Take a fresh look at your lifestyle.

محمد أبو رمان – “حرّاس الدين” وأفول القاعدة في المشرق

0 102

محمد أبو رمان *- 12/10/2021

في الكتاب الصادر أخيرا (تم إطلاقه أول من أمس الأحد، بالتعاون بين معهد السياسة والمجتمع ومكتبة الأرشيف في عمّان)، بعنوان “تنظيم حرّاس الدين… صعود القاعدة وأفولها في المشرق العربي” (مؤسّسة فريدريش أيبرت، مكتب عمّان، 2021)، تتبّعت مع الصديق حسن أبو هنية محاولات تنظيم القاعدة وضع قدمٍ له في منطقة المشرق العربي، مروراً بتأسيس مشروع أبو مصعب الزرقاوي في العراق، والجماعات الصغيرة وصولاً إلى جبهة النصرة التي أصبحت هيئة تحرير الشام، ولاحقاً تقزّم مشروع “القاعدة” إلى تنظيم حرّاس الدين، الذي ولد وهو يعاني من أمراض عضال منذ البداية!

راهنت قيادة التنظيم المركزي في خراسان، وقيادته الإقليمية في إيران على الفرع السوري للقاعدة لإحياء مشرع القاعدة الطموح في بلاد الشام، لاعتباراتٍ دينيةٍ واستراتيجيةٍ، حيث دخل تنظيم القاعدة في فترة مبكّرة إلى سورية، عقب الانتفاضة الشعبية ضد النظام، وسرعان ما تحولت سورية إلى أهم ساحة قتالية جهادية للحركات الجهادية المعولمة، حيث تقاطر جهاديو “القاعدة” المعولمون من شتى بقاع الأرض، وانخرطوا في جماعاتٍ جهاديةٍ عديدةٍ للتعمية على صلاتهم التنظيمية وانتماءاتهم الإيديولوجية.

يعتبر تنظيم حرّاس الدين الفرع الأحدث تأسيساً بين الفروع الإقليمية لـ”القاعدة”، فقد ظهر في فبراير/ شباط 2018. كانت ولادته عسيرة بعد مسار شاقّ أسفر عن فشل مشروعات “القاعدة” في العراق وسورية تباعاً، عقب تمرّد الفرع العراقي وانشقاقه عام 2013، وتبعه تمرّد الفرع السوري بفك ارتباط جبهة النصرة 2016، ثم تشكيل هيئة تحرير الشام بعد نحو عامين. وقد تمكّن تنظيم حراس الدين خلال فترة وجيزة من الصعود والصمود، إذ تنامت قدرات الفرع الجديد لـ”القاعدة” في شمال شرق سورية، والذي استغلّ انشغال قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن بمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وفي أعقاب هزيمة الأخير في المنطقة، وطرده من آخر معاقله في الباغوز، شمال شرق سورية، في مارس/ آذار 2019. وفي أوج صعود الحرّاس، بدأت الولايات المتحدة الالتفات أكثر إلى الخطر القاعدي الصاعد في سورية.

ركّزت هيئة تحرير الشام أجندتها على سورية، مع عدم العناية بشن هجمات في الخارج.

لم تكن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية فرصة “القاعدة” بإعادة تقديم نفسها وكيلاً حصرياً للجهادية العالمية، وإعادة بناء “القاعدة” في سورية، فقد فسحت تلك الهزيمة المجال للولايات المتحدة للالتفات أكثر إلى الفرع الصاعد للقاعدة في سورية، بعدما تكاثرت التقارير عن خطر نهج “القاعدة” ومشروعه الجديد بدمج البعد المحلي بالبعد العالمي في القتال عبر بوابة سورية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تمسّكت بوصف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية تابعة لـ”القاعدة”، فقد بدت تفرّق بين نهج هيئة تحرير الشام و”حرّاس الدين”، إذ ركّزت هيئة تحرير الشام أجندتها على سورية، مع عدم العناية بشن هجمات في الخارج. وعلى النقيض من ذلك، قيل إن لدى تنظيم حرّاس الدين نظرة أكثر عالميةً، وسرعان ما صنفت الولايات المتحدة “حراس الدين” منظمة إرهابية تتبع “القاعدة” في 10 سبتمبر/ أيلول 2019، وخصّصت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار، تستهدف ثلاثة من كبار القادة في التنظيم: أبو عبد الكريم المصري، وفاروق السوري، وسامي العريدي.

وفي ظل المتغيرت الجديدة، وقع تنظيم حرّاس الدين بين مطرقة الولايات المتحدة وسندان هيئة تحرير الشام، وباتت قيادات التنظيم ومقاره هدفاً مفضلاً للطائرات الأميركية من الجو، وصيداً سهلاً لقوات هيئة تحرير الشام، فقد فتحت وزارة الدفاع (البنتاغون) خطّاً ساخناً مع القادة الروس، للسماح للأميركيين بالقيام بغاراتٍ جويةٍ من دون اعتراضها ضد قادة من تنظيم القاعدة ومعسكرات تدريب في حلب وإدلب.

بحلول عام 2021، كان تنظيم حرّاس الدين قد خسر معظم قياداته، عن طريق غارات جوية أميركية بطائراتٍ من دون طيار.

