وتشجعت بعض الجهات التي حققت غرضها في تأجيل الانتخابات للدفع نحو استمرار الأوضاع على ما هي عليه إلى حين رسم خارطة تساعدها على التحكم في السلطة، وتعلم أن من يملك أوراقا أكثر تأثيرا يتمكن من الحفاظ على مصالحه السياسية.

أثمرت تحركات مصرية سابقة في الحصول على نتائج جيدة حيال وضع قضية التدخلات الخارجية الأمنية وانتشار المرتزقة والاهتمام بعملية توحيد المؤسسة العسكرية على أجندة المجتمع الدولي.

بدأت تركيا صاحبة اليد الطولى في هذه المجالات تفرمل تغولها عسكريا وتفعل أدواتها الأخرى عقب تيقنها من أن هندسة الأوضاع في ليبيا ترسمها النجاحات السياسية قبل الأمنية، لذلك زادت من انفتاحها على قوى كانت على خلاف معها.

وتعلم أنقرة أن التركيز على التوجه السياسي يعفيها من الدخول في أزمات مع قوى إقليمية تخطب ودها حاليا، فلجأت إلى العمل عليه بكثافة، واستقبلت قبل أيام أعضاء في مجلس النواب من شرق ليبيا ممن كانوا على خصومة شديدة معها في السابق وعارضوا تدخلاتها العسكرية وقاوموا عبر البرلمان أطماعها الاقتصادية والبحرية.

توحي زيارة هؤلاء مؤخرا بنتيجتين مهمتين. الأولى، أن هناك تكتيكا جديدا تتبناه تركيا للحفاظ على مصالحها في ليبيا لم يعد يعتمد على الخيار العسكري وحده. والثانية، أن علاقة مصر السياسية بقوى كانت تربطها بها علاقات جيدة ينتابها الفتور.

في الحالتين، توجد تغيرات يمكن أن تؤثر سلبا على مصالح مصر إذا عرفنا أن الوفد البرلماني الليبي ناقش سبل عودة الشركات التركية إلى العمل في المنطقة الشرقية عقب فترة من القطيعة بسبب الدعم العسكري لقوات حكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج، وأن اختراقا خطيرا لنفوذ مصر السياسي بدأت معالمه في الظهور.

تشير هذه التطورات إلى أن أنقرة راجعت تصوراتها في ليبيا، وأن ثمة دوافع تشجعها على توسيع نطاق نفوذها سياسيا بعد أن استنزفت الورقة العسكرية جانبا كبيرا من أغراضها، ما يعني أن حضورها سوف يتزايد وقد يصطحب معه تأثيرا في عملية سياسية تمر بانعدام وزن تجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات.

لتعزيز دور القاهرة في ليبيا وسد المنافذ أمام تركيا التي لم يسفر الحوار معها عن مقاربة واضحة من الواجب أن تسبق تحركاتها الدبلوماسية منافسيها بخطوات وتفرض عليهم اللحاق بها قبل أن يتم رسم مستقبل هذا البلد بشكل يضر بالمصالح الحيوية لمصر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى