محمد أبو رمان يكتب -  الإبحار في محيط عاصف - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

محمد أبو رمان يكتب –  الإبحار في محيط عاصف

0 75

محمد أبو رمان *- 5/1/2021

يقول سياسي أردني “من الضروري أن نتذكّر دوماً أننا لسنا على حدود الدنمارك والنمسا”، بل سفينة في بحر متلاطم وأمواج عاتية شديدة وتقلبات كبيرة تعصف بالدول والمجتمعات في كل مكان.

جاء حديث ذلك السياسي المحنّك في ندوة حوارية (عقدها معهد السياسة والمجتمع في عمّان ومركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية) ناقش فيها وزير الخارجية، أيمن الصفدي، مع نخبة من المحللين والسياسيين والأكاديميين أولويات الدبلوماسية الأردنية في العام الحالي. ولأنّ الجلسة تنطبق عليها قواعد

 Chatham House (بمعنى تداول المعلومات والأفكار من دون نسبتها للمتحدثين)، فسأشير في هذا المقال إلى بعض النقاط الجدلية التي أثارها المتداخلون، الذين يعكسون، بدورهم، اتجاهات سياسية وفكرية متنوعة في المشهد السياسي الأردني.

في تعريف المصالح الاستراتيجية الأردنية وتحديدها، هنالك ملفات مهمة ورئيسية؛ القضية الفلسطينية والتسوية السلمية، السوري، العراقي. وهي التي تمثّل الأولويات الرئيسية للديبلوماسية الأردنية خلال العام المقبل، فما هي التحديات والتوقعات والسيناريوهات وفقاً لرأي النخبة الأردنية؟

 على الرغم من أنّ خروج الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض رفع عن كاهل صانع القرار في عمّان عبئاً ثقيلاً، وأنهى سيناريو مزعجاً كان كالكابوس، لو بقي الرجل واستمر صهره جاريد كوشنر بضغوطه، إلا أنّ هنالك وقائع جديدة تكرست وترسّخت لا يمكن تغييرها أو التحايل عليها في معادلة العلاقة مع إسرائيل، أردنياً وفلسطينياً! كنقل السفارة الأميركية إلى القدس وبناء مزيد من المستوطنات، والأهم، وربما الأخطر، قطار التطبيع الذي أقلّ دولاً عربية عديدة، الإمارات والبحرين والسودان والمغرب.

على الأغلب، سيتعامل الأردن مع هذه العلاقات الجديدة بوصفها أمراً واقعاً، فرضته مصالح تلك الدول المطبّعة، ولا جدوى، وفقاً لهذا الاتجاه، من استمرار المعاندة وإنكار الحقائق، لأنّ ذلك سيعزل الفلسطينيين أكثر، ويمكّن إسرائيل من تحقيق مصالحها وتجاوز عقبة القضية الفلسطينية. لذلك يقترح هذا الاتجاه السياسي استيعاب الدول العربية المطبّعة مرّة أخرى، وتجسير العلاقة معها، لصالح إعادة بناء السردية العربية مرّة أخرى، بما يخدم المصالح الفلسطينية والأردنية، أي محاولة الزجّ مرة أخرى بالقضية الفلسطينية في قلب المعادلة العربية الإسرائيلية، وعدم استبعادها بالمطلق في إقامة مثل هذه العقبات. في المقابل، ثمة انتقادات رئيسية لهذا الطرح، وتشكيك في مدى فعاليته وجدواه على صعيد الوضع الفلسطيني، من أكثر من زاوية:

أولاً، ما قيمة السردية العربية الجديدة؟ طالما أنّ إسرائيل أخذت ما تريد وتدرك تماماً أنّ الواقع أقوى من السرديات والخطابات، وأنّ التطبيع العربي – الإسرائيلي يعني أنّ هنالك قبولاً عربياً بإسرائيل سواء كانت هنالك تسوية أم لا؟

سيتعامل الأردن مع العلاقات العربية الإسرائيلية الجديدة بوصفها أمراً واقعاً، فرضته مصالح تلك الدول المطبّعة، فلا جدوى من استمرار المعاندة وإنكار الحقائق

ثانياً، تميل موازين القوى لإسرائيل، والواقع الإسرائيلي (حتى مع معادلة الانتخابات المبكّرة القادمة هناك) أصبح يتمايل بين يمين ويمين متشدّد وآخر متشدد جداً، وبالتالي لا يوجد هنالك من سينصت في إسرائيل لهذه اللغة العربية، طالما الواقع العربي في هذا التهتك الاستراتيجي!