لا يزال تنظيم حرّاس الدين تحت الضغط، ويصارع للبقاء في ظل حملة جوية للتحالف الدولي بقيادة واشنطن، وحملة برّية لهيئة تحرير الشام، لكن مشروع “القاعدة” الطموح في سورية الذي شهد صعوداً في بداية تأسيسه، 2018، وتمكّن من تجنيد نحو خمسة آلاف مقاتل، ونسج علاقات وتحالفات مع حركات سلفية جهادية، شهد نكوصاً في بداية 2021، ولم يعُد لديه أكثر من 500 مقاتل مشتّتين ومبعثرين، من دون توفر تمويلات كافية ومقار ثابتة وأسلحة ثقيلة ومتوسطة، ويقتصر وجودهم على شكل خلايا متفرّقة من دون قيادة مركزية، وهم في حالة خوفٍ وحذرٍ دائمين خشية ضربات التحالف الدولي، أو اعتقالات هيئة تحرير الشام، بقيادة أبو محمد الجولاني.

وبحلول عام 2021، كان تنظيم حرّاس الدين قد خسر معظم قياداته، عن طريق غارات جوية أميركية بطائراتٍ من دون طيار، أو عن طريق الاغتيالات الميدانية، إذ استهدفت هجمات التحالف الدولي، في مرحلة مبكرة، القيادات الجهادية المرتبطة بـ”القاعدة” في سورية، التي أطلقت عليها الولايات المتحدة “مجموعة خراسان” فقتل بتاريخ 8 يوليو/ تموز 2015 محسن الفضلي، وفي 5 يوليو/ تموز 2015، قتل الفرنسي دافيد دروغون، وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، قتل عبد المحسن عبد الله إبراهيم الشارخ، المعروف بـ”سنافي النصر”، وفي 5 مارس/ آذار 2015، قتل أبو عمر الكردي، وأبو مصعب الفلسطيني، وأبو البراء الأنصاري. وفي 3 إبريل/ نيسان 2016 قتل أبو فراس السوري، وفي 5 إبريل/ نيسان 2016، قتل رفاعي طه الملقب بأبي ياسر المصري، وفي 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، قتل أحمد سلامة مبروك الملقب بأبو الفرج المصري، وفي 8 سبتمبر/ أيلول 2016، قتل أسامة نمورة الملقب بأبو عمر سراقب وأبو هاجر الحمصي، وفي 26 فبراير/ شباط 2017، قتل أبو الخير المصري أحمد حسن أبو الخير.

ساهمت الخلافات الداخلية الإيديولوجية والنزاعات الشخصية والصراعات المناطقية الجهوية في انحسار تنظيم “حرّاس الدين” وانحداره .

لم يتراجع الضغط الأميركي بعد تأسيس “حرّاس الدين” فقد تزايدت وتيرة استهداف قيادات التنظيم، وكان إياد الطوباسي، الملقب بأبو جُليبيب الأردني، قد قُتل أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2018، في منطقة اللجاة بريف درعا، برصاص قوات النظام، في أثناء محاولته تأسيس فرع في جنوب سورية، وقُتل القيادي الأردني ساري شهاب الملقب بأبو خلاد المهندس، في 22 أغسطس/ آب 2019، بانفجار عبوة ناسفة في سيارته في إدلب، وفي 30 يونيو/ حزيران 2019، قتل عناصر من تنظيم حرّاس الدين، في قصفٍ من طائرات أميركية على منطقة ريف المهندسين، غربي حلب، وعُرف من بين القتلى القياديان أبو عمر التونسي، وأبو ذرّ المصري، وأبو يحيى الجزائري، وأبو دجانة التونسي، وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول 2019، قُتل بلال خريسات، الملقب بأبو خديجة الأردني، بغارة أميركية استهدفت سيارته قرب ترمانين بريف إدلب الشمالي، وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قتل أبو محمد السوداني بغارة جوية أميركية في بلدة عرب سعيد، غربي مدينة إدلب، وفي 14 يونيو/ حزيران 2020، قتل خالد العاروري، الملقب بأبو القسام الأردني، بغارة جوية أميركية في محافظة إدلب، شمال غربي سورية.

لم تتوقف مشكلات “حرّاس الدين” على ضربات التحالف الدولي، وملاحقة هيئة تحرير الشام واعتقالاتها، فقد ساهمت الخلافات الداخلية الإيديولوجية والنزاعات الشخصية والصراعات المناطقية الجهوية في انحسار التنظيم وانحداره، فعلى الرغم من تبنّيه أطروحات المدرسة السلفية الجهادية وأفكارها ومواقفها، ووجود روابط تنظيمية وصلات إيديولوجية للأشخاص والكيانات التي شكّلت تنظيم حرّاس الدين بـ”القاعدة”، إلا أن التنظيم لم يكن يتوفر على تجانس إيديولوجي صلب ومشتت بين اجتهادات ومدارس سلفية جهادية عدة، ومنقسم في مجال النظر والعمل، إذ يستند فريقٌ على الصعيد النظري إلى مرجعية أبو محمد المقدسي، والآخر إلى عطية الله الليبي، ومنقسم على الصعيد العملي بين نهج أسامة بن لادن ونهج أبو مصعب الزرقاوي. ومنذ تأسيسه، كان تنظيم حرّاس الدين يفتقر إلى هيكل تنظيمي مركزي متماسك، تتوزّع مكوناته التنظيمية إلى مجموعات صغيرة متناثرة، وتعاني من شحّ الموارد والتمويل.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.