ثالثاً، بناء السرديات العربية التي تغلق الفجوات الواسعة في العلاقة بين الدول العربية أمر صعب للغاية، في ظل الفجوة الواسعة والعميقة في رؤية الدول العربية لمصالحها وأولوياتها ومصادر التهديد، وبالتالي قد تجدي هذه المحاولة في تحييد الخلافات العربية الداخلية، أو التخفيف منها، وربما تجنب انفجارها، لكنها لن تغير من الوضع المتدهور للقضية الفلسطينية جرّاء انحلال العمق الاستراتيجي العربي.

لا يوجد أمام مطبخ القرار في عمّان إلا العمل مرّة أخرى على محاولة لملمة موقف عربي ووقف النزيف الحالي

وما دامت فكرة إعادة النظر في التحالفات الاستراتيجية الأردنية غير مطروحة، في أروقة القرار، فلا إيران يمكن أن تكون حليفاً استراتيجياً للأردن، ولا الأجندة التركية يمكن أن تكون بديلاً، فلا يوجد أمام مطبخ القرار في عمّان، وفقاً للاتجاه السابق، إلا العمل مرّة أخرى على محاولة لملمة موقف عربي ووقف النزيف الحالي. ووقف التدهور وإيقاف المكتسبات الإسرائيلية التي تحققت خلال فترة ترامب يمكن أن يكون الهدف الأول للدبلوماسية الأردنية، ثم العودة إلى “ترميم الموقف العربي” قدر الإمكان (ولعلّ ذلك أدق في التعبير من مصطلح “بناء سردية عربية جديدة”)، وهي مهمة (ترميم الموقف العربي) صعبة، وتحتاج رؤية عربية جديدة للمشكلات الإقليمية والمتغيرات التي حدثت، ولأهداف مشتركة تعيد الزخم وتبرّر الاحتفاظ بفكرة العروبة إطارا سياسيا إقليميا.

يعكف الأردن، في الأثناء، على تطوير العلاقة الثلاثية الجديدة (مع العراق ومصر) لإنجاز منظور مشترك للمصالح الاقتصادية والأمنية بين الدول الثلاث، خصوصا العراق، الذي مثّل، وما يزال، عمقاً استراتيجياً للأردن. ولعلّ التقارب مع الحكومة الحالية يعتبر متقدّماً بمراحل متوترة ومضطربة بعد احتلال العراق 2003، لكن ما يدركه صانع القرار في عمّان أنّ الوصول إلى تعزيز علاقات تعاون جيدة ومستمرة ومستقرة يتطلب استقراراً في العراق، وهو أمر يخضع حالياً للتجاذبات الأميركية الإيرانية. وثمّة توافق في أوساط النخبة السياسية الأردنية على دعم الاستقرار في العراق وتطوير العلاقات مع الحكومة العراقية، ومساعدتها بالوسائل كافّة لتجاوز الأزمات الداخلية، الأمر الذي قد يساعد على تحقيقه التقارب الثلاثي (الأردني، المصري، العراقي).

تقارب الأردن مع سورية والعراق يعني إعادة تعريف العلاقة مع إيران، وهو ما يتقاطع مع رؤية دول عربية أخرى، ترى في إيران مصدر تهديد رئيسي لها

في الوقت نفسه، تحدّث رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، عن مشروع الشام الجديد، الذي يضم سورية ولبنان، بالإضافة إلى الدول الثلاث، وهو أمر لا يزال خارج إطار اللقاءات الثلاثية الجارية، ولم يتم الحديث الصريح عنه. ولكن الأردن إذا أراد أن يتقدّم خطواتٍ إلى الأمام في مجال حماية مصالحه وتطوير منظوره الاستراتيجي للوضع الإقليمي، كما يرى اتجاه في النخبة الأردنية، فمن الضروري أن يسعى إلى ضم سورية إلى العلاقات الثلاثية، وتطوير شبكة التعامل معها، لرد الاعتبار، أيضاً، على صعيد القضية الفلسطينية لدور “دول الطوق”، بوصفها طرفا مهما في موازاة الطرح الإسرائيلي لـ”السلام الإقليمي”.

بالضرورة، التقارب مع سورية والعراق يعني إعادة تعريف العلاقة مع إيران، وهو ما يتقاطع مع رؤية دول عربية أخرى، ترى في إيران مصدر تهديد رئيسي لها، وربما يكون الوضع أقل ضغطاً مع الإدارة الأميركية الجديدة التي تحمل طرحاً أقل تشدّداً تجاه إيران. 

من الواضح، إذن، أنّ هنالك حراكاً إقليمياً من مختلف دول المنطقة، وترتيب جديد للحسابات مع بدايات العام الحالي والإدارة الأميركية الجديدة، بل والمتغيرات الدولية والإقليمية، وهي الأمور التي تستدخلها القراءة الأردنية لرسم معالم الدبلوماسية المطلوبة في إقليمٍ مضطربٍ ومتوتر ومشحون.

*وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